السودان: نظرة في تعثر بناء الدولة (7) .. بقلم: د. النور حمد
برعت الأنظمة الشمولية في ابتكار الأساليب التي تضعف بها العمل المطلبي الذي يتحول في بعض الأحيان إلى أداة ضغطٍ سياسية تهدد أركان النظام القائم. ومن نماذج أساليب تفريغ العمل المطلبي من قدرته الضاغطة ما قام به الرئيس نميري في نهاية السبعينات من القرن الماضي. لقد كانت نقابة السكة حديد من النقابات ذات العضوية الكبيرة، وكان للشيوعيين تأثيرٌ كبير عليها. ولقد اتخذها الشيوعيون في مراتٍ كثيرة أداة للثأر من نظام جعفر نميري، بعد الضربة القاتلة التي تلقوها منه عام 1971، كما سلفت الإشارة. تكررت اضرابات عمال السكة الحديد وأصبحت مهددة للنظام. فقام نميري بإنشاء كتيبة من الجيش أسماها “الكتيبة الاستراتيجية”. تم تدريب تلك الكتيبة على قيادة القطارات وإدارة حركتها وتسييرها. فإذا أضرب عمال السكة الحديد، التي تمثل مرفقًا بالغ الحيوية بالنسبة لبلادٍ مترامية الأطراف كالسودان، تولت هذه الكتيبة إدارة عملياتها وسيرت قطاراتها وأصبح الإضراب بلا تأثير. بل تعدى الأمر ذلك إلى تدمير السكك الحديدية نفسها. فقد أخذت الحكومة تهمل مؤسسة السكك الحديدية فأخذت تنهار تدريجيًا، فتتناقصت قوتها الساحبة من الوابورات الصالحة للعمل، وضعفت قدرتها على الصيانة حتى تحطمت تمامًا. وحين جاء الإسلاميون في عام 1989، ولمعرفتهم بقوة تنظيمها وطبيعتها المشاكسة، سرحوا أكثرية عمالها، ولم يبق في سكك حديد السودان التي كانت تصدر الخبرة للأقطار الإفريقية، شيءٌ يذكر اليوم. في المقابل، كان قطاع النقل الخاص ينتعش وينمو، رغم فارق التكلفة الكبير في أسعار النقل بينه وبينه السكك الحديدية. انهارت السكك الحديدية، وهي مؤسسة حكومية عامة، وازدهر النقل البري التابع للقطاع الخاص. وهكذا، يمكن أن يعود الاستخدام غير الموزون للضغط النقابي بكارثة على العاملين، يمكن أن تصل حد أن يفقدوا المرفق الذي يعملون فيه، وبالتالي قوة الضغط السياسي التي اكتسبوها من خلال ذلك المرفق. ومن أكبر التنظيمات النقابية المماثلة في السودان، “اتحاد مزارعي مشروع الجزيرة والمناقل”. تعرضت مشروع الجزيرة والمناقل وهو أكبر مشروع زراعي حديث في السودان، لنفس الإهمال حتى وقف على حافة الانهيار، فشرع المسؤولون الحكوميون في بيع أصوله. ولكن بسبب الاحتجاجات والغضب الشعبي أوقف رئيس الجمهورية اجراءات البيع. ولا يخفى أن عرض أكبر مشروع للزراعة في السودان يعتمد عليه في عيشهم مئات الآلاف من المزارعين وأسرهم، ومعهم مئات الآلاف من العمال الزراعيين، يجر العمل النقابي من مهمته كقوة ينبغي أن تعمل لتحسين أحوال العاملين، إلى مجرد قوة تطالب بالإبقاء على مشروع أضحى معروضًا للبيع، لأنه لم يعد منتجًا.
تكريس الصوت الواحد:
تأثيرات الحرب الباردة على العمل المطلبي:
……………………………………..
لا توجد تعليقات
