أحمد إبراهيم أبوشوك
الناشر
دار المصورات للنشر والتوزيع (2026)
خاتمة الكتاب
عرضت فصول هذا الكتاب مسارًا متعرّجًا ومعقّدًا لتاريخ السُّودان السياسي خلال القرنين الأخيرين، حيث ظلّت جدلية الثورة والانتقال الديمقراطي والانقلابات العسكرية، التي تتخللها حروب أهلية، حاضرة بكثافة في المشهد العام، وإن تباينت أشكالها وتجلياتها. وتؤكد هذه الجدلية الثلاثية عبر حروبها الأهلية المتكررة أنَّ الدولة السُّودانية تعاني من أزمة سيادية وسياسية وعسكرية مركبة، أساسها سوء الأداء الوظيفي للنخبة. ويقصد بالنخبة الأقلية التي ارتقت إلى مواقع مؤثرة في إدارة الدولة والمجتمع، سواء كان ذلك عبر سلطة استعمارية، أو طائفة دينية، أو تعليم حديث، أو انقلاب عسكري، فأصبح لها نفوذ تستغله لتجييش الرأي العام، مستخدمةً شعارات دينية، أو أيديولوجية، أو جهوية، أو إثنية؛ بدلًا من إشراك الجماهير في صنع قراراتها المصيرية، وانتفاعها بالخدمات التي كان ينبغي أن تُقدَّم لها من موارد الدولة العامة وعوائدها الضريبية. تناولت هذا الخلل البنيوي وسوء الأداء الإداري الوظيفي أطروحتان، إحداهما عن “عنف النخبة: قراءة في جذور التكوين والامتياز”، وثانيتهما عن “النخبة السُّودانية وإدمان الفشل”. أرجع مؤلف الأطروحة الأولى، غسان علي عثمان، جذور عنف النخبة السُّودانية إلى العهد التركي-المصري (1821-1885)، الذي منحها امتيازات مادية وسلطوية؛ لتحقيق أهدافه الإمبريالية (الرق البشري، والتنقيب عن الذهب، والضرائب)، باستخدام عنف الدولة المحتكر. وبعد سقوط الحكم التركي-المصري جاءت الدولة المهدية (1885-1898) بنخبة دينية-سياسية، تمحورت حول الإمام المهدي وخليفته، ثم سيطرت على مقاليد السلطة والثروة بشرعية المهدية والعنف الملازم لها. وفي عهد الاحتلال الإنجليزي-المصري (1898-1956)، نشأت نخبة وطنية، أهَّلت امتيازات التعليم الحديث شقَّها الأعلى لقيادة الأحزاب السياسية والنقابات، وارتكز شقُّها الأوسط والأدنى على المؤسسات الطائفية والقبلية ذات النفود الممتد بين المركز والأقاليم. وبعد الاستقلال توزعت النخبة بين الأحزاب التقليدية (الأمة والاتحادي)، والكيانات الجهوية، والأحزاب العقدية (الشيوعيون والإسلاميون)، وظلت الإدارة الأهلية سندًا للأحزاب التقليدية في صراعاتها الداخلية وخصوماتها مع الآخرين. وقد أدى احتدام الصراع الحزبي- الطائفي- القبلي في فضاء الديمقراطية المتاح آنذاك (1953-1958) إلى الاستعانة بالمؤسسة العسكرية (القوات المسلحة)، التي وظَّفت عنف الدولة المحتكر ضد الديمقراطية الوليدة، فقضت عليها عبر ثلاثة انقلابات عسكرية غير متعاقبة (1958، 1969، 1989). ومنذ ذلك الحين دخل السُّودان في صراع ثنائيات مدمرة (الأمة-الأنصار والاتحاديون-الختمية، والشيوعيون والإسلاميون، والحداثة والتقليد، والمركز والهامش)، كل طرفٍ منها ظل يسعى لحسم صراعه مع الآخر عن طريق عنف المؤسسة العسكرية المحتكر أو الحركات المسلحة؛ ليسيطر على مواقع صنع القرار والثروة في الدولة لخدمة مصالحه القطاعية. وفي هذا السياق ظهرت متلازمة الثورات والانتفاضات الشعبية الساعية لإعادة النظام الديمقراطي، والحكومات الناظمة لآليات الانتقال، التي أفرزت حكومات برلمانية مأزومة. فتح عجزُها البابَ لانقلابات عسكرية-حزبية متكررة رافعةً شعار إنهاء الفوضى الحزبية وصون سيادة البلاد وأمنها. هكذا ظل عنف النخبة حاضرًا في مفاصل المشهد السياسي السُّوداني، وقادة النخبة يتحدثون دومًا بلسان الوصاية على الأغلبية الصامتة، أو بشرعية الثورة والانتقال الديمقراطي، مستغلين في ذلك موارد الدولة لخدمة امتيازاتهم الخاصة أو الحزبية دون اعتبار تلك الموارد ملكًا عامًا لتطوير المجتمع؛ ومُوظِّفين في ذلك سلاح الإقصاء والاستئصال والعنف؛ لإضفاء شرعية زائفة على سلوكهم المنبوذ شرعًا.
وصف منصور خالد هذه الممارسات النخبوية السالبة “بإدمان الفشل”، في إشارة إلى تكرار النخبة لأخطائها السياسية والإدارية؛ لأنها لم تفلح- من وجهة نظره- في وضع رؤية استراتيجية وطنية لإدارة التنوع الثقافي، والعرقي، والديني بما يخدم مصالح البلاد العليا ويحقق التوزان التنموي المفقود. كما عزا ذلك إلى فقدان الأحزاب السياسية للشرعية المؤسسية، وعجزها عن صوغ برامج وطنية، تقدم المصلحة العامة على المصلحة الحزبية الضيقة، مما جعل عجز الحكومات البرلمانية المتعاقبة محفِّزًا لتولي الجيش السلطةَ بدعم من بعض القوى المدينة.
وبعد اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023 تكشَّفت هذه العورات الهيكلية في بنية الدولة السُّودانية، وبرز اصطفاف مجتمعي غير محمود العواقب: فالداعون إلى إيقاف الحرب وإن اختلفت مشاربهم، وُصفوا بالخيانة؛ لمساندتهم- في نظر خصومهم السياسيين- لقوات الدعم السريع المتمردة؛ بينما صُنِّفَ الداعون إلى استمرار الحرب للقضاء على قوات الدعم السريع- من قِبَل خصومهم السياسيين- بأنهم من مناصري عودة النظام القديم، الذي يتحكم بعض منتسبيه في قرار القوات المسلحة. وقد أجّجت هذه الخصومة الثنائية المدمرة اعتداءات قوات الدعم السريع على حقوق المدنيين، كما استُخدمت وسائط التواصل الاجتماعي لترويج الشائعات والأكاذيب من قبل أنصار الطرفين، بما يخدم مصالحهم الضيقة على حساب المصلحة العامة. ومع ذلك افرزت الحرب واقعًا سياسيًا واجتماعياً جديدًا، اتسعت فيه رقعة العنف والفساد، التي يحركها “سماسرة الحرب”، الذين يقتاتون من اقتصادها القائم على تعدين الذهب، وجباية ضرائب المعابر المفروضة على النازحين واللاجئين.
إذًا ما الحل لهذا الواقع المتردي الذي يمثل امتدادًا لعنف النخبة وإدمانها للفشل؟ ينبغي أن يبدأ الحل باعتراف النخب السياسية والعسكرية بأنَّ دولة السُّودان الموروثة من المُسْتَعمِر وأنظمة حكمها التي نشأت بعد الاستقلال (1956-2025) لم تفلح في إدارة الشأن الوطني العام برشدٍ وكفاءةٍ، ويقتضي الاعتراف بفشلها البحث عن بديل أفضل. ولا يتحقق ذلك إلا إذا تنازلت النخب السياسية والعسكرية عن مصالحها الضيقة، معطيةً الأولوية للمصلحة العامة وفق رؤية ورسالة وأهداف ومبادرات مقصدها الأول بناء نظام حكمٍ جديدٍ؛ يلبي طموحات الأجيال الصاعدة التي خرجت في ثورات وانتفاضات شعبية متعاقبة (1964، 1985، 2019)، تنادي بالحرية والسلام والعدالة.
وعليه يجب أن تدرك كل الأطراف المتصارعة سياسيًا وعسكريًا أن استمرار هذه الحرب أو إيقافها يقتضي النظر في جذور الأزمة التاريخية وفهم تداعياتها الراهنة، لوضع حلول مستدامة، يشترك في صنعها كل أبناء السُّودان وبناته حسب مجالات تخصصاتهم المعرفية والمهنية وخبراتهم السياسية والإدارية؛ لتحويل الأزمة إلى فرصة لاجتراح مسارٍ جديدٍ. فمرحلة ما بعد الحرب لا يمكن أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء؛ بل يجب البحث عن طرائق تفكير جديدة؛ لإحداث قطيعة مع تجارب الماضي الفاشلة. إنَّ بناء دولة جديدة تلبي احتياجات أهل السُّودان، يستوجب الانطلاق من عقدٍ اجتماعيٍّ، يؤسِّس للحقوق المتساوية والعدالة والمواطنة، ويضع أُسسًا دستورية واضحة تسبق أي نظام حكم. يبدأ المسار بمؤتمر تأسيسي جامع يحدّد المبادئ فوق الدستورية، ثم تليه عملية صوغ دستور شفافة، ثم فترة انتقالية قصيرة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة. في الوقت نفسه، تُقدَّم الأولويات العاجلة للمواطنين: الأمن والخدمات الأساسية (الصحة، والتعليم، والمياه، والكهرباء)، ومعالجات مشكلات الحرب وإفرازاتها السالبة. ويجب أن يستند مثل هذا التصور إلى رؤية وطنية جامعة، وخطط استراتيجية قابلة للتنفيذ في إطار السياقات السياسية والاجتماعية المحيطة بها، مع إصلاح مؤسسات الخدمة المدنية والمنظومات الأمنية وفق مرئيات أهل الاختصاص؛ لتكون قادرة على القيام بأدوارها الوظيفية. ويفترض أن تُعَبِّد مثل هذه الاقتراحات الممرحلة الطريق لانتقال السُّودان من واقع الحرب والأزمات إلى وضع لبنات دولة مدنية حديثة، تستجيب لاحتياجات مواطنيها، وتفتح أفقًا للاستقرار والتنمية المستدامة. آخذون في الحسبان أن السُّودان بلد غني بموارده الطبيعية والبشرية؛ لكنه يعاني من سوء التخطيط والإدارة؛ وعليه ينبغي أن يتسلح المواطنون السُّودانيون الشرفاء بمأثرة “على أهل قدر العزم تأتي العزائم”؛ ويوظفوا خبراتهم وتجاربهم المتراكمة داخل السودان وخارجه في تحويل محنتهم الآنية إلى منَّةٍ مستدامة، وأزمتهم المزمنة إلى انتصار يفتح آفاقًا جديدة، قبل أن يصبح السُّودان أثرًا بعد عين.
ahmedabushouk62@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم