muhammedbabiker@aol.co.uk
دكتور محمد عبدالله
في خضمّ هدير المدافع وصرخات النزوح التي اجتاحت السودان منذ أبريل 2023، تُخاض حرب أخرى لا صوت لها، لكنها أشدّ فتكاً بمستقبل البلاد. حربٌ تجد تربتها الخصبة في الفوضى وتفكك مؤسسات الدولة، حيث تتحوّل المخدرات من مشكلة هامشية إلى وباء زاحف، يتسلل إلى الأحياء والمدارس، ويستهدف جيلاً كاملاً من الشباب والمراهقين الباحثين عن مهرب من واقع يضيق يوماً بعد يوم.
تشهد ولايات سودانية عدة، ولا سيما في شرق البلاد وأحياء واسعة من العاصمة الخرطوم، ارتفاعاً مقلقاً في معدلات تعاطي المخدرات بين فئات عمرية صغيرة لم تكن، حتى وقت قريب، في دائرة الخطر. طلاب مدارس وجامعات يجدون أنفسهم، في ظل انهيار منظومات الرقابة الاجتماعية وتراجع سلطة الدولة، أمام مواد خطرة تُعرض أحياناً بلا مواربة في الأسواق وأماكن التجمع، مستفيدة من فراغ أمني فتح الأبواب على مصاريعها لشبكات التهريب. ولم تعد هذه التجارة القاتلة سراً متداولاً في الخفاء، بل باتت جزءاً مرئياً من المشهد اليومي، تغذيها الأزمة الاقتصادية الخانقة وغياب أي أفق واضح للمستقبل.
لقد دفعت الحرب بظاهرة المخدرات إلى مستوى جديد، محوّلة إياها إلى ما يشبه «حرباً موازية» تستفيد من انشغال الدولة بصراعها المسلح وتراجع أدوارها التنظيمية والرقابية. انهيار البنية الاقتصادية والاجتماعية ألقى بالشباب في دائرة هشاشة غير مسبوقة، حيث يصبح الإدمان محاولة بائسة لنسيان مؤقت، أو للهروب من واقع لا يُحتمل. ولا تقف النتائج عند حدود الفرد المتعاطي، بل تمتد إلى المجتمع كله، مع تصاعد معدلات الجريمة والعنف الأسري، وانزلاق بعض الشباب من دائرة التعاطي إلى دوائر الاتجار الصغيرة، كحلّ أخير لتأمين لقمة العيش في اقتصاد منهار.
ولا يمكن فصل هذا التفشي المتسارع عن منطق «الاقتصاد الحربي» الذي أفرزته سنوات الصراع، حيث تتحول الفوضى إلى سوق، والحدود إلى ممرات مفتوحة، والدولة الغائبة إلى فرصة استثمارية لشبكات الجريمة المنظمة. فالمخدرات في السودان لم تعد مجرد تجارة محلية، بل حلقة ضمن شبكات تهريب عابرة للحدود، تتقاطع مع تجارة السلاح والبشر والوقود، وتستفيد من هشاشة الجغرافيا وانكسار القانون. في هذا السياق، يصبح الشاب العاطل حلقة ضعيفة في سلسلة معقدة: مستهلكاً في البداية، ثم ناقلاً أو مروجاً، قبل أن يُستبدل بسهولة بغيره. هكذا يعمل الاقتصاد الحربي على إعادة تدوير اليأس، محولاً المعاناة اليومية إلى وقود لأرباح سريعة، فيما تدفع المجتمعات المحلية الثمن مضاعفاً، بتفككها وفقدان أجيالها الشابة.
أمام هذا الخطر الداهم، تحاول الجهات الرسمية والمجتمع المدني التحرك، وإن بدت الجهود حتى الآن أقل بكثير من حجم التحدي. فالحملات الأمنية التي تُعلن بين حين وآخر لمكافحة التهريب وضبط المتورطين، تظل ضرورية لكنها غير كافية إذا بقيت معزولة عن مقاربة شاملة. في المقابل، تسعى منظمات المجتمع المدني، بإمكانات محدودة، إلى سدّ فجوة واسعة عبر حملات توعوية في المدارس والجامعات، محاولة تعويض غياب برامج وقائية وإرشادية مستدامة، في معركة تبدو غير متكافئة.
وتكشف تجارب دول أخرى خاضت صراعاً طويلاً مع المخدرات عن درس أساسي: المقاربة الأمنية وحدها لا تكسب هذه الحرب. فالبلدان التي نجحت في الحد من انتشار الإدمان اعتمدت نهجاً متكاملاً، جمع بين التوعية المبكرة، وبناء المهارات الحياتية التي تساعد الشباب على مقاومة الضغوط، وتوفير بدائل حقيقية للإنجاز والعمل، إلى جانب تعزيز دور الأسرة وإشراكها. كما شكّل العلاج النفسي والاجتماعي للمتورطين ركيزة أساسية، تقوم على التعامل مع المتعاطي بوصفه ضحية تحتاج إلى إعادة دمج، لا مجرد مخالف يستحق العقاب.
إن أزمة المخدرات في السودان اليوم تتجاوز كونها انحرافاً سلوكياً؛ فهي عرض لمرض أعمق، ونداء استغاثة من جيل نشأ في زمن الانهيار وفقدان اليقين. المعركة الحقيقية لا تُختزل في مصادرة شحنات أو اعتقال مهربين، بل في إعادة بناء الدولة الاجتماعية القادرة على حماية شبابها، واستعادة الأمل في نفوسهم، وفتح سبل العيش الكريم. إنها معركة صحة عامة وتنمية بشرية بامتياز، واختبار حقيقي لإرادة المجتمع السوداني في الحفاظ على مقومات بقائه. فإما أن يتحول هذا التحدي القاتل إلى فرصة لإعادة التماسك والبناء، وإما أن يخسر السودان جيلاً بأكمله في متاهات الإدمان، وهو ثمن لا يحتمله وطن أنهكته الحروب بما يكفي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم