الشباب والثورة وصناعة الوعي .. بقلم: د. محمد عبدالرحمن أبوسبيب
أولاً، أن النظر في تاريخ الثورة السودانية يبين، بسهولة، الرباط الوثيق بين مطالب الشعب في تحسين سبل حياته وتراثه النضالي المتراكم في مقارعة القوى التي تعيق تحقيق هذا الهدف من ناحية، وبين ذاكرة جمعية حصينة إحتفظت بهذا التراث النضالي وتجاربه على مر الزمن من ناحية أخرى. ولعل أبسط الأدلة وأروعها لهذه الذاكرة هو ما تزخر به الأغنية السودانية من تمجيد لأمجاد هذا النضال ولحظاته وصانعيه منذ عشرينات القرن الماضي، وما إستقر في هذه الذاكرة من أدب المقاومة من قرون مضت. ثانياً، الذاكرة الجمعية للشعوب لها قدراتها الذاتية على الحياة والإستمرار. ذلك أن الأحداث والأخبار الإجتماعية والسياسية والقيم والمبادئ، إلخ، تنتقل من جيل إلى جيل عبر مسارب عديدة، تعرفها علوم الإجتماع والفولكلور، إبتداءً من حيز الأسرة الصغيرة وحكاوي الأهل والمعارف إلى ساحة المجتمع العريض ومصادره، ومن المعلومة المسموعة إلى المقروءة في المقال والكتاب، ومن الجلسات والونسات إلى المحاضرات والفعاليات ومنصات الخطاب السياسي، إلخ. ثالثاً، الشباب بطبعه توّاق بنَهم إلى الحاضر ومتحفز بقوة إلى المستقبل. لكن حاضره مغلق وقد أوصدت أمامه كل ما يغذي روحه ويثري عاطفته وعقله من منافذ الفن والمعرفة وحرية الرأي والتعبير؛ ومستقبله عابس ومعتم وبلا أفق. وهذا أدعى إلى النظر في الماضي وإسترجاع التاريخ والإستماع إلى “الكبير” (والماعندو كبير يشوفلو كبير) وهذا ما فعله هؤلاء الشباب بفطنتهم. رابعاً، فشلت الحركة الإسلامية في تدجين الحركة الطلابية أو لجمها وتحييدها خارج المشهد السياسي، فهذا موروث تاريخي له جذوره العميقة: في المظاهرة التاريخية الجسورة لطلاب الكلية الحربية إبان ثورة 1924، وفي نضالات طلاب كلية غردون، وفي ملاحم طلاب الجامعات والثانويات في أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وما بين هذه التواريخ من كفاح لم ينقطع منذ إنقلاب الإنقاذ في 1989. كذلك أصبحت تنظيمات طلاب قوى الهامش وتضحياتهم معلماً هاماً في هذا التاريخ النضالي وعمّق الوعي بالمسألة القومية وقضية الهوية السودانية. خامساً، وليس آخرها، هناك حالة يقترن فيها الوعي السياسي بالشعور بالظلم وإدراك مصدره، وهي إحدى مكونات ما يعرف بالعنصر الذاتي في علم الثورات، وهي لحظة ما إن تحل يبدو من المستحيل تجاوزها دون العبور إلى مخرج ما لمعالجة هذا الظلم. فالوعي ينموا عادةً في ظل النظام الديموقراطي، ولكن عند إزالة هذا النظام وإحلال نقيضه بكل مفاسده يطل الحراك الثوري، عسكرياً أو مدنياً، مندفعاً أو متأنياً، شارعاً منصاته، ناشراً هذا الوعي السياسي في كل المواقع، حتى في أقبية السجون. ومنذ الثالث عشر من ديسمبر تطور هذا الحراك الثوري بكامل وعيه وإحتل الفضاء السياسي، يؤمه شباب صامد إستقر في صميم وعيه أن خروجه إلى الشارع هو خروج للمستقبل لا رجعة فيه، ومواجهةً للظلم والظالم لا هوادة فيه، فكأنهم، والحال هذه، في صمودهم ومقارعتهم لأمنجية الحركة الإسلامية يستعيرون أبيات الشاعر عكير الدامر وهم يعاهدون الثورة وشهدائها وأهدافها:
لا توجد تعليقات
