زهير عثمان
لم تعد الأزمة السودانية محصورة في إطارها الجغرافي الداخلي، بل تجاوزته لتتحول تدريجياً إلى صراع إقليمي متشابك، تتداخل فيه حسابات دول الجوار مع الديناميكيات العسكرية والسياسية على الأرض , وتتجلى هذه النقلة الخطيرة في مسارين متزامنين- التقاطعات الميدانية والسياسية المتسارعة على الحدود الشرقية مع إثيوبيا، بالتزامن مع تحركات قائد قوات الدعم السريع، والتوتر الدبلوماسي والأمني على الحدود الغربية مع تشاد
أديس أبابا- الحرب تبحث عن شرعية إقليمية
تعكس زيارة محمد حمدان دقلو إلى إثيوبيا سعياً إلى توسيع المجال السياسي للدعم السريع، وتثبيت صورته كفاعل يتجاوز موقعه العسكري الميداني إلى لاعب قادر على نسج علاقات وتحالفات إقليمية، خصوصاً في ظل تصاعد المواجهات في النيل الأزرق واقتراب خطوط الصراع من الحدود الإثيوبية , لكن أهمية الزيارة لا تكمن في بعدها البروتوكولي وحده؛ فهي تأتي في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى إثيوبيا نفسها، التي تنظر إلى تطورات السودان من زاوية أمن الحدود والنيل الأزرق ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة
إنجمينا – الحدود الغربية تدخل دائرة الخطر
في المقابل، فتح الاتهام التشادي للجيش السوداني بتنفيذ ضربة جوية داخل الأراضي التشادية باباً لمخاوف جديدة من تمدد العمليات العسكرية خارج الحدود السودانية , وهنا تكمن الخطورة الحقيقية- فإذا تحولت الاتهامات المتبادلة إلى وقائع عسكرية متكررة، فقد تنتقل الأزمة من مجرد حرب أهلية ذات امتدادات خارجية إلى أزمة أمنية إقليمية يصعب احتواؤها.
حين تفقد الحدود وظيفتها
المشكلة لم تعد في وجود دعم إقليمي لهذا الطرف أو ذاك فحسب، وإنما في أن الحدود السودانية نفسها بدأت تفقد قدرتها على الفصل بين الحرب الداخلية والبيئة الإقليمية , فالمناطق الحدودية أصبحت مساحات لتداخل أمني وعسكري واستخباراتي، بينما تتحول دول الجوار تدريجياً من دول متأثرة بالحرب إلى أطراف لها مصالح مباشرة في مسارها ومآلاتها هنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً , هل ما زلنا أمام حرب سودانية تستعين بالإقليم، أم أننا بدأنا نشهد حرباً إقليمية تُدار على الأرض السودانية؟
ثلاثة سيناريوهات
التصعيد العسكري المفتوح: انجرار دول الجوار إلى مواجهات مباشرة عبر الحدود، وتصاعد الضربات والعمليات الاستباقية، بما يحول السودان إلى ساحة لحرب وكالة إقليمية
التوازن القلق-استمرار التدخلات الإقليمية بصورة غير مباشرة عبر دعم الأطراف المحلية، مع فرض خطوط حمراء تمنع الانفجار الشامل. وهذا يبدو السيناريو الأرجح على المدى القريب
التسوية عبر بوابة الجوار- إدراك العواصم الإقليمية أن استمرار الحرب يهدد أمنها ومصالحها مباشرة، بما يدفعها إلى ممارسة ضغط دبلوماسي منسق على أطراف النزاع للعودة إلى التفاوض , إن المعركة الراهنة لم تعد تتعلق فقط بالسيطرة على دارفور أو كردفان أو النيل الأزرق، وإنما أصبحت صراعاً على شكل الدولة السودانية وموقعها الاستراتيجي في القرن الأفريقي ومنطقة الساحل , وكلما تراجعت قدرة الحدود الوطنية على عزل الحرب، أصبح الخطر أكبر من أن يبقى سودانياً خالصاً
فالسؤال لم يعد فقط- من سينتصر داخل السودان؟ ,بل- إلى أي مدى يستطيع السودان أن يمنع حربه من أن تتحول إلى حرب على السودان والمنطقة؟
