د. محمد عبدالله
بين الأكاديميين الذين خاضوا غمار أفريقيا، يظل للمؤرخ الفرنسي جيرار برونييه * صوته الخاص. فهو ليس من أولئك الذين يكتبون عن القارة من خلف المكاتب أو في أروقة مراكز الأبحاث. رجل مشى على دروب الحرب، من رواندا إلى الكونغو الديمقراطية، ومن إثيوبيا إلى السودان. ولعل هذا ما جعله أقل اكتراثاً باللغة الدبلوماسية عندما يرسم صورة ما يراه. لذلك جاءت أحكامه عن السودان قاسية، بل لاذعة أحياناً.
في ثنايا كتاباته ثمة خيط ناظم يفسر به المأساة السودانية: العالم يتعامل مع السودان بوصفه دولة قائمة، لا لأن الوقائع تؤكد ذلك، بل لأن الاعتراف بانهياره الكامل يعني فتح أبواب الفوضى على إقليم بأسره. أما ما يراه برونييه على الأرض فمختلف جذرياً: كيان ينهش نفسه بنفسه، تتفكك أوصاله يوماً بعد يوم.
قد يبدو هذا الحكم قاسياً، لكن تاريخ السودان الحديث يضعه في سياق لا يرحم. فمنذ الاستقلال لم يذق السودان طعم الاستقرار الطويل. حروب في الجنوب امتدت عقوداً وانتهت بالانفصال، ثم تمزق في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وأخيراً حرب ضروس في رحم العاصمة نفسها.
برونييه، الذي درس نماذج أفريقية متعددة، يلفت انتباهه أمر لافت: السودان أخفق حيث نجح آخرون. ففي إثيوبيا ورواندا، رغم المآسي، بقيت فكرة الدولة عصية على الانهيار الكامل. أما في السودان فظل الولاء الوجداني حبيس دوائر ضيقة: القبيلة، الطائفة، أو الإقليم.
ولتقريب الصورة، يقارن برونييه بين السودان ومصر. ففي مصر تشكل وعي وطني عميق عبر قرون. المصري، حتى في أشد لحظات غضبه على الحكم، يرى في الدولة امتداداً لهويته وتاريخه. لذلك، حتى في أحلك الأزمات، بقيت مؤسسات الدولة قائمة.
أما في السودان فقد نشأت الدولة الحديثة كإطار إداري فرضه الحكم التركي ثم البريطاني. لم يصهر تاريخ طويل سكان هذه الرقعة الشاسعة في بوتقة واحدة. اجتمعت شعوب وقبائل تحت سقف واحد من دون مشروع وطني جامع. فصارت الدولة شكلاً إدارياً أكثر منها كياناً وجدانياً.
وتظهر هذه الهوة بوضوح في العلاقة مع العاصمة. فالقاهرة في الوجدان المصري هي القلب النابض للدولة. أما الخرطوم فظلت، في نظر كثير من الأقاليم، مركزاً يستحوذ على السلطة والثروة. لم تكن العلاقة انتماءً بقدر ما كانت خوفاً أو مصلحة.
هذه المعادلة تفسر ما حيّر كثيرين: لماذا تتحول الخصومات السياسية في السودان إلى حروب وجودية؟ في بلدان كثيرة تبقى مؤسسات الدولة خطاً أحمر حتى في أوج الصراع، لأنها تمثل الجميع. أما حين تكون هذه المؤسسات بلا جذور في الوجدان، فإن سقوطها لا يبدو كارثة للجميع.
هنا يصل برونييه إلى صيغته الشهيرة: مصر «أمة وجدت دولة»، أما السودان فهو «دولة تبحث عن أمة». جملة قاسية، لكنها تلخص إشكالاً تاريخياً ما زال السودان يدفع ثمنه حتى اليوم.
ومع ذلك فالصورة ليست قاتمة بالكامل. فكثير من زوار السودان يلاحظون مفارقة لافتة: مجتمع غني بخصال إنسانية نادرة؛ كرم واسع، وتضامن اجتماعي عميق، وروابط إنسانية متينة. المشكلة ليست في الناس، بل في عجز هذه القيم عن التحول إلى عقد سياسي يحمي الدولة ويمنحها معنى مشتركاً.
الخطر الحقيقي يبدأ حين تضعف السلطة المركزية في بلد شاسع كالسودان. فبرونييه، وهو يستحضر تجارب الصومال والكونغو، يرى أن انهيار الدولة مع صعود العصبيات المحلية يقود إلى ما يشبه «التحلل البطيء». لا تموت الدولة فجأة، بل تتحول تدريجياً إلى خريطة متنافرة من مناطق النفوذ.
وفي السودان قد يكون المشهد أكثر تعقيداً. فالجغرافيا الشاسعة وتعدد المكونات يجعلان من الصعب أن يحسم طرف واحد الصراع عسكرياً كما حدث في رواندا. لذلك يخشى برونييه من سيناريو «التقسيم الفوضوي»: كيانات محلية تدير نفسها بحكم الأمر الواقع، من دون اعتراف دولي واضح، كما حدث في بعض مناطق القرن الأفريقي.
في هذا السيناريو يبقى اسم السودان على الخرائط، لكنه يتحول إلى قشرة فارغة. تصبح البلاد فسيفساء من مناطق متناحرة، وقد تتوقف الحروب أحياناً لا لأن السلام تحقق، بل لأن كل طرف انكفأ داخل حدوده.
ومع ذلك فالمستقبل ليس مغلقاً. فالتاريخ لا يسير دائماً وفق توقعات الخبراء. وقد أثبت السودانيون أكثر من مرة قدرتهم على مفاجأة العالم، سواء في انتفاضات أطاحت أنظمة راسخة، أو في لحظات تضامن نادرة عبّرت عن حلم جماعي بدولة للجميع.
السؤال اليوم ليس فقط كيف تنتهي الحرب، بل كيف يتحول السودان من «كيان إداري» إلى فكرة وطنية جامعة. فالدول لا تقوم بالجغرافيا وحدها، بل بالمعنى الذي يمنحه الناس لها.
إن استطاع السودانيون بناء هذا المعنى المشترك، فقد يولد السودان الذي يستحقونه. أما إذا بقيت القبيلة والإقليم هما الملاذ الأخير، فسيظل السودان — كما وصفه برونييه — دولة تبحث عن أمة لم تر النور بعد.
- جيرار برونييه مؤرخ وباحث فرنسي متخصص في شؤون أفريقيا ومنطقة القرن الأفريقي، ويُعد من أبرز الخبراء الغربيين في قضايا السودان ورواندا والصومال. عمل مستشاراً لوزارة الدفاع الفرنسية وعدة منظمات دولية، واشتهر بكتبه المرجعية عن النزاعات الأفريقية، خصوصاً دراسته المعروفة عن الإبادة الجماعية في رواندا.
muhammedbabiker@aol.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم