د. فضل محي الدين طاهر
قراءة في ملف انضمام السودان إلى منظمة التجارة العالمية على ضوء سورة قريش:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾
في أربع آيات قصيرة، تختزل سورة قريش فكرة اقتصادية عميقة: أول خطوة في بناء أي مجتمع وإعماره هي تأمين الناس من الجوع والخوف. وتشير السورة كذلك إلى أن التجارة لا تقوم على البضاعة وحدها، بل على عهدٍ يؤمّن الطريق ويطمئن الشريك. وهي فكرة تقترب كثيرًا من فلسفة منظمة التجارة العالمية.
الإيلاف: مفهوم قبل أن يكون مؤسسة
اختلف المفسرون في معنى الإيلاف، لكن أقوالهم تلتقي حول الألفة والأمان وعهود الطريق:
- يرى القرطبي أن المعنى أن تأمن قريش فتعتاد رحلتيها وتخرج دون أن يُتجرَّأ عليها، وهو قول مجاهد وابن عباس في رواية سعيد بن جبير.
- عرّف الراغب الإيلاف بأنه اجتماع مع التئام.
- ذكر الهروي في «الغريبين»، كما نقل الألوسي، أنه عهود بين قريش والملوك: فهاشم يؤالف ملك الشام، والمطلب كسرى، وعبد شمس ونوفل ملك مصر والحبشة.
- قال الفراء إن السورة متصلة بسورة الفيل، فالإيلاف نعمة من الله على قريش. وقال الكسائي والأخفش إن اللام لام التعجب، أي: اعجبوا لإيلاف قريش. ونقل الطبري هذا المعنى وقول ابن زيد في ربط السورة بحادثة الفيل.
- ويذهب بعض المعاصرين إلى أنه عهود ومواثيق مع سادات القبائل مقابل حماية القوافل، يقابلها مبالغ وحصص من الأرباح، وهو ما يقرّبه من منطق الالتزامات المتبادلة.
وعلى اختلاف هذه الأقوال، فالمشترك بينها أن تجارة قريش ازدهرت لأن الطريق كان محميًا بعهد، وأن الثقة كانت رأس مال غير مرئي سبق رأس المال المادي. وبمعنى آخر، أسهم الإيلاف في استدامة السلام في تلك المجتمعات، حين سُخِّر التبادل التجاري من أجل السلام والاستقرار.
أوجه الشبه مع إطار المنظمة
المقارنة هنا تمثيل فكري لا تطابق تاريخي:
- القواعد المتفق عليها: كما أمّن الإيلاف المرور بقواعد معروفة، تقوم المنظمة على التزامات ملزمة وجداول تعريفية مرتبطة، تجعل الوصول إلى الأسواق متوقعًا لا مزاجيًا.
- الأمان والتنبؤ: «وآمنهم من خوف» توازي استقرار الأسواق وقابلية التنبؤ، وهو أهم ما تمنحه العضوية للتاجر والمستثمر.
- التبادل المنفعي: كان في الإيلاف نفع للقوافل وللأطراف التي تعبر أراضيها، وكذلك تقوم المنظمة على التزامات متبادلة.
- الإطعام من جوع: التجارة في السورة وسيلة لسدّ الجوع لا غاية في ذاتها، وهو ما يتسق مع غاية التنمية والأمن الغذائي في اتفاقيات المنظمة.
السودان بين الجوع والخوف
يمر السودان بنزاع مسلح، ويصنفه البنك الدولي دولة هشة، وهو من الدول الأقل نموًا. وثنائية «الجوع والخوف» التي ذكرتها السورة هي ما يعانيه اليوم. ومع ذلك يملك من أسباب الازدهار أكثر مما ملكه الأقدمون: موقعًا بين أفريقيا والعالم العربي، وساحلًا على البحر الأحمر، والنيل، وأراضي زراعية، وثروة حيوانية، وصمغًا عربيًا وسمسمًا وقطنًا وذهبًا. وينقصه «الإيلاف» الحديث: منظومة عهود وقواعد تطمئن الشريك وتفتح الطريق.
الانضمام: إيلاف العصر
انضمام السودان إلى المنظمة ترجمة معاصرة للفكرة: عهد مع شركاء العالم ينظّم الدخول إلى الأسواق، ويحمي الحقوق، ويتيح تسوية المنازعات، ويفتح باب الدعم الفني والمعونة من أجل التجارة، إلى جانب الاستفادة من أفضل التجارب الدولية في تحويل الموارد من نقمة إلى أداة للتنمية والسلام الدائم.
والتجارب القريبة تؤكد أن الطريق ممكن. فقد انضمت دول أقل نموًا مثل كمبوديا ونيبال عام 2004، وليبيريا وأفغانستان عام 2016، وبعضها خرج لتوّه من حرب أو يعيش هشاشة. أما بنغلاديش، العضو المؤسس في المنظمة والمصنفة ضمن الدول الأقل نموًا، فقد جعلت من إيلافها مع دول العالم المختلفة، ومن النفاذ التفضيلي إلى أسواق تلك الدول، ركيزة لنهضتها الصناعية في قطاع النسيج.
كما أن مسار الانضمام نفسه، بإصلاحاته التشريعية والجمركية وبناء الثقة، يمكن أن يكون أرضية مشتركة لجميع السودانيين، تجمعهم على مصلحة لا تخص طرفًا دون آخر.
العدل أساس الثقة
غير أن الإيلاف لا يقوم بالنصوص وحدها. فالثقة التي يطلبها الشريك الخارجي لا تُشترى بالتوقيعات، بل تُبنى على عدلٍ يشعر به المواطن أولًا. وكما لم تكن عهود قريش لتصمد لو غاب الأمان في ديارها، فإن التزامات السودان أمام العالم لن تكتسب مصداقيتها ما لم تسندها داخليًا عدالةٌ في توزيع الفرص والموارد، وسيادةٌ للقانون، وشعورٌ لدى كل سوداني بأن الطريق مفتوح له كما هو مفتوح لغيره، وتسهيلٌ للتجارة على الجميع دون محاباة لأي مجموعة محددة. فالمواطن الذي يطمئن إلى عدالة بلده هو أصدق شاهد على جدية عهده مع الخارج.
وحين أمّن هاشم وإخوته طريق القوافل لم يكن أمامهم ضمان إلا الثقة. أما اليوم فللسودان ضمانات أوضح: نصوص ومؤسسات وتجارب دول مرّت بالطريق نفسه. وفي هذه المرحلة الدقيقة، حيث يحتاج البلد إلى إعادة بناء الثقة قبل الاقتصاد، يصبح ملف الانضمام عهدًا يبدأ من الداخل قبل أن يُوقَّع مع الخارج.
والدرس الأقدم يبقى صالحًا: من أراد أن يطعمه الله من جوع ويؤمّنه من خوف، فليبدأ بإشاعة العدل داخليًا بين المواطنين، ويعقد إيلافه مع العالم
