بقلم : حسن أبوزينب عمر
oabuzinap@gmail.com
الآن اتسعت المساحات السوداء ..أصبحت المجتمعات السودانية في حالة حرب مفتوحة مع تآكل التعيش السلمي وتنامي الفوضى المقنعة ..سهام سامة للكراهية والعداء ورفض للآخر مصوبة في كل اتجاه تحت سماء داكنة وأفق مظلم مسدود يغذيه غلاء فاحش وغياب أمن وانعدام ثقة في مستقبل أفضل فحتى لو انتهت الحرب اللعينة فان وجود 98 حركة مسلحة متفرعة من حركة العدل والمساواة ووجود 6 أحزاب منقسمة من حزب الأمة ونفس هذا العدد أو أكثر لحزب الاتحاد الديمواقراطي مع انقسام مؤتمر البجا الى 5 فصائل متناحرة ونشوء جيوش موازية في الشمال والوسط ودارفور والنيل الأزرق كلها تنطق بلسان واحد وتنتهج نهجا واحدا يقف دليلا على ان حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية ملغومة بخلايا نائمة من الفوضى لم أجد وصفا أكثر بلاغة لها الا ماقاله ذات مرة الدكتور جون قرنق
It is too deformed to be reformed
(غير قابلة للاصلاح) فمن الذي نعيشه الآن فان السودان لم يتراجع كقوة اقليمية مؤثرة بما لا يتناسب مع حجمها ووزنها وموقعها وتأريخها وكقدراتها فحسب بل مؤهل للانحدار الى دون الدول التي تشظت وانقسمت الى دويلات .. نحن نعيش الآن زمن الخيبات الكبرى فلا بصيرة نافذة ولا خلفيات منهجية ولا تفاهمات تساعد في اكتشاف العلة . كيف لا وكل طرف
يظن بكل غباء أنه يحمل صك برائته عندما يفتح سجل جرائم الطرف الآخر.
(2)
احتشد كثيرون لتشريح حالة السودان كان أشهرهم الدكتور منصورالذي استعان بكل ما يلزم من البلاغة والسلاسة . فحوى تجربته في عالم السياسة كما أوجزها هو، أنه في كل المرات التي اقتحم فيها مجال السياسة الوطنية، كان محتفلا بأسلحة اربعة هي: الرؤية ، ومنهج العمل وأدواته، وأهل الشورى حتى وإن كانوا من الأبعدين. ومن اللافت للنظر أن حال السودان ومآ آل إليه، كان من النقاط البارزة في بدايات المحاضرة، عندما ورد فيها نصا “أين هو هذا الوطن الآن؟ يكفيك النظر إلى طرقاته لترى أهله، صغارا وكبارا، يهرولون فوقها جمعا وأفذاذا مشدوهين وكأنهم يهربون من الحياة، أو كأنهم ضلوا الطريق في فلاة سهب لا نهاية لها. تلك الغيبوبة الجماعية التي لحقت بالناس وهم يجوسون في الطرقات كادت أن تصبح استكانة المرضية لمآسي الماضي وبؤس الحاضر وضيمه أطلق عليه وفي ذات السياق، وتلخيصا للأزمة السودانية المتوارثة تواترالفشل الالفشل السياسي نبهنا إلى حكمة منزلة نعرفها جيدا ولكننا لم نجعلها نبراسا لأفعالنا وهي (أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) … وهنا حمّل منصور القادة السياسيين وغيرهم من النافذين مسئولية ذلك الفشل المتواتر منذ استقلال السودان وظنونهم الكاذبة بأنهم قادرون على إعادة إنتاج أنفسهم إستحقارا للعقول، “خاصة عندما تكون إعادة إنتاج النفس هي دوما بأسوأ ما فيها”!! ودلّل الدكتور منصور على المتاهات التي أدخل السودانيون أنفسهم فيها مؤكدا أن ذلك يعود إلى “سيطرة شهوة إصلاح الكون بدلا من إصلاح السودان.
(3)
هناك من جعل همه الأول هو توحيد العرب من المحيط إلى الخليج، ومنهم من جعل اهتمامه الأعلى توحيد أهل القبلة من غانا إلى فرغانه، ومنهم من نذر نفسه لمحاربة الاستعمار الجديد حتى يدفن. كل هذا دون وعي بأن إصلاح الكون لا يتحقق إلا بإصلاح الجزء من الكون الذي نعيش فيه”. وإثر ذلك مضى الدكتور منصور فعدّد الكثير من النماذج التي تؤيد الحقائق المؤسفة التي تحيط بأحوال السودان في الماضي والحاضر. وخلص إلى أن مشاكل السودان السياسية الراهنة هي “نتاج لفقدان الرؤية”. وانبرى بعد ذلك لتحليل وتشخيص القضايا النوعية والموضوعية والذاتية التي أدت بنا إلى ما نحن فيه من ضياع ..
أما رجل المال والأعمال السعودي صالح كامل فان شهادته لا تصب في خانة فشل السياسات السودانية في استقطاب الاستثمار الأجنبي وبالذات الخليجي فحسب بل لا تستفيد حتى من العبر والدروس والعثرات وتجارب الماضي فقد قال لمستمعيه ذات مرة (سأعيد لكم ورقة قدمتها في هذا المكان قبل سنوات عن معوقات الاستثمار في السودان وذلك لسبب بسيط وهو ان مشكلات الماضي لا تزال هي نفسها مشكلات الحاضر) . النتيجة أن السودان لم يستفد من موارده الطبيعية المهولة ولم يستغل موقعه الجغرافي المميز بقربه من أكثر أسواق العالم استهلاكا ولا اطلاله على البحر الأحمر أرخص وسائل المواصلات .
(4)
المؤلم ان السودان تجاوزالآن حالة العيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول بل اقترن بحالة من السخرية والرثاء .تقول طرفة سوداء على لسان سفير عربي عمل سنوات في الخرطوم (ان الشعب السوداني شعب أمين والدليل انه سيعيد يوم القيامة تسليم الأرض الخصبة الى الله سبحانه وتعالي بكرا تامة وسالمة غير منقوصة) . وتقول تشنيعة أخرى كما روى الكاتب ضياء الدين بلال ان كاتبا فلسطينيا قال ان السودانيون محظوظين ان كل انهار الدنيا تجري من الشمال الى الجنوب بعكس نهر النيل والسبب ان الله سبحانه وتعالى لطف بالسودانيين وغير قانون جريان الأنهار فلو كان النيل يجرى من الشمال الى الجنوب وعبر أرض الفلاحين المصريين لما وصل السودان الا بالقطارة. الانحدار الذي نعيشه والضياع الذي نتمرغ في ترابه والمحن التي تعتصرنا هي بفعل فاعل قبل أن تكون قضاءا وقدرا .. اذن لماذا يفسدون ويتأمرون ويخربون ويجسدون الثالوث المظلم للنفس البشرية (النرجسية والسيكوباتية والميكيايفلية ) في سباقهم المحموم على السلطة ويسلون السكاكين لذبح الوطن ألم يسمعوا للفنان بادي محمد الطيب وهو يصدح من كلمات عبيد عبد النور
ياأم ضفائر قودي الرسن وأهتفي فليحيا الوطن
أصلو موتا فوق الرقاب ..كان رصاص أو كان بالحراب
البدور عند الله الثواب ..البضحي وياخذ العقاب
غنمونا وحفظوا الأمان ..بالنبابيت والخيرزان
انتي نورنا وفي النار رموك ..ضحكوا لينا ونصبوا الشروك
حالة صعبة ومسرح فتن ..دنيا فانية وفيها المحن
(5)
هل يجهل هؤلاء ان الترابي هو عراب الدستور والقضاء القطري وان كل البنية التحتية لأبوظبي كانت من أفكاركمال طه ؟
ألم يسمعوا كيف ان هربرت كيتشنرالحائز على وسام فرسان الرباط ووسام القديس باتريك وميخائيل وجرجس ووسام آمر الطريق برتبة فارس ووسام الاستحقاق ووسام نجمة الهند ووسام امبراطورية الهند برتبة فارس اعترف بأن (المكسيم) وليست بسالة الجندي البريطاني هو الذي حصد أرواح محاربي المهدي في كرري ؟
أين ضاعت مناجاة يوسف مصطفى التني ؟
وطن شقيت بشيبه وشبابه ..زمن سقاك السم من أكوابه
قد أسلموك الى الخراب ضحية ..واليوم هل طربوا لصوت غرابه
وطن تنازعه التحزب والهوى ..هذا يكيد له وذاك طغى به
ولقد يعاني من جفا أبنائه ..فوق الذي عاناه من أغرابه
(6)
رحم الله الشاعر عبد الله محمد زين بكلماته التي سارت بها الركبان
أنا أمدرمان سليلة النيل قسمت الليل وبنت صباح
أنا الولدوني بالتهليل وهلت فوقي غابة رماح
أنا الطابية المقابلة النيل وأنا العافية البتشد الحيل
وأنا القبة التضوى الليل وتهدي الناس سلام وأمان
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم