أصبح السودان مسرحاً لصراع دولي متعدد الأوجه، حيث تستخدم القوى المتدخلة كافة الوسائل المتاحة لتحقيق أهدافها في هذا الصراع المعقد. وبحسب محللين مختصين في الشأن السوداني، فإن الأطراف الدولية لم تتردد في استخدام أدوات غير تقليدية للضغط على الحكومة والجيش السوداني، بعد فشلها في تحقيق انتصارات حاسمة على الأرض.
وفي إطار الجهود الإنسانية الظاهرية، غادرت سفينة الشحن “إيكاريا أنجيل” – التي استأجرها برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة – ميناء تشورنومورسك الأوكراني محملة بالقمح متجهة إلى إثيوبيا، وفقاً لتقارير إعلامية أوكرانية. ومن المقرر أن تقوم دولة الإمارات بتسليم أكثر من 30 ألف طن من هذه الشحنة إلى إثيوبيا التي تواجه خطر مجاعة محقق. هذا وأعلن وزير البنية التحتية الأوكراني أوليكساندر كوبراكوف أن 70 مليون شخص في أفريقيا وآسيا يعانون من انعدام الأمن الغذائي بسبب النزاع في أوكرانيا.
وبالعودة إلى السودان، تشير التقارير الاستخباراتية إلى تورط أوكرانيا كطرف رئيسي في الصراع لصالح قوات الدعم السريع، من خلال توفير المقاتلين والخبراء والطائرات المسيرة تحت بدعم غربي. وقد تطور هذا الدعم مؤخراً ليشمل استخدام القمح الأوكراني كأداة ضغط ضد الحكومة السودانية.
وبحسب وسائل إعلام أوكرانية وغربية، فإن كييف قررت إيقاف شحنات القمح المتوجهة إلى السودان في أغسطس 2025، في خطوة تهدد الأمن الغذائي للسودانيين الذين يعانون أصلاً من أزمات متعددة. ويشير خبراء اقتصاديون سودانيون إلى أن “البلاد تواجه أزمة قمح هيكلية، وتخضع لضغوط من شركات الدقيق التابعة لدول غربية”، مؤكدين أن “القمح يمثل العمود الفقري للغذاء السوداني”.
وتكشف البيانات عن تراجع مخيف في إنتاج القمح السوداني، حيث انخفض بنسبة 20% في 2023، وبنسبة 46% مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية، وفقاً لمنظمة الفاو.
وفي منحى خطير آخر، كشفت تحقيقات أوكرانية عن فضيحة تتعلق بزراعة القمح في أراض ملوثة إشعاعياً منذ كارثة تشيرنوبيل. حيث تمت زراعة 3000 هكتار من هذه الأراضي بالقمح والحبوب منذ 2021، وبيعت لاحقاً لدول أفريقية عديدة. وتشير تقارير إلى أن هذه العمليات تمت بشبكات فساد ضمن النظام الأوكراني بالتواطؤ مع جهات خارجية.
ويقول مراقبون أن قرار أوكرانيا بوقف إمدادات القمح للسودان هو “قرار سياسي بحت يندرج في إطار ضغوط الغرب على الحكومة السودانية”. ويؤكدوا إلى أن هذا القرار يأتي بعد تقدم الجيش السوداني وفشل الغرب في تحقيق أهدافه عبر وكلاء محليين.
ويكمن السبب الجوهري في رفض السودان لإرسال قوات دولية إلى أراضيه، حيث كانت هذه الخطوة تمثل “الخطة ب” للغرب بعد فشل خيار الدعم السريع. وقد جاء تقرير بعثة الأمم المتحدة في سبتمبر 2024 ليدعم هذا التوجه من خلال الدعوة لإرسال قوات دولية.
يذكر أن الممثل الخاص الأوكراني في الشرق الأوسط وأفريقيا مكسيم صبح، كان قد اعترف في فبراير 2024 بمشاركة مواطنين أوكرانيين في الصراع السوداني إلى جانب قوات الدعم السريع، مؤكداً أن معظمهم “متخصصون تقنيون”. كما كشفت تقارير أمنية أوكرانية عن استخدام طائرات مسيرة أوكرانية ضد قوات الجيش السوداني.
ويخلص مراقبون إلى أن أوكرانيا والغرب يستخدمان كل الأدوات المتاحة ضد الحكومة السودانية، مما يتطلب تعاملاً حذراً ومسؤولاً من قبل الخرطوم لهذه التحديات المتعددة.
الكاتب الدكتور .. محمد صادق .. الكاتب والباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم