lualdengchol72@gmail.com
الصومال بين استقرار اختاره بنفسه وفوضى تُدار من الخارج: قراءة نقدية في الموقف العربي من صومالاند والمنطقة بقلم: لوال كوال لوال لم يكن الصومال يوماً دولة هامشية في معادلات الإقليم، كما لم يكن شعبه غائباً عن وعي العالم العربي والإسلامي. لكن ما حدث خلال العقود الثلاثة الماضية يكشف حقيقة مؤلمة: أن الصومال كان حاضراً فقط كجغرافيا للصراع، لا كإنسان يستحق الحياة والاستقرار. لذلك يحق لنا أن نتساءل اليوم، وبصوت عالٍ: هل اكتشف العرب ودول الخليج العربي «أرض الصومال» أو «صومالاند» فجأة في عام 2025، أم أن هذا الاكتشاف جاء متأخراً كرد فعل سياسي بعد اعتراف إسرائيل بها؟ منذ انهيار الدولة الصومالية في مطلع التسعينيات، دخلت البلاد في واحدة من أطول وأقسى حلقات الفوضى في أفريقيا والعالم. ملايين القتلى والنازحين، دولة غائبة، اقتصاد منهار، وأجيال كاملة نشأت في ظل العنف والخوف. خلال هذه السنوات، تمددت حركة الشباب المجاهدين، وفرضت سطوتها على مساحات واسعة من البلاد، مارست القتل والتفجير وقطع الرؤوس، وادّعت زوراً أنها تمثل الدين، بينما كانت في الحقيقة تدمّر الإنسان الصومالي وتختطف مستقبله. ورغم فداحة المأساة، ظل الموقف العربي في أحسن أحواله باهتاً، وفي أسوئه متواطئاً بالصمت. لم نرَ تحركاً عربياً جاداً لحماية الشعب الصومالي أو دعم بناء مؤسسات دولة حقيقية. لم نسمع خطاباً قومياً صادقاً يتعامل مع الصومال باعتباره جزءاً من الأمن العربي، بل تُرك البلد فريسة للفوضى، في وقت كانت فيه الأموال تتدفق، عبر قنوات متعددة، إلى جماعات إسلامية متطرفة، بعضها جمع التبرعات باسم العمل الخيري والدعوي، ثم وجّهها لدعم الإرهاب، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد الحرب وتعميق الجراح. في المقابل، عندما تدخلت دول أفريقية لإعادة قدر من الاستقرار إلى الصومال، لم تحظَ تلك الجهود بالدعم العربي الكافي. بل إن إثيوبيا، التي كثيراً ما يُنظر إليها بعين الريبة في الخطاب العربي، لعبت أدواراً محورية في محاولات ضبط الأوضاع الأمنية، سواء في الصومال أو في محيطه الإقليمي. ورغم تعقيدات هذه الأدوار واختلاف التقييم حولها، إلا أن الحقيقة الثابتة هي أن الاستقرار النسبي الذي تحقق لم يكن ثمرة مشروع عربي، بل نتيجة تدخلات أفريقية ودولية، في ظل غياب عربي شبه كامل. أمام هذا الواقع القاتم، اختارت «أرض الصومال» مساراً مختلفاً. منذ إعلان انفصالها الفعلي في عام 1991، سعت صومالاند إلى حماية نفسها من الانزلاق إلى مستنقع الفوضى. بنت مؤسساتها المحلية، نظّمت انتخابات، فرضت الأمن، ونجحت، رغم ضعف الإمكانيات وقلة الاعتراف الدولي، في تحقيق استقرار نسبي جعلها واحة هدوء في إقليم مشتعل. لم يكن هذا الخيار ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية فرضتها تجربة دامية مع العنف والانهيار. المفارقة أن هذا الاستقرار، الذي يفترض أن يُشاد به ويُدرس كنموذج أفريقي محلي، أصبح اليوم محل استهداف وتشكيك من بعض الدول العربية، تحت لافتة الدفاع عن «وحدة الصومال». لكن أين كانت هذه الوحدة حين كان الصوماليون يُقتلون يومياً؟ وأين كان هذا الحرص عندما كانت حركة الشباب تفجّر المساجد والأسواق؟ إن الدفاع الانتقائي عن وحدة الدول يفقد معناه عندما يُستخدم كأداة سياسية، لا كمبدأ أخلاقي ثابت. وإذا انتقلنا إلى تجارب أخرى في المنطقة، يزداد السؤال إلحاحاً. ماذا حقق التحالف العربي في اليمن؟ هل أعاد الدولة؟ هل أوقف الحرب؟ أم أنه ساهم، عن قصد أو دون قصد، في تعميق الانقسام بين الشمال والجنوب، وفتح الباب أمام صعود جماعة الحوثي وتمكينها؟ كيف تحولت عملية رُوّج لها باعتبارها معركة لاستعادة الشرعية إلى حرب طويلة الأمد أنهكت اليمن، وقسّمته اجتماعياً وسياسياً؟ الأمر ذاته يمكن ملاحظته في ليبيا والعراق. دول تم تدمير بنيتها المؤسسية، وانتشرت فيها الميليشيات، وتحوّلت إلى ساحات صراع إقليمي ودولي، بينما ظل الخطاب العربي عاجزاً عن تقديم حلول حقيقية. إذا كانت بعض الدول العربية جادة في حديثها عن الاستقرار، فلماذا لم تبدأ من هذه الساحات الملتهبة؟ ولماذا يُترك السلاح منفلتاً، والميليشيات تعبث بمصير الشعوب، دون رؤية شاملة لإنهاء الفوضى؟ ثم تأتي المفارقة الأكبر في الخطاب القومي العربي نفسه. كيف يمكن الحديث عن وحدة المصير العربي، في ظل أنظمة خليجية تفرض قوانين تمنع دخول العرب إلى أراضيها إلا عبر نظام الكفيل، الذي يشبه في كثير من جوانبه العبودية المقنّنة؟ كيف يُرفع شعار الأخوة، بينما يُعامل العربي القادم من دولة فقيرة كمجرد يد عاملة بلا حقوق سياسية أو اجتماعية؟ ولماذا لم نسمع يوماً عن فتح حقيقي للحدود أمام العرب المنكوبين، كما تفعل دول أوروبية أو الولايات المتحدة، رغم اختلاف الثقافة واللغة؟ إن الصومال، بكل أقاليمه، لا يحتاج إلى «أفيال» تتصارع فوق أرضه، ولا إلى مشاريع نفوذ تُدار من الخارج. ما يحتاجه هو تنمية حقيقية، ومشاريع اقتصادية كبرى تحوّل الصحاري إلى مساحات خضراء، وتواجه الجفاف والتصحر، وتخلق فرص عمل للشباب. يحتاج إلى استثمار في التعليم، والزراعة، والبنية التحتية، لا إلى مزيد من السلاح والخطابات الأيديولوجية الفارغة. الاستقرار لا يُفرض بالقوة، ولا يُصنع بالشعارات، ولا يُقاس بعدد البيانات السياسية. الاستقرار يُبنى باحترام إرادة الشعوب، وبفهم خصوصياتها، وبالاعتراف بحقها في اختيار الطريق الذي يحميها من الانهيار. وصومالاند، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها، هي نتاج تجربة مريرة، وخيار شعب أراد النجاة من الفوضى، لا مشروعاً لتقسيم المنطقة كما يُروّج البعض. في النهاية، إذا أراد العرب أن يكونوا جزءاً من الحل لا من المشكلة، فعليهم أن يعيدوا النظر في سياساتهم، وأن ينتقلوا من منطق ردود الأفعال إلى منطق الرؤية الاستراتيجية الشاملة. فالصومال، مثل اليمن وليبيا والعراق، مرآة صادقة لأزمة أعمق في النظام الإقليمي العربي، أزمة عنوانها الغياب عن الإن.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم