د. فيصل عوض حسن
مُنذُ سنة 1989 والسُّودانُ يحيا في أزماتٍ مُتلاحقة، تبعاً لأُسلوب الإدارة بالأزمات (Management by Crisis)، الذي طَبَّقه المُتأسلمون بدءاً بالبشير وانتهاءً بالبرهان/حميدتي وأعوانهما، حيث يصنعون الأزمة من العدم، للـ(تغطية) على مشاكل قائمة، أو لتحقيق أهداف يخشون رَفْضْنَا لها، ثُمَّ يطرحون حلولاً هي في الأساس (هدفهم الخفي) من الأزمة (المصنوعة)، فيقبلُ الشعب بتلك الحلول تحت وطأة (الضغوط الأزمَوِيَّة)، ويشكرونهم على ذلك.
وعقب حِرَاك ديسمبر الشعبي 2018 ازدادت تطبيقات هذا الأُسلوب الإداري (المُدَمِّر)، بما في ذلك إشعال الحرب الماثلة والتي أوضحتُ في بداياتها، أنَّ البرهان/حِمِيْدْتي (صنعوها) تنفيذاً لتوجيهات المُتأسلمين، وبمُساعدة جماعة الحُرِّيَّة والتغيير وانتهازيي اتفاقيات جوبا، وذلك لتحقيق ثلاثة أهدافٍ رئيسيَّة هي عودة المُتأسلمين للحكم (علناً)، وإرهاب وتشريد/تجويع الشعب السُّوداني، واستكمال نهب وتقسيم السُّودان (مُثلَّث حمدي الإسْلَامَوي)، وللأسف الشديد، يبدو أنَّهم نجحوا في تحقيق أهدافهم! ففي ما يتعلَّق بعودة المُتأسلمين للحُكمِ (علناً)، فإنَّ من أكبر غفلاتنا، اعتقادنا بأنَّهم (سقطوا) بمُجرَّد اختفاء البشير وأعوانه، ولم نستوعب حتَّى الآن أنَّ اختفاؤهم كان وما يزال تكتيكياً، ولنتأمَّل في شبكاتهم وهياكلهم التي ازدادت قُوَّة، بفضل غَدر وتَلَاعُب جماعة قحت بالشعب السُّوداني ووأد ثورته وهي في مهدها، وفق ما أوضحنا في مقالاتٍ تفصيليَّةٍ سابقة.
بالنسبة لهدف الحرب الثاني، فقد غادر الآلاف بيوتهم نتيجة للاعتداءات المُتواصلة بالصواريخ والطائرات والمدافع. كما هاجر السُّودانِيُّون جماعياً نتيجة لحملات التضليل القحتِيَّة، التي زَيَّنَت التهجير للبسطاء وصَوَّرته كخيارٍ أمثلٍ للنجاة، فوقعَ الكثيرون في ذلك الفخ، وباتوا يُعانون مالياً ومعنوياً داخل السُّودان وخارجه، فضلاً عن صعوبة العودة إلى منازلهم المُدَمَّرة/المنهوبة في حالاتٍ كثيرة. في ما يُواجه الذين بقوا بمنازلهم أو عادوا إليها مُؤخَّراً، من النهب والترهيبِ والغلاء، وغيابِ الخدماتِ الأساسِيَّة، وانتشار الأمراض وتدهور البيئة، وانعدام الأدوية وارتفاع أسعارها. والمُؤلم، أنَّ بعض السُّودانيين ينظرون إلى البرهان كـ(مُنْقِذ)، رغم مسؤوليته مع حميدتي وبقيَّة الأطراف عن صناعة هذه الحرب. وهذا التناقُض يعكس كيف يؤدِّي الخوف والدمار إلى تَمَسُّك الضحايا/المُواطنين بأحد أطراف الأزمة أملاً في الخلاص، ويتناسوا مسئوليته عن تلك الأزمة واستمرارها. وبعبارةٍ أخرى، فإنَّ الأزمة نفسها تتَحَوَّل إلى (أداة) لتشكيل/توجيه المُجتمع، وإجباره بقبول ما رفضه سابقاً نتيجة للضيق والخوف..!
أما مُثلَّث حمدي، فيتجلَّى استكماله في تطوُّرات دارفور، من سيطرةٍ وانتهاكاتٍ جسيمةٍ وتهجيرٍ للسُّكَّان، عبر حِمِيْدْتي وجنجويده الذين أنشأوا سُلطة ومُؤسَّسات تدَّعي تمثيل الإقليم، بما يُكرِّس الانقسام كواقعٍ سياسيٍ دائم. وفي الوقت الذي يُعاني فيه مُواطنوا دارفور من هذه الانتهاكات، يعيش قادة حركات دارفور في ظروفٍ ميسورة، سواء في بورتسودان أو في شمال السُّودان ووسطه، وينخرطون في أنشطةٍ تجاريةٍ مُتعدِّدة، دون اكتراثٍ بالذين يُتاجرون بقضاياهم! ومن التطوُّرات بالغة الدلالة، تَحالُف الحركة الشعبِيَّة (جناح الحلو) مع الجنجويد، بما يُعدُّ تناقُضاً فاضحاً بين خطاب الحركة بشأن المُهمَّشين وحقوقهم، وبين تحالُفها مع الجنجويد المشهورين بانتهاكاتهم الواسعة ضد المُجتمعات التي تَدَّعي حركة الحلو حمايتها..! نُضيف لذلك، ما تشهده منطقتي جنوب كُردُفان والنيل الأزرق من صراعاتٍ مُسلَّحةٍ مُتسارعة، سواء بسبب انقسام الحركة الشعبِيَّة نفسها، أو بسبب الاستقطاب القَبَلِي/الجَهَوِي الذي غَذَّاه المُتأسلمون، ويجري توظيفه في الصراعات الحالِيَّة. وفي المُحصِّلة، فإنَّ جميع هذه التطوُّرات سواء بدارفور أو المنطقتين، تُهدِّد وحدة البلاد وتُحيل الانقسامات القائمة إلى حدودٍ فعلِيَّةٍ بين مناطق النفوذ.
بالنسبة لأقصى شمال السُّودان، فقد تَمَدَّدَ الاحتلال المصري الذي بدأ بحلايب ليشمل غالِبِيَّة أراضينا النُوبِيَّة، حتَّى أضحت أرْقِين ميناءً بَرِّياً لمصر، بعدما كانت حدودنا معها في قسطل! بجانب مليون فدان مَنَحَها لهم المُتأسلمون بالشمالِيَّة (مشروع الكنانة)، واستمرار عبثهم بمياهنا الإقليميَّة في البحر الأحمر. وبلغت جُرأة المصريين ذروتها، بارتكاب مجزرة ضد المُعدِّنين السُّودانيين داخل الحدود السُّودانية، مع تَخاذُل البرُهان الذي لم يكتفِ بالصمت وإنَّما أيَّد الغارات (دون حياء)، بما يُقَوِّي صحَّة الأخبار المُتداولة بشأن بيع تلك المناطق أو التنازُل عنها، وما خُفي أعظم!
بالنسبة للشرق، فقد امتدَّ الاحتلال الإثيوبي الذي بدأ بالفشقة، ليشمل إقامة قُرىً كاملة بمنطقة (الدِنْدِر)، مع استمرار مليشياتهم في نهب وقتل المُواطنين السُّودانيين! بخلاف ما رَشَحَ من أنباءٍ عن تَوَغُّلاتهم في النيل الأزرق بغطاءٍ ودعمٍ من حِمِيْدْتي وجنجويده وقحتييه..! وهناك الأراضي المُبَاعَة للإماراتيين والسعوديين والأتراك، بما فيها موانئنا البحريَّة الرئيسيَّة (بورتسودان وسَوَاكِن)، وما رَشَح بشأن ميناء أبو عمامة والقاعدة الرُّوسِيَّة ومناطق التنقيب وغيره. والملف الأكثر خطورة في الشرق، يتمثل في تجنيس آلاف الإريتريين وتَمّدُّد نفوذهم في مُؤسَّسات الدولة، وارتباطهم بالتشكيلات المُسلَّحة التي تتجاوز ولاءاتها الحدود السُّودانِيَّة. ولقد تناولتُ في مقالاتٍ سابقةٍ استغلال المُتأسلمين للمُجَنَّسين الإريتريين للسيطرة على البلاد وقمع الشعب السُّوداني، والآن يسيرُ البرهان على نهجهم وأسوأ، إذ سَمَحَ بإدخال المُجنَّسين الإريتريين إلى البلاد عقب تدريبهم وتسليحهم في إريتريا، بحجة مُساندة الجيش ضد الجنجويد، رغم إساءاتهم وتهديداتهم المُعلَنَة لكل ما هو سُّوداني بما في ذلك الجيش والبرهان نفسه. بخلاف أنَّ غالبيتهم مُنضمِّين أساساً للجنجويد، مما يجعلنا أمام حقيقة واحدة مفادها أنَّ البرهان يسعى لإشعال الشرق استكمالاً لمُخطَّط (مُثلَّث حمدي) الإسْلَامَوي!
لا يُمكن اختزال الحرب في مُجرَّد خلاف بين عَسْكَر/جنجويد، أو تنافُس بين أطرافٍ سياسِيَّةٍ على السُلطة؛ إنَّها أزماتٌ مُتراكمة، صُنِعَت باحترافِيَّة لنهب وتفكيك السُّودان وتشريد أهله! وعلى هذا، فإنَّ أي مُبادرة جادَّة ينبغي أن تُحدِّد مسؤوليَّة جميع الأطراف عن الانتهاكات، بدءاً بالبشير وأعوانه، بمن فيهم البرهان وحميدتي، وانتهاءً بكل من يثبت تَوَرُّطه من القوى السياسِيَّة والحركات المُسلَّحة، أخذاً في الاعتبار حقوق الضحايا ومصالح المُواطنين كأولوِيَّة. ويجب ألا يتحوَّل وقف الحرب إلى وسيلةٍ لتكريس نتائجها، أو مَنْح شرعِيَّة سياسِيَّة لِمَنْ أتى بالقُوَّة المُسلَّحة. فالسلامُ الحقيقي لا يقوم على تَجَاهُل إرادة الشعوب وحقوق الضحايا، وتَجَاوُز الجرائم، وتوزيع النفوذ بين الأطراف المُتحارِبة.
إنَّ إنقاذ ما تَبقَّى من السُّودان يحتاجُ إلى تفكيرٍ عقلاني، وتخطيطٍ رصين، وتنظيمٍ مُحْكَم، فلنبدأ بتوحيد جهودنا في كيانٍ مدنيٍ مُستقل، بعيداً عن المُحاصصات الحزبِيَّة والقَبَلِيَّة/الجِهَوِيَّة، ثُمَّ العمل بمُختلف المجالات في وقتٍ واحد كسباً للوقت، وفق ما يلي:
مجموعة التخطيط الاستراتيجي: لإعداد استراتِيجيَّة عامَّة للفترة الانتقالِيَّة، تتضمَّن أولويات/شكل الحُكْم، وإعادة بناء مُؤسَّسات الدولة، وإصلاح الاقتصاد، ومُعالجة آثار الحرب، وفق جداول زمنِيَّة ومُؤشِّرات دقيقة لقياس الأداء.
مجموعة الخطط التنفيذيَّة والتكاليف: وضع الخطط القطاعِيَّة التفصيليَّة، وتحديد الموارد البشريَّة والمالِيَّة المطلوبة، ومصادر التمويل، وآليات التنفيذ والمُتابعة.
مجموعة دعم الحراك الشعبي والتنظيم المدني: تنسيق الجهود السِلْمِيَّة، وتوسيع المُشاركة الشعبِيَّة، وبناء شبكات التواصُل الوطنِيَّة، وتعزيز الوعي العام.
مجموعة حماية الموارد والمُقدَّرات الوطنِيَّة: رصد الاتفاقيات والتصرُّفات المُتعلِّقة بالأراضي والموانئ والمعادن والمياه وغيرها من الموارد الاستراتِيجيَّة، وجمع المعلومات المُوثَّقة بشأنها، وإعداد ملفَّات قانونِيَّة وفنِّيَّة دقيقة ومُنظَّمة.
مجموعة التوثيق والمُسَاءَلَة: حفظ الأدِلَّة المُتعلِّقة بجرائم التجنيس والانتهاكات والتجاوُزات المالِيَّة والإداريَّة، تمهيداً لإحالتها إلى الجهات القضائِيَّة المُختَصَّة.
مجموعة العلاقات الخارجِيَّة: وضع ملامح/مُوجِّهات إدارة علاقات السُّودان الخارجِيَّة على أساس المصالح المُتَبَادَلَة، وصون السيادة، وتنويع الشراكات، ومنع الارتهان الخارجي.
مجموعة المصالحة المُجتمعِيَّة: مُعالجة الاستقطاب القَبَلِي/الجِهَوِي، ودعم عودة النَّازحين واللاجئين بصورةٍ آمنة، واستعادة الثقة بين المُجتمعات المَحلِّيَّة الأصيلة.
لسنا بحاجةٍ لوعودٍ وَهِمِيَّة ومُستحيلة (التحقيق/التَحَقُّق)، وإنَّما نحتاج إلى رؤية علمِيَّةٍ وعملِيَّة، نعرف من خلالها: ما سيحدث منذ اليوم الأول لاكتمال التغيير الحقيقي؟ وما يتَعَيَّن إنجازه وتحقيقه؟ ماذا سنفعل؟ وكيف؟ ومتى؟ وبأي موارد؟ ومَن سيتولى التنفيذ؟ وكيف سنُراقب الأداء ونُحاسب المُقصِّرين؟
إنَّ المُتأسلمين وأذنابهم (البُرهان/حميدتي) وقحت بمُسمَّياتها المُتَكَاثِرة وما يُسمَّى حركات مسلحة، مسؤولين جميعاً عن صناعة أزماتنا الأخيرة واستمرارها، بما في ذلك الحرب الماثلة، ومن السذاجة التعويل عليهم في مُعالجة هذه الأزمات، لمُجرَّد تَدَثُّرهم ببعض شعارات السلام والتغيير..! وعلينا الخروج من هذه الدائرة المُفْرَغَة وتَجَاوُز جميع القوى المُجَرَّبَة، مع إخضاع مواقف وسياسات العالم الخارجي للتقييم، وعدم الانخداع بالعبارات الزائفة، كالجوار والأخوة وغيرها، لأنَّ العلاقات الدولِيَّة تُدارُ بالمصالح والالتزامات والاتفاقيات، وليس بالشعارات العاطِفِيَّة، كما أنَّ الشقيق الحقيقي لا يبني مصالحه على حساب شقيقه، ولا يستغل ضعفه ومُعاناته للاستيلاء على أرضه وموارده!
أنا على ثقةٍ تامَّة بأنَّ البدائل الوطنِيَّة الحقيقيَّة موجودة داخل رحم الشعب السُّوداني، وأنَّ البلاد لا تفتقر إلى العقول والكفاءات والخبرات القادرة على قيادتها نحو مستقبلٍ أفضل، فلْنَمْنَح الفرصة لهذه الكفاءات، في إطارٍ وطنيٍ جامع، يقوم على النزاهة والكفاءة والمسؤولية، لا على الولاءات الضيقة أو المصالح الشخصية.
لنسارع إلى إنقاذ ما تَبقَّى من السُّودان قبل فوات الأوان؛ فالوطن لا تحميه الشعارات وحدها، وإنما الإرادة الواعية، والعمل المُنظَّم، والقيادة المسؤولة، والمشروع الوطني الذي يجعل السُّودان والسُّودانيين أولاً.
