فى مقال لى سابق نشر فى سودانايل قبل اسبوع تحت عنوان “احتلال حلايب … نعمة” ذهبت الى ان استعادة حلايب من قبضة الاحتلال المصرى ليست واردة فى ظل الظروف الحالية وانه لا يعتد باستعمال اتفاقيات مياه النيل او مفاوضات عنتيبى كاوراق لاستعادتها، وقد بينت اسباب ذلك فى المقال. غير اننى، وبعد اعادة النظر فى الافكار التى وردت فى ذلك المقال خشيت انه ربما اعطى انطباعاً خاطئاً باستحالة استعادة حلايب، او اشاع اليأس والإحباط من استعادتها. لهذا قررت ان اكتب مجدداً لتبيان ما اعتقد انه استراتيجية طويلة الأمد، ليس فقط لاستعادة حلايب، ولكن ايضاً لاستخلاص كافة حقوق السودان لدى مصر ومن بينها التاريخ المزيف عن احتلال مصر له او انه كان جزءاً من امبراطورية مصرية مزعومة.
الرأى الاصوب فى ظنى ان على السودان ان يتوقف عن القلق بشأن حلايب فى الظرف الراهن حيث لايمتلك من مقومات القدرة ما يمكنه من استردادها. الأوفق ان يعتمد السودان استراتيجية بعيدة المدى قوامها عدة امور: الامر الاول؛ حاجة مصر المتزايدة للمياه فى ظل محدودية مواردها منها وتكاثر مواطنيها مما يجعلها رهينة الحوجة الى السودان لإقامة مشاريع لتقليل الفواقد وتعظيم السريان. وسواءاً كانت هذه المشاريع مع السودان او مع دول اخرى فى اعالى النهر، فلا مناص لمصر من نيل رضا السودان لتمرير الكميات الإضافية من المياه. لابد ان نتذكر ان ما يسرى فى النيل من مياه يشكل حوالى 5% فقط مما يسقط على واديه من امطار، مما يجعله مؤهلاً لزيادة معدلات سريانه بشكل كبير لا يحده فى ذلك الا قدرة المجرى على استيعاب تلك الزيادة، و هذا امر يسيل له لعاب المصريين العطشى للمياه. وبالنسبة لمصر فإن النيل يأتيها من السودان، هو منبعه بالنسبة لها ولا منبع له سواه، اى انه لا سبيل لها لزيادة حصتها منه الا برضا السودان وموافقته، وهنا سبيل السودان ووسيلته للضغط لاستعادة كافة حقوقه من مصر.
الامر الثانى الذى للسودان فيه ميزة استراتيجية يرتبط ايضاً بالمياه وهوالكهرباء. ليس يخفى على القارئ ازمة الكهرباء الطاحنة التى تمر بها مصر وهى ليست ازمة عابرة بل ترجع فى حقيقتها لاسباب بنيوية. فمصر استنفدت ببناء السد العالى كل مواردها من التوليد الكهرومائى ولم يتبق لها غير التوليد الحرارى بشقيه التقليدى والنووى. اما التوليد الحرارى التقليدى للكهرباء فمكلف خاصة بالنسبة لمصر التى تعيش على الهبات الخليجية من الغاز والتى لجأت مؤخراً لاستيراده من اسرائيل. اما التوليد النووى فمحفوف بالمخاطر سواء من جهة الوقود او نفاياته، ويذكر هنا حوادث التسرب الإشعاعى فى شيرنوبيل ولونق ايلاند و فوكوشيما، وكلها حدثت فى بلاد متقدمة تتبع اجراءات سلامة صارمة، مما حدا ببلاد اوروبية لإصدار تشريعات بالتخلص من محطات توليدها النووى واستبدالها بأخرى تقليدية. فما بالك بمصر التى تعجز ان تقى مواطنيها اخطار المبيدات ومياه الصرف. لا يبق لمصر اذن الا استيراد الكهرباء الرخيصة المولدة كهرومائياً فى اعالى النهر حيث المياه الوفيرة والمساقط شديدة الانحدار ومناسيب التبخر المنخفضة. هنا يتبين اهمية السودان لمصر كممر لشبكات الكهرباء من هضاب الحبشة والبحيرات العظمى، وهذه ورقة اخرى فى يد السودان. ولا اشك للحظة ان هذه “الضجة العظيمة” التى تثيرها مصر حول سد النهضة هى فى جانب كبير منها موقف تفاوضى لابتزاز الحبشة للحصول على اكبر قدر من الكهرباء المجانية او الرخيصة ولذا يجب على المفاوض السودانى الإنتباه، وان يضع نصب عينيه مصالح السودان وحقوقه فى حلايب وغيرها والا يسمح لهذه الالاعيب ان تمر.
امر آخر، وليس اخير، يصب فى الصالح الاستراتيجى للسودان هو حوجة مصر للغذاء لسد جوع عشرات الملايين من مواطنيها، وهى حوجة تتفاقم مع الزيادة المطردة فى اعداد السكان وتآكل الرقعة الزراعية بفعل التمدد الحضرى، وغلاء تكلفة استصلاح الاراضى خارج الوادى القديم مع شح المياه والطاقة. لا تملك مصر، والحال هذه، غير النظر الى السودان باراضيه الشاسعة ومياهه الوفيرة ومناخاته المختلفة لسد جوعها واشباع شعبها. ولئن كان السودان غير قادر حالياً على الاستفادة من قدراته وخيراته فى هذا المجال، فإن هذا العجز مؤقت وسبيله الى زوال طال الزمن او قصر. هنا لابد ان احذر من اكذوبة “المثلث الذهبى” الذى يروج لها المصريون وهى تزاوج المال الليبى والموارد السودانية والخبرات (فى زعمهم) المصرية لإنتاج الغذاء وغيره، علماً بأن ليبيا التى نعرفها لن تعود للوجود قريباً، او ابداً، و”الخبرات” المصرية هى فى حقيقة الامر فهلوة ونصب ولصوصية، ولو اتوا الينا ما زادونا الا خبالا، ودونكم تجربة العراق فى توطين مليون مصرى وإلام انتهت، وما هى النتائج “الذهبية” لها، واسألوا اهل العراق عن اخلاق المصريين وتجربتهم معهم. فى ظنى ويقينى ان ثمة “ثنائى اكثر بريقاً وتألقاً” واعظم نفعاً للسودان وهو تكامل السودان وإثيوبيا حيث تتزاوج الارض البكر من السودان بالمياه والكهرباء والايدى العاملة من اثيوبيا وحيث لا من ولا اذى ولا عبارات من قبيل “والاستفادة من الخبرات المصرية” او “السودان دى بتاعتنا” الى آخر منظومة جنون العظمة وانتفاخ الذات المصرية المعروفة.
مما سبق فكل ما على السودان فعله هو ان يمتنع عن الاستجابة لأىٍ من خطط مصر للاستفادة من مياهه او كهربائه او ارضه الى ان ينعدل ميزان العلاقة بينهما ليعبر عن الاوزان والمصالح الحقيقية.
فى الحقيقة لم ار بلداً كالسودان عطاءاً ولا كمصر جحوداً. فالسودان اغرق ارضه وشرد شعبه وخزن، ولا زال، الماء لمصر فى ارضه ووهبها، ولا زال، من حصته فى ماء النيل، ورضى بالدنية فى قسمة الماء ورضى بذل ان يستجدى الموافقة على مشاريعه المائية منها وسمح لمواطنيها بالسفر والاقامة والتملك والعمل، ثم تجازيه مصر بالتآمر عليه، مرة لمنع الشركات من استخراج بتروله ومرة بالحصار والخنق، ثم تحتل ارضه، وترفض ان تحتكم الى القضاء الدولى كما فعلت مع اسرائيل (واعانها السودان بمستندات من داره للوثائق) وتذل مواطنيه فى مطاراتها وموانيها وترفض ان تمنح مواطنيه نفس حقوق السفر والاقامة والتملك والعمل. فالى متى هذا العبط السودانى والى متى هذه الخسة المصرية؟ هل يجب ان نفكر فى تجفيف الجزء السودانى من بحيرة النوبة واستعادة 150 كم مربع تستغلها مصر فى تخزين مائها وتشريد اهلنا؟ او نبدأ فى استرداد ديننا المائى الذى ربما بلغ 100 مليار متر مكعب او زاد؟ هذا الطلم التاريخى وهذه “الحقارة” التاريخية يجب ان تتوقف.
مهما يكن من امر، فإن تقارب السودان وإثيوبيا، استراتيجياً وليس تكتيكياً فقط، كفيل بمخاطبة الاعتلال فى ميزان القوة بين السودان ومصر ويجب ان يكون عنواناً رئيسياً لسياسات السودان واستراتيجيته بعيدة المدى.
aaabuali66@yahoo.com
///////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم