السودان يحترق.. ونحن نتجادل حول من أشعل عود الثقاب

م. هيثم عثمان إبراهيم

في خضم ما يعيشه السودان من آلام ما بعد الثورة ومآسي الحرب، يجد المرء نفسه وسط ضجيج حوار عام يبدو وكأنه يدور في حلقة مفرغة. نقاشات حادة، واتهامات متبادلة، ومحاكمات علنية لتجارب وأشخاص، كلها تدور حول من أخطأ ومن أصاب، ومن يتحمل وزر فشل المسار الديمقراطي. ورغم أهمية النقد والتقييم، إلا أن هذا الجدل، في حقيقته، لا يلامس جوهر الأزمة بقدر ما يراوح عند أطرافها، مستنزفاً طاقات ثمينة كان الأجدر بها أن تُسخَّر لفهم التحديات الحقيقية التي تواجه مستقبل الدولة السودانية.
من الظلم أن نختزل تجربة بحجم ثورة ديسمبر في أداء أفراد أو لجان، فالتجارب الإنسانية، بطبيعتها، ليست كاملة. لا توجد ثورة في التاريخ لم تتعثر، ولا توجد مرحلة انتقالية لم تشهد ارتباكاً أو أخطاء. إن حصر الأزمة في أشخاص هو تبسيط مخلّ لمشكلة تمتد جذورها في بنية الدولة والمجتمع لعقود طويلة. عندما يتحول الحوار إلى سجال شخصي، نفقد البوصلة، وننشغل بمعارك عاطفية بين الأنصار والخصوم، ونهمل السؤال الأهم: كيف نبني وطناً، لا كيف نحاكم أفراده.
لم تكن المشكلة يوماً في فلان أو علان، بل في الأسس التي قامت عليها الدولة السودانية منذ استقلالها. دولة مركزية أنتجت التهميش، وقطاع أمني متشرذم الولاءات، واقتصاد منهك يعيش على الهبات، ومؤسسات صورية تفتقر إلى الفاعلية. تغيير الوجوه دون المساس بهذه البنية العميقة لا يعدو كونه إعادة لإنتاج الأزمة بأقنعة جديدة. إن الانشغال بالقشور يضيع علينا وقتاً ثميناً، ويطيل من عمر الفوضى التي أرهقت كاهل البلاد والعباد.

آن الأوان لأن يتجاوز حوارنا الوطني هذا المستوى السطحي، وأن يتجه مباشرة إلى القضايا المصيرية التي لا يمكن بناء دولة حديثة دون حسمها. على رأس هذه القضايا تأتي معضلة عسكرة الدولة، وهي الورم الذي ينهش جسد الوطن ويمنع أي محاولة للاستقرار الديمقراطي. لا يمكن لدولة أن تقوم على قدميها وسلاحها مُشتت بين جيوش وميليشيات، وسلطة البندقية تعلو على سلطة القانون. السؤال ليس من أخطأ في إدارة العلاقة مع العسكر، بل كيف نؤسس لقطاع أمني وعسكري واحد، مهني، وخاضع لسلطة مدنية منتخبة.
ثم تأتي قضية العدالة، وهي ليست مجرد شعار سياسي يُرفع في المنابر، بل هي شرط أساسي لإعادة بناء الثقة المفقودة بين المواطن والدولة. لا يمكن طي صفحة الماضي دون مواجهته بشجاعة. العدالة الانتقالية، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وجبر ضرر الضحايا، وكشف الحقائق، كلها استحقاقات لا يمكن القفز فوقها إذا أردنا سلاماً حقيقياً ومصالحة وطنية دائمة. المجتمعات التي تهرب من ماضيها تظل أسيرة له.
وبدون عقد اجتماعي جديد، يمثله دستور دائم يعبر عن تطلعات كل السودانيين، سنظل ندور في حلقة مفرغة من التوافقات الهشة. دستور يضع حداً فاصلاً بين السلطات، ويرسم علاقة واضحة بين المركز والأطراف، ويضمن حقوق المواطنة دون تمييز. الدستور ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هو الروح التي تسري في جسد الأمة، وتحدد هويتها وكيفية تعايش مكوناتها المختلفة في ظل دولة واحدة.
كما يجب أن نعيد تعريف السلام كمشروع وطني شامل، لا مجرد اتفاقيات تُوقّع بين النخب السياسية وقادة الحركات المسلحة. السلام الحقيقي هو الذي يعالج جذور الصراع: التهميش الاقتصادي، والظلم الاجتماعي، وغياب التنمية المتوازنة. لا يمكن لوطن أن ينهض ونصفه يرزح تحت وطأة الفقر والتهميش. التنمية ليست ترفاً، بل هي الضمانة الوحيدة للاستقرار الاجتماعي والسياسي، والسد المنيع أمام عودة الحرب.

إن الطريق نحو دولة حديثة ومستقرة يمر حتماً عبر الفيدرالية الحقيقية وبناء المؤسسات الراسخة. الفيدرالية ليست تقسيماً إدارياً فحسب، بل هي فلسفة حكم تعيد توزيع السلطة والثروة، وتمكّن المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها بنفسها. والمؤسسات القوية هي التي تحمي الدولة من أهواء السياسيين وتقلباتهم، وتجعلها أكبر من أي فرد أو حكومة عابرة.
في نهاية المطاف، يبقى حكم القانون هو الصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات الاستبداد والفوضى. القانون الذي يطبق على الجميع دون استثناء، هو ما يحمي المواطن من تغوّل السلطة، ويحمي الدولة من الانهيار. بدونه، لا ديمقراطية، ولا استقرار، ولا وطن.
يقف السودان اليوم على مفترق طرق حاسم. إما أن نواصل هذا الجدل العقيم حول الأشخاص والتجارب، فنغرق في التفاصيل ونضيع الهدف الأسمى، أو أن نرتقي بحوارنا إلى مستوى التضحيات العظيمة التي قدمها هذا الشعب، ونضع هذه القضايا الجوهرية على طاولة الحوار الوطني. لم تكن الثورة مجرد صراع على السلطة، بل كانت حلماً بتأسيس دولة جديدة. ولتحقيق هذا الحلم، علينا أن نغادر ضجيج الهامش، ونتجه إلى قلب المعركة الحقيقية: معركة بناء دولة القانون والمؤسسات والعدالة والسلام.

haytham.compre@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

من الألم إلى الفعل .. في مسؤولية الفرد السوداني تجاه وطنه المجروح

م. هيثم عثمان إبراهيم مقدمة: حين يصبح السؤال شخصياًفي خضم الانهيار الذي نعيشه، وفي قلب …