زهير عثمان
قراءة في المسؤولية القانونية والمأزق السياسي
بوصفي سودانياً عايش مأساة الحرب في بلاده، لا أستطيع أن أنظر إلى الدعوات المطالبة بطرد السودانيين من ليبيا كخبر عابر
الأمر يتجاوز السياسة إلى سؤال أخلاقي يمس كرامة أناس فرّوا من الموت، ويحمل في طياته اختباراً حقيقياً لعلاقات الجوار بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ
حين تتحول الأزمات الداخلية إلى حملات ضد الأضعف، نكون أمام لحظة انكشاف سياسي لا لبس فيها
إن الدعوات المتصاعدة التي تطالب بطرد السودانيين لا تعكس فقط ضيقاً معيشياً، بل تكشف عمق الأزمة البنيوية التي تعيشها الدولة الليبية منذ سنوات: انقسام في الشرعية، تعدد في مراكز القوة، واقتصاد هش يقوم على غياب القانون
الالتزام القانوني.. ليبيا ليست جزيرة معزولة
إن أي نقاش حول ترحيل السودانيين يجب أن يُؤطر ضمن الإطار القانوني الدولي
ليبيا دولة طرف في الاتحاد الأفريقي، وملزمة بموجب اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية الخاصة بمشاكل اللاجئين في أفريقيا لعام 1969، التي توسع تعريف اللاجئ ليشمل الفارين من النزاعات المسلحة، وهو ما ينطبق بوضوح على الحالة السودانية الراهنة
السودانيون في ليبيا ليسوا باحثين عن امتيازات، بل ناجون من حرب مفتوحة. وبموجب مبدأ عدم الرد القسري (Non-Refoulement)، يُحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه لخطر على حياته
إعادة سودانيين إلى ساحة نزاع نشط تمثل خرقاً صريحاً للالتزامات الدولية، وتفتح باب المساءلة
تصدير الأزمة.. الهروب من مواجهة الفشل
من موقع الكاتب السوداني، أقول بوضوح اللاجئ لم يصنع أزمة الكهرباء في طرابلس، ولم يؤسس اقتصاد الميليشيات، ولم يخلق الانقسام السياسي لكنه الحلقة الأضعف، والأسهل تحميلها مسؤولية الإخفاق
رفع شعار “ليبيا لليبيين” لا يحل أزمة الدولة، بل يعمّقها
فالمشكلة ليست في وجود لاجئين، بل في غياب إدارة رشيدة قادرة على تنظيم وجودهم وفق القانون
غياب التشريع لا يعني سقوط المسؤولية
افتقار ليبيا لقانون لجوء وطني لا يسقط عنها التزاماتها الدولية، فالمسؤولية لا تتوقف على وجود نص داخلي، بل على احترام المواثيق الموقعة والتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة تنظيمية لضمان الحقوق وتفادي الفوضى
الدفاع عن السودانيين في ليبيا ليس تعصباً وطنياً، بل دفاع عن حق الإنسان في الحماية
والشعب الليبي، الذي عرف مرارة النزوح والاقتتال، يدرك أكثر من غيره معنى أن تبحث عن ملاذ آمن
إن استهداف اللاجئ لن يعالج أزمة الدولة الليبية، بل سيكشف هشاشتها فالدول تُختبر في لحظات ضعفها، لا في لحظات قوتها والدولة التي تعجز عن حماية الأضعف، تضعف شرعيتها قبل أن تضعف حدودها.
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم