بينما جعل الروائي غابرييل غارسيا ماركيز (Gabriel García Márquez) من الكوليرا استعارة للخوف من الغريب، كان التاريخ يكتب قصة مختلفة تماماً عن الغريب الذي قاوم الوباء.
في روايته الشهيرة “الحب في زمن الكوليرا” (1985)، يقدّم غابرييل غارسيا ماركيز الطبيب خوفينال أوربينو (Juvenal Urbino) في مواجهة وباء الكوليرا. لم يكن سهلاً على الطبيب أن يقنع الناس بتغطية براميل المياه وتغيير عاداتهم الصحية. وحين فشل المنطق العلمي، لجأ إلى الحيلة الرمزية: ربط المرض بما يأتي من “الخارج”، من الآخر البعيد الذي يُحمَّل وزر الخطر. ورغم أن ماركيز لم يذكر السودان صراحة، إلا أن سياق الرواية أوحى بأن مصدر الوباء هو ذلك “الآخر” البعيد والمجهول. في عالم ماركيز، يصبح “الوباء” استعارة مزدوجة: مرض واقعي يفتك بالمجتمع، وحالة عاطفية جارفة تقاوم المنطق والعلاج. هكذا غدت الكوليرا في عالم ماركيز رمزاً مزدوجاً: للحب المستحيل من ناحية، وللقلق الوجودي من المجهول القادم من وراء البحار من ناحية أخرى.
مفارقة التاريخ: جسد يقاوم الوباء:
لكن ما صاغه ماركيز كرمز أدبي، وجد ما يوازيه في مسرح التاريخ. ففي العام 1863، أبحرت أورطة من الجنود السودانيين – نحو 500 رجل جُنّدوا في الجيش المصري العثماني في عهد الخديوي إسماعيل – لتعبر المحيط الأطلسي وتشارك في حرب نابليون الثالث في المكسيك، وكانت هذه المشاركة تجسيداً لتعقد التحالفات السياسية في تلك الحقبة؛ فالخديوية المصرية، رغم خضوعها للدولة العثمانية، كانت تتمتع بحكم ذاتي واسع، وكان تحالفها مع فرنسا انعكاساً للعلاقة الاستراتيجية التاريخية بين الباب العالي في إسطنبول وباريس، والتي غالباً ما هدفت إلى موازنة نفوذ القوى الأوروبية المنافسة. وهكذا، وجد الجنود السودانيون أنفسهم جزءاً من آلة حرب إمبريالية معقدة، بعيداً عن وطنهم. جُنّد هؤلاء الجنود كجزء من الاتفاقيات العسكرية بين الخديوية المصرية والإمبراطورية الفرنسية، حيث كانوا يعتبرون جنوداً من النخبة. لم يكونوا حاملين للوباء كما أوحى خيال الأدباء، بل كانوا على العكس من ذلك، يواجهون الحمى الصفراء التي فتكت بالجنود الأوروبيين قبل أن تصيبهم رصاصات الثوار المكسيكيين.
كانت فرنسا تسعى إلى تأسيس إمبراطورية في العالم الجديد، لكن جنودها سقطوا بالعشرات ضحايا الوباء. هنا برزت مفارقة لافتة: الجنود السودانيون، المعتادون على الأجواء المدارية، أظهروا قدرة أكبر على احتمال المرض مقارنة بالفرنسيين والإسبان والإيطاليين. تقارير الضباط الفرنسيين أشادت بشجاعتهم في معارك مثل معركة بويبلا (Batalla de Puebla) في الخامس من مايو 1863، وأعربت عن دهشتها إزاء صمودهم أمام الحمى. بدا وكأن هؤلاء الجنود «روضوا» الوباء، حتى اختلط حضورهم في الذاكرة بين الواقع والأسطورة.
من المقاومة إلى الصورة النمطية:
لم تدم مشاركتهم طويلًا؛ فمع هزيمة الفرنسيين وانسحابهم عام 1867، عاد من تبقّى من الأورطة السودانية وقد فقدوا بعض رفاقهم بالمعارك والأمراض. بينما أن جزءاً منهم لم يعد، بل استقر في المكسيك وترك ذرية أصبحت جزءاً من نسيجها الاجتماعي. لم تكن ملحمة الأورطة السودانية فصلاً مغلقاً في الأرشيف، بل تحولت إلى حقل بحثي حيوي يربط الماضي بالحاضر. ففي ولايات مثل فيراكروز (Veracruz) وأواكساكا (Oaxaca) المكسيكية، لا تزال بعض العائلات تحتفظ بالذاكرة الشفهية عن أصولها الأفريقية من خلال حكايات تتناقلها الأجيال عن “الجد السوداني” أو عن ما كان يُطلق عليه محلياً “الجندي التركي (Los Turcos)” وهي تسمية لم تكن تشير إلى عرقه، بل إلى انتمائه للدولة العثمانية التي كان السودان ومصر جزءاً منها آنذاك، مما يعكس كيفية تلقي المجتمع المكسيكي لذلك الوافد الغريب.
هذه الذاكرة وجدت طريقها إلى الضوء عبر تحقيقات إعلامية وأكاديمية عديدة. ففي عام 2018، سلطت قناة الجزيرة الإنجليزية الضوء على قرية لا ماتامبا (La Matamba) في تقرير بعنوان “سودان المكسيك الصغيرة”، حيث التقت بأحفاد يحتفظون بوعي بانتمائهم. كما نشرت بي بي سي عام 2020 تحقيقاً أوسع ناقش وجود هذه المجتمعات في منطقة كوردوبا (Córdoba). ، على الصعيد الأكاديمي، يقود الباحث السوداني-المكسيكي د. عمر الحاج (Dr. Omar Aljay) مشروعاً أنثروبولوجياً يجمع بين السجلات التاريخية (كسجلات الكنائس) والمقابلات الميدانية مع الأحفاد. وقد ناقشت أطروحات جامعية في جامعة فيراكروزانا (Universidad Veracruzana) المكسيكية هذا الإرث الثقافي المهمش، مؤكدة أن هؤلاء الأحفاد، رغم اندماجهم الكامل في النسيج الاجتماعي المكسيكي، يمثلون فصلاً فريداً من فصول الهجرة الأفريقية العالمية.
كذلك فأن ذكراهم بقيت عالقة في السجلات العسكرية الفرنسية، وفي الحكايات الشعبية المكسيكية عن الغزو الأوروبي التي تذكرهم كقوة غريبة ومقاومة. فصاروا جزءاً من ملحمة تاريخية تُظهر أن “الآخر الإفريقي” لم يكن مصدر الخطر، بل كان حائط صدٍّ ضده.
من زاوية أوسع، يتضح أن صورة السودان في الخيال الغربي ظلت متأرجحة بين رمزين متناقضين:
• في الأدب اللاتيني، الغريب البعيد يُحمَّل مسؤولية الوباء ويُستدعى كرمز للخوف من المجهول.
• في التاريخ العسكري، الجسد السوداني بدا أكثر صلابة أمام الوباء مما أدهش الأوروبيين أنفسهم.
هذه الازدواجية ليست فريدة؛ فهي جزء من نمط أوسع في تاريخ الاستعمار. فقد استُخدم “الزنوج” في الحرب الأهلية الأمريكية، والسنغاليون في الجيوش الفرنسية بالحربين العالميتين، بوصفهم وقودًا لحروب الآخرين ورموزًا للصلابة الجسدية. غير أن تلك الصلابة سرعان ما تحولت إلى صورة نمطية، تُختزل فيها الشعوب الإفريقية كأجساد مقاومة، أكثر منها كذوات فاعلة في التاريخ.
وبين الرواية والوقائع، يمتد الخيط: كيف تُبنى صور الشعوب عبر الأوبئة والحروب. فبينما جعل ماركيز من الكوليرا استعارة للحب والخوف من الآخر، قدّم التاريخ جنود السودان وهم يقاتلون في أرض بعيدة، يواجهون وباءً لم يكن رمزًا، بل واقعًا قاتلًا. وما بين الخيال والواقع، يظل جسد الجندي السوداني جزءًا من أسطورة لا تخص بلاده وحدها، بل تمتد من ضفاف النيل إلى قلب المكسيك.
صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
كاتب وباحث مهتم بقضايا اللغة والهوية والثقافة
salahabusarah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم