بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
تفكيك خطاب الانعتاق والسيادة:
لم يعد الحديث عن “الانعتاق” من الهيمنة المصرية في أروقة السياسة والمجتمع السوداني مجرد موجة عاطفية عابرة أو “تحريضاً خارجياً” كما تميل بعض الدوائر إلى تصويره. نحن أمام تحول بنيوي في الوعي الجمعي السوداني، وانتقال راديكالي من خطاب “الشقيقة الكبرى” إلى خطاب “السيادة الوطنية”. وهو تحول أسهمت فيه القاهرة – بقصد أو بحكم ممارسات لم تُحسب آثارها – عبر سلسلة من السياسات التي لم تُدرك أن “سودان ما بعد 2018” قد غادر مربعات التبعية التاريخية تماماً.
أولاً: تصدّع “الأبوية” واصطدام الوعي:
لعقود طويلة، استندت العلاقة السودانية–المصرية إلى إرث “وحدة وادي النيل” وما صاحبها من تصور لدور مصري أبوي. غير أن ثورة ديسمبر 2018 أفرزت جيلاً سياسياً جديداً لا يرى في مصر وصياً طبيعياً، بل جاراً يُفترض أن تقوم العلاقة معه على الندية والشراكة.
وقد تعزز هذا الشرخ بسبب الخطاب الإعلامي المصري الذي وقع في فخ “الاستعلاء”، حيث لا تزال بعض المنصات تتعامل مع الشأن السوداني كملف محلي تابع، مما استفز الكرامة الوطنية السودانية وحوّل أي نصيحة مصرية إلى “إملاء” مرفوض، وأي تدخل إلى “هيمنة”.
ثانياً: الفجوة بين “الدولة” و”الثورة”:
رغم الخطاب الرسمي المصري الداعم لـ “استقرار السودان”، إلا أن الممارسة العملية قُرئت سودانياً بصورة مغايرة. فقد ساد انطباع بأن القاهرة انحازت للأنظمة العسكرية بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار، وتعاملت مع القوى المدنية والشبابية بريبة.
وفي الوعي السوداني المعاصر، لم تُقرأ هذه السياسات كدعم للدولة، بل كمساندة لـ “الدولة العميقة” وعرقلة لمسار التحول الديمقراطي، مما خلق فجوة ثقة لم تستطع الدبلوماسية الرسمية ردمها حتى الآن.
ثالثاً: سدّ النهضة… حين يصبح الماء مسألة كرامة ومصلحة:
تُعد قضية سد النهضة المثال الأوضح على تضارب المصالح المباشرة بين البلدين. فبينما تحصر القاهرة القضية في “التهديد الوجودي” وحصص المياه، ترى قطاعات واسعة من الخبراء والنخب في السودان أن السد يمثل فرصة تاريخية لتحقيق مكاسب استراتيجية طال انتظارها، ومن أبرزها:
• درء مخاطر الفيضانات المدمرة: التي ظلت تهدد المدن والقرى السودانية على ضفاف النيل الأزرق سنوياً، حيث يوفر السد حماية كاملة عبر تنظيم تدفقات المياه.
• معالجة معضلة “الطمي”: إذ يحجز السد كميات هائلة من الإطماء التي كانت تتسبب في إغلاق توربينات السدود السودانية (مثل سد الروصيرص وسنار) وتقلل من عمرها الافتراضي وتزيد من تكاليف صيانتها.
• تنظيم الري والزراعة: التحول من “الري الفيضي” الموسمي إلى “الري المستديم” طوال العام، مما يسمح بتعدد الدورات الزراعية وزيادة الإنتاجية القومية.
• توفير الطاقة الكهربائية: إمكانية الحصول على إمدادات مستقرة وبتكلفة منخفضة من الشبكة الإثيوبية لسد العجز المزمن في الكهرباء بالسودان.
ورغم هذه الفوائد الملموسة، مارست القاهرة ضغوطاً متواصلة ليكون الموقف السوداني متماهياً بالكامل مع موقفها الرافض لأي اتفاق لا يضمن “الحصص التاريخية”. وقد ولّد هذا النهج شعوراً متنامياً بأن مصر تسعى لتحويل السودان إلى “خط دفاع مائي” عنها، دون اعتبار كافٍ لمصلحته الوطنية المستقلة. ومع الإقرار بأن المخاوف المصرية حقيقية ومفهومة، فإن تحويلها إلى سياسة إملاء لا شراكة نقل الخلاف من نطاق تقني قابل للتفاوض إلى قضية سيادية تمس الكرامة الوطنية.
رابعاً: الحرب وانكشاف حدود الدور:
مع اندلاع الصراع الحالي، بدا الدور المصري محصوراً في تأمين المصالح الأمنية المباشرة، بينما برزت أدوار إقليمية أخرى (مثل السعودية والإمارات) بمبادرات سياسية ووساطات بدت أكثر ديناميكية. هذا الانكفاء المصري، مقارنة بتدخل القوى الإقليمية الأخرى، عزز القناعة بأن القاهرة تنظر للسودان من زاوية أمنها القومي “الضيق”، لا من زاوية تطلعات شعبه لبناء دولة مدنية حديثة.
ويزيد من تعقيد المشهد الملف الإنساني؛ فرغم استقبال مصر لمئات الآلاف من السودانيين، إلا أن إجراءات التأشيرات والقيود المتزايدة خلقت شعوراً بالخيبة لدى المواطن العادي، الذي كان يتوقع معاملة تفضيلية تعكس شعارات “وحدة المصير”.
خامساً: لماذا الانفجار الإعلامي الآن؟
يعود تصاعد هذا النقد في اللحظة الراهنة إلى جملة عوامل:
• سقوط التابوهات: كسر وسائل التواصل لجدار الصمت المحيط بطبيعة العلاقة.
• إعادة كتابة التاريخ: مراجعة المسلمات القديمة (حلايب، مياه النيل) بنظرة نقدية غير مسبوقة.
• البحث عن البدائل: السعي السوداني لبناء علاقات متوازنة مع جميع الفاعلين دون الارتهان لمحور واحد.
خلاصة القول: هل من طريق للعودة؟
لا يمكن تحميل مصر وحدها مسؤولية هذا التدهور؛ فالسودان يعاني تمزقاً داخلياً، وأطرافاً عديدة تستثمر في هذا الشرخ. لكن السياسة تُقاس بالنتائج، والنتائج تشير إلى قطيعة رمزية تتسع يوماً بعد يوم.
السودانيون لا يكرهون مصر -فالأمر لا ينطلق من مشاعر حب أو كراهية- بل يرفضون الوصاية. والسؤال الجوهري أمام صانع القرار في القاهرة: هل تستطيع مصر الانتقال من دور “حارس بوابة الجنوب” إلى دور “الشريك الاستراتيجي” لدولة ذات سيادة كاملة؟ إن الإجابة على هذا السؤال هي الوحيدة الكفيلة بإيقاف نزيف النفوذ المصري، وإعادة بناء الجسور على أسس عصرية تقوم على “المصالح المشتركة” لا “العواطف التاريخية المستهلكة”.
salahabusarah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم