د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي
يشهد الشرق الأوسط منذ نهاية فبراير 2026 تصعيداً عسكرياً واسع النطاق من إيران على دول عربية خليجية، وقد شملت هذه الهجمات ما وصفته دول الخليج بـ “انتهاكات صاروخية وطائرات مسيّرة” تهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي (Al‑Jazeera، 2026) . في هذا السياق، أكدت الخرطوم، حكومةً وشعباً، موقفاً قوياً ومبدئياً في التضامن مع المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول العربية ضد ما اعتُبر عدواناً يمسّ سيادة الدول العربية ويهدد أمنها القومي.
كان رئيس مجلس السيادة السوداني ورئيس هيئة القيادة العسكرية من أوائل القادة الذين سارعوا إلى الاتصال بقادة دول الخليج، بما في ذلك ولي العهد السعودي وقيادات دولة الكويت وقطر والأردن، لإعلان دعم السودان الكامل لهم في مواجهة هذه الهجمات، والتأكيد على رفض أي اعتداء خارجي يمس السيادة الوطنية (Sudan Tribune، 2026) . هذه الاتصالات عززت من الرسالة الدبلوماسية السودانية بأن الخرطوم تعتبر الأمن العربي جزءاً لا يتجزأ من أمن السودان ذاته.
وقد تصاعدت موجة الإدانات العربية والدولية على خلفية الهجمات الإيرانية، بما في ذلك بيانات صادرة عن دول خليجية متعددة أدانت استهداف إيران لوحدة وسلامة دول المنطقة، معتبرةً ذلك انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وتعريضاً للاستقرار الإقليمي للخطر (Al‑Jazeera، 2026) . وفي هذا الإطار، عبرت قوى سياسية سودانية عن شجبها للهجمات الإيرانية التي طالت دول الخليج، ووصفتها بأنها أعمال إرهابية تهدف إلى تقويض الأمن الجماعي، مما يعكس امتداد التضامن من المستوى الرسمي إلى الفضاء السياسي في السودان (Sudan Tribune، 2026) .
يمكن فهم خلفية هذا التضامن السوداني عبر قراءة التطورات التاريخية لعلاقات السودان مع السعودية وإيران: فقد شهدت العلاقات بين الخرطوم وطهران فترات من التعاون والتوتر، ففي السابق كانت إيران تقدم دعماً عسكرياً واقتصادياً للسودان، لكن هذه العلاقات توترت بشدة خلال مشاركة السودان ضمن التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن عام 2015، ثم انقطعت العلاقات الدبلوماسية بين الخرطوم وطهران قبل أن تُستأنف مجدداً في السنوات الأخيرة على خلفية الحرب الأهلية السودانية (Wikipedia، 2026) . هذه الخلفية المعقّدة تجعل الموقف السوداني الراهن تجاه الأزمة الإقليمية محصلة لمصالح وطنية وسياسية واستراتيجية طويلة الأمد، وليست مجرد رد فعل لحظي.
في ضوء هذا السياق، يُعد التضامن السوداني مع السعودية جزءاً من توجه أوسع لدول عربية عديدة أبدت رفضاً جماعياً للهجمات الإيرانية، بما في ذلك دعوات من مجلس الأمن الدولي لوقف فوري للهجمات التي تستهدف الدول العربية، وهو ما يشير إلى إجماع دولي واسع على ضرورة احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية (Al‑Wasat، 2026) .
من الناحية الاجتماعية، عبرت العديد من المنابر الإعلامية والمنصات الشعبية في السودان عن تضامنها مع السعودية باعتبار أن أي اعتداء على دولة عربية لن يؤثر فقط على تلك الدولة، بل على الأمن الجماعي للأمة العربية بأسرها. هذه التضامن الشعبي ظهر في الوسائط الرقمية والتعليقات العامة التي تربط بين الدفاع عن السيادة الوطنية ورفض أي اعتداء خارجي، وهو ما يعكس توافقاً بين الموقف الرسمي والوجدان الشعبي في السودان تجاه هذه الأزمة.
بالنظر إلى الأبعاد السياسية للعلاقات السودانية–السعودية، فإن العلاقة بين البلدين ليست جديدة أو سطحية؛ فهي امتدت لعقود منذ استقلال السودان في منتصف القرن العشرين، وشهدت تعقيدات وتحولات استراتيجية تمتد من توتر في بعض الفترات إلى تعاون في أخرى، كما ظهر ذلك جلياً عندما أرسلت الخرطوم قواتها إلى اليمن ضمن التحالف السعودي في صراع اليمن منذ عام 2015، مما أسهم في إعادة ترميم العلاقات بعد سنوات من التوتر (Wikipedia، 2026) . هذه الخلفية تشير إلى أن التضامن الحالي ليس حدثاً منعزلاً، بل نتاج تفاعل تاريخي طويل بين مصالح متبادلة وتحديات إقليمية مشتركة.
من جانب آخر، يُظهر التضامن السوداني أيضاً فهم الخرطوم لأهمية الأمن القومي العربي، إذ أن أمن السعودية ودول الخليج يعد جزءاً من الاستقرار الإقليمي الواسع الذي يساهم في تقليل المخاطر الأمنية المباشرة وغير المباشرة على السودان، سواء من حيث التأثيرات الاقتصادية بسبب تقلبات أسواق الطاقة أو التداعيات السياسية الناتجة عن النزاعات المسلحة في جوار المنطقة. وهذا يعني أن الدعم السوداني للسعودية لا يقتصر على الانتماء القومي أو الديني فحسب، بل يشمل اعتبارات استراتيجية واقتصادية وسياسية أيضاً.
ولعل من أبرز مؤشرات التضامن العربي والدولي الأوسع ما أُعلِن عن اعتماد مجلس الأمن لقرار يطالب بوقف فوري للهجمات الإيرانية على دول الخليج، في خطوة تُظهر أن القضية تجاوزت المناخات الإقليمية الضيقة إلى مستوى دبلوماسي دولي يطالب بوقف التصعيد واحترام سيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (Al‑Wasat، 2026) .
يُمثل تضامن السودان حكومةً وشعباً مع المملكة العربية السعودية في مواجهة الاعتداءات الإيرانية تجسيداً لالتزام السودان بشرعة احترام السيادة الوطنية والقانون الدولي، ولتأكيده على أن أي انتهاك لهذه المبادئ لا يؤثر على دولة بعينها فحسب، بل يهدد الأسس التي تقوم عليها العلاقات الدولية والأمن الإقليمي. إنّ هذا التضامن، المتجذر في التاريخ والعلاقات الاستراتيجية، يعكس في آن واحد توافقاً بين الموقف الرسمي والوجدان الشعبي السوداني، ويشكل جزءاً من الجهود العربية والدولية المشتركة للحد من التوترات الحالية وضمان بيئة أكثر استقراراً وسلاماً في المنطقة.
في الختام، يعرب كاتب المقال، نيابة عن نفسه وبأصالة عن أهله، عن تضامنه الكامل والراسخ مع المملكة العربية السعودية، حكومةً وشعباً، مستنداً إلى خبرته العملية السابقة في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وإلى الامتنان العميق للمملكة على كرمها في إيواء أسرته الممتدة خلال اشتعال الحرب الأهلية الجارية في السودان. كما يود أن يخص بالشكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود، ولكل الشعب السعودي الكريم، سائلاً الله تعالى أن يحفظهم ويرعاهم بعين الرعاية والحفظ.
المراجع
- Al‑Jazeera. دول خليجية تدين استهداف إيران لوحدة وسلامة دول المنطقة. Al‑Jazeera. 2026 Mar 27 [cited 2026 Mar 28].
- Ministry of Foreign Affairs of Sudan. Government condemns Iranian aggression against Kingdom of Saudi Arabia. Sudan Embassy. 2026 Mar 27 [cited 2026 Mar 28].
- Sudan Tribune. Sudanese government expresses support to Gulf states amid Iranian attacks. Sudan Tribune. 2026 Mar 28 [cited 2026 Mar 28].
- Sudan Tribune. Sudanese political forces condemn Iranian attacks on Gulf states. Sudan Tribune. 2026 Mar 28 [cited 2026 Mar 28].
- Wikipedia. Iran–Sudan relations. Wikipedia. 2026 [cited 2026 Mar 28].
- Wikipedia. Saudi Arabia–Sudan relations. Wikipedia. 2026 [cited 2026 Mar 28].
- Wikipedia. 2026 Iranian strikes on Saudi Arabia. Wikipedia. 2026 [cited 2026 Mar 28].
- Wikipedia. United Nations Security Council Resolution 2817. Wikipedia. 2026 [cited 2026 Mar 28].
- Al‑Wasat. UN Security Council demands immediate halt to Iranian attacks on Gulf countries. Al‑Wasat. 2026 Mar 28 [cited 2026 Mar 28].
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم