lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
يمثل الشباب اليوم الكتلة الأكبر والأكثر حضوراً في المجتمعات السودانية (شمالاً وجنوباً) والأفريقية، ولكن المفارقة أنهم الأكثر تهميشاً والأقل تأثيراً في صناعة القرار. يعيش جيل كامل في منطقة رمادية بين واقع مأزوم يفرض قيوده، وحلم تغيير يتجاوز الإمكانيات المتاحة، وبين الاثنين يضيع مستقبل كان يمكن أن يكون هو الأجمل لولا تعقيدات السياسة، وانهيار الاقتصاد، وضعف الدولة، وانسداد الأفق الاجتماعي. إن أزمة الشباب ليست معزولة عن السياق العام، بل هي انعكاس لأزمة الدولة نفسها، ولعطب البنية السياسية التي لم تستطع منذ الاستقلال وحتى اللحظة استيعاب طاقات الأجيال الجديدة أو خلق بيئة تسمح لهم بتحقيق ذواتهم. يتشكل الواقع المأزوم الذي يعيشه الشباب من ثلاث طبقات مترابطة: طبقة اقتصادية، تتجلى في البطالة الواسعة، وغياب فرص العمل، وانعدام المشاريع التنموية؛ وطبقة اجتماعية، تتحدد بتفكك منظومات الدعم التقليدية وغياب البدائل الحديثة؛ وطبقة سياسية، تتسم بانسداد قنوات المشاركة وبسطوة النخب القديمة التي تحتكر القرار وتغلق أبواب المستقبل. وفي ظل هذه الطبقات يعيش الشباب صراعاً يومياً بين البقاء وبين الطموح، صراعاً يولّد الإحباط لكنه في الوقت نفسه يفتح باباً للسؤال: لماذا لم تستطع الدولة أن تكون حاضنة للأجيال الجديدة؟ إن الشباب ليسوا كتلة واحدة، بل فئات متنوعة تجمعها معاناة واحدة. فهناك من يبحث عن فرصة عمل تحفظ كرامته، وهناك من يحاول الهروب عبر الهجرة، وهناك من يلجأ إلى الحركات الاحتجاجية، وهناك من ينخرط في شبكات العنف بحثاً عن حماية أو نفوذ. وتكشف هذه اللوحة أن غياب الدولة يؤدي إلى توجيه طاقات الشباب في كل الاتجاهات ما عدا الاتجاه الصحيح: البناء. وفي البلدان الهشة، يصبح الشباب أكبر ضحايا الصراع، وفي الوقت نفسه يصبحون وقوده. إنهم جيل، رغم وعيه واتصاله بالعالم، يجد نفسه محاصراً بواقع لا يشبه طموحاته ولا يسمح له بالبحث عن مستقبله داخل وطنه. وتتعمق الأزمة عندما يتعارض حلم التغيير مع بنية سياسية لا تؤمن بقدرة الشباب على قيادة التحولات. ففي كل مرة يخرج فيها الشباب إلى الساحة مطالبين بالإصلاح، تتعامل معهم السلطة باعتبارهم تهديداً، لا شريكاً في إعادة بناء الدولة. وهذه النظرة ليست سياسية فقط، بل تعبير عن فشل تاريخي في فهم دور الأجيال. فالمجتمعات التي لا تمنح الشباب الفرصة تفقد القدرة على تجديد نفسها، وتبقى عالقة في ماضيها، وتعيد إنتاج الفشل نفسه. أما المجتمعات التي تستثمر في طاقات الشباب، فإنها تكسب المستقبل وتبني دولة قادرة على التطور. ويضاف إلى ذلك أن الشباب اليوم يعيشون وسط عالم سريع التغير. فهم الجيل الأكثر اتصالاً بالعالم عبر التكنولوجيا، لكنهم في الوقت ذاته الأكثر عزلة داخل أوطانهم. ويمكن النظر إلى هذه المفارقة على أنها أحد أسباب الوعي الحاد الذي يميز هذا الجيل: وعي بالفرص التي يراها في العالم، ووعيه بالفجوة الهائلة بين تلك الفرص وبين الواقع الذي يعيش فيه. هذا الوعي قد يتحول إلى قوة تغيير، لكنه قد يتحول أيضاً إلى غضب هدام إذا لم يجد مؤسسات تستوعبه. وفي غياب تلك المؤسسات، يصبح الشباب أكثر عرضة للاستقطاب السياسي أو العنف أو اليأس. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن لهذا الجيل أن يحول حلم التغيير إلى مشروع واقعي؟ الإجابة تبدأ من ضرورة إعادة النظر في بنية الدولة نفسها. فتمكين الشباب لا يعني إدماجهم في الهياكل السياسية فحسب، بل يعني إعادة تعريف دور الدولة بوصفها منصة تسمح لهم بالإبداع والمشاركة وصنع المستقبل. ويتطلب ذلك إصلاحاً عميقاً في منظومات التعليم التي يجب أن تتجاوز الحفظ والتلقين، وفي الاقتصاد الذي يحتاج إلى توجيه شامل نحو الابتكار والمشاريع الصغيرة، وفي المجال السياسي الذي يتطلب فتح قنوات المشاركة الحقيقية وتمكين المبادرات الشبابية المستقلة. وإلى جانب ذلك، يحتاج الشباب إلى فضاء اجتماعي جديد يعيد بناء العلاقة بين الفرد والمجتمع. فالمجتمعات التي تعيش صراعات مطولة غالباً ما تفرز حالات من الاغتراب الجماعي، حيث يشعر الشباب بأن الوطن لا ينتمي إليهم، أو أنهم لا ينتمون إليه. وهذا الاغتراب يهدد فكرة المواطنة نفسها. ولا بد من خلق مشروع ثقافي يعيد صياغة الهوية الوطنية على نحو يستوعب الجميع ويحمي تنوعاتهم ويمنح كل فرد مساحة للتعبير عن نفسه. ورغم كل التحديات، فإن جيل الشباب اليوم ليس جيل الهزيمة، بل جيل القدرة على إعادة البناء. فقد أثبتت التجارب العالمية أن التغيير الجذري في الدول الهشة يبدأ دائماً بالجيل الذي يرفض الاستسلام للأمر الواقع. الشباب قادرون على قيادة مشروع وطني جديد إذا وجدوا أدوات التنظيم، وإذا توفرت لهم بيئة سياسية تحترم قدراتهم، وإذا انتقلت الدولة من عقلية الوصاية إلى عقلية الشراكة. وما يحتاجه الشباب ليس دعوات فارغة ولا خطابات عاطفية، بل يحتاجون إلى سياسات واقعية تُترجم إلى فرص، وبرامج تُحوَّل إلى نتائج، ومؤسسات تُبنى لخدمتهم لا لاستغلالهم. وفي النهاية، تبقى معركة الشباب الأساسية هي معركة وجود: هل سيظل هذا الجيل عالقاً في واقع مأزوم يبدّد أحلامه؟ أم سيصنع مستقبل وطن لم يجده بعد ولكنه يؤمن بأنه ممكن؟ إن التغيير ليس حلماً مثالياً، بل عملية شاقة تحتاج إلى إرادة جماعية وإلى دولة تعترف بأن مستقبلها يبدأ من الشباب، لا من الماضي. وإن البحث عن وطن لا يعني رفض الواقع فقط، بل يعني خلق وطن جديد داخل الوعي، ثم في السياسة، ثم في مؤسسات الدولة. والشباب قادرون على ذلك حين يصبح الوطن مشروعاً مشتركاً، لا مجرد خريطة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم