الضَمَانَاتُ المَشْرُوطَةُ للجَنَرَالَاتِ: كَيْفَ تُحَرِر مُؤَسَسَةِ الجَيْشِ مِن قَبْضَةِ الإسْلَامِيْينِ؟

الضَمَانَاتُ المَشْرُوطَةُ للجَنَرَالَاتِ: كَيْفَ تُحَرِر مُؤَسَسَةِ الجَيْشِ مِن قَبْضَةِ الإسْلَامِيْينِ؟

 Conditional Guarantees for the Generals: Freeing the Army from Islamist Capture

بقلم: بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي – مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

بين الحكمة والانتقام … لحظة اختبار العقل السياسي   

يمر السودان بمرحلة دقيقة لا تحتمل الانفعالات ولا الخطاب الأخلاقي المجرد، بل تتطلب قدراً عالياً من إعمال الفكر، والحكمة، والحنكة السياسية. فالتاريخ لا يُكتب بالنوايا الحسنة وحدها، ولا تُبنى الدول الخارجة من الحروب بثقافة الانتقام والتشفي، مهما كانت الجرائم فادحة والآلام عميقة. إن أي حديث جاد عن انتقال مدني حقيقي، معزول عن نفوذ الإسلاميين، يظل وهماً سياسياً إذا لم يُبنَ على علاقة إيجابية، واقعية، ومدروسة مع المؤسسة العسكرية. فالجيش، شئنا أم أبينا، هو الفاعل الحاسم في لحظة الخروج من الحرب، وأي محاولة لتجاوزه، أو كسره معنوياً، أو دفعه إلى الزاوية، لا تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج التحالف الأخطر في تاريخ السودان الحديث: تحالف قيادة الجيش والإسلاميين. من هنا، فإن السؤال المركزي ليس: هل يستحق الجنرالات الضمانات  المشروطة لوقف الحرب؟ بل: هل يستطيع السودان النجاة من دون تفكيك منطق الخوف من المساءلة والعقاب الذي يحكم قراراتهم؟

مبادرة الإسلاميين في مجلس الأمن: الزج بالجيش في حرب بلا أفق

في هذا السياق السوداني الدقيق، لا يمكن تجاهل ما عُرف أخيراً بمبادرة الإسلاميين الساذجة في مجلس الأمن، والتي قُدِّمت باسم حكومة بورتسودان، لكنها في جوهرها لا تخدم الجيش ولا السلام، بل تُضحّي بالمؤسسة العسكرية نفسها عبر الزجّ بها في مسار دولي مسدود، لا يملك أدوات تنفيذ، ولا آليات إلزام، ولا قدرة على وقف الحرب. هذه المبادرة لم تكن محاولة جادة لإنهاء القتال، بل مناورة سياسية يائسة هدفها قطع الطريق أمام مسار الرباعية الذي بدأ يفتح للجيش نافذة خروج عقلانية من الحرب. فالإسلاميون، وقد أدركوا أن السلام الحقيقي يعني نهايتهم السياسية، اختاروا إطالة أمد الحرب ولو على حساب استنزاف الجيش، وتفكيك الدولة، وتعريض السودان لخطر التقسيم، فقط للحفاظ على نفوذهم ومصالح تنظيمهم وقيادته الفاسدة. وهنا تتضح المفارقة: الإسلاميون الذين يدّعون حماية الجيش، هم في الواقع أكثر من يغامر به، ويستثمر في دمائه، ويدفعه إلى حرب بلا أفق، فيما يلوّحون له بمخاوف المساءلة والعقاب لابتزازه سياسياً. هذه المبادرة، بدل أن تُوحد الصف، كشفت عمق التناقض بين مصلحة الجيش كمؤسسة وطنية، ومصلحة الإسلاميين كجماعة تبحث عن البقاء بأي ثمن.

تحالف الخوف المتبادل بين الجيش والإسلاميين؟

العلاقة بين قيادة الجيش والإسلاميين ليست تحالفاً سياسياً اختيارياً، ولا خياراً استراتيجياً بعيد المدى، بل تحالف خوف متبادل.
الإسلاميون يقدمون أنفسهم كخط الدفاع الأخير عن الجيش في مواجهة شبح المحاسبة. وفي المقابل، ترى قيادة الجيش في هذا التحالف المسموم مظلة مؤقتة تقيها ما تعتبره ”عقاباً وجودياً“. غير أن هذا التحالف لا يحمي الجيش، بل:

  • يعزله شعبياً،
  • يستنزفه عسكرياً،
  • ويقوده تدريجياً نحو السيناريو الأخطر: تفكك الدولة وتقسيم البلاد.

الضمانات المشروطة للجنرالات: تفكيك معسكر الحرب لا مكافأة الجُناة

وهنا تبرز الضمانات المشروطة كأداة سياسية عقلانية، لا كتنازل أخلاقي. فالضمانات المشروطة ليست مكافأة، بل آلية تفكيك للحرب. ضمانات واضحة، مكتوبة، ومدعومة دولياً، تشمل:

  • خروجاً آمناً من السلطة،
  • حماية شخصية وقانونية ضمن مسار عدالة انتقالية غير انتقامية،
  • التزامات متبادلة بعدم الإقصاء وبحماية الانتقال،

وهذه الضمانات المشروطة تسحب من الإسلاميين أخطر أوراقهم: فزاعة العقاب الشامل للجنرالات عند موافقتهم على وقف الحرب. وهنا يبدأ الشرخ الحقيقي داخل المعسكر العسكري، لأن الإسلاميين لا يعيشون إلا في مناخ الحرب، بينما تمنح الضمانات المشروطة الجيش خياراً عقلانياً للخروج من قبضتهم وابتزازهم.

الرباعية: فرصة تاريخية للجيش أم مسار يجهضه الإسلاميون؟

تفسَّر مناورات الإسلاميين الأخيرة، وعلى رأسها ”مبادرة مجلس الأمن“ الساذجة، باعتبارها محاولة يائسة لإجهاض مسار الرباعية بعد أن ظهرت مؤشرات جدية على استعداد قيادة الجيش للسير فيه. وهذه المبادرات ليست بحثاً عن سلام، بل:

  • هروب للأمام،
  • تبضع في المبادرات،
  • وزج متعمد للأزمة في مؤسسات دولية مشلولة بالانقسام.

ومن ثم فإن الضمانات المشروطة للجنرالات قادرة على تحويل الرباعية من مسار محفوف بالمخاطر للجيش، إلى فرصة إنقاذ وطني تُعيد تموضعه كمؤسسة جوهرية، لا كطرف سياسي عُرضة لاستغلال وابتزاز الإسلاميين.

الضمانات المشروطة تحوِّل المحظور إلى ممكن

عندما تتوافر للجيش ضمانات مشروطة، وحاضنة مدنية واعية، وإشراف دولي صارم، تصبح إعادة هيكلة الجيش، وإبعاد الإسلاميين، ودمج الدعم السريع والحركات المسلحة قضايا تفاوض قابلة للحل، لا شعارات ثورية فارغة. بل تتحول إلى شرط لبقاء الجيش موحداً، وحامياً للانتقال، وحصناً من انزلاق السودان نحو دويلات الأمر الواقع.

وإذا فشل مسار الضمانات المشروطة لقيادة الجيش، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في أن يختار كل جنرال الاكتفاء بما يسيطر عليه اليوم، وتحويله إلى كيان مغلق ينجو به من المحاسبة. وهنا يصبح التقسيم حلاً عملياً للهروب من العدالة، لا واحداً من السيناريوهات التحليلية النظرية.

الضمانات ليست بدعة سودانية

التاريخ الحديث مليء بأمثلة لقيادات وأنظمة حصلت على ضمانات خروج لتجنيب بلدانها الانهيار الشامل. فقد خرج منجستو هيلا مريام من إثيوبيا إلى زيمبابوي بعد سقوط نظامه. كما وفرت مصر ملاذاً آمناً لجعفر نميري بعد انتفاضة أبريل، ولجأ زين العابدين بن علي إلى السعودية في بداية الربيع العربي، وأخيراً وفّرت روسيا ملاذاً آمناً لـبشار الأسد بعد انتصار المعارضة.

هذه الأمثلة لا تُقدَّم كنماذج أخلاقية، بل كوقائع سياسية تثبت أن المجتمع الدولي، حين يوازن بين العدالة الفورية وانهيار الدولة، يختار أحياناً الضمانات المؤقتة كشرّ أقل.

توفير الحاضنة المدنية للجيش: برهان للصحوة بعد الغفلة الطويلة

على الرغم من مرارات حرب أبريل وكلفتها الإنسانية الفادحة، تظلّ مؤسسة الجيش هي الحصن الأخير أمام انزلاق السودان نحو التشرذم والتقسيم. ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية تفرض على القوى المدنية التحلي بوعي استراتيجي عالٍ في التعامل مع الجيش، إدراكاً لحقيقة بسيطة ومُهمَلة: لا ضمانات تنجح بلا حاضنة مدنية بديلة للجيش.

فقيادة الجيش، مهما أبدت من انفتاح على السلام، لا تستطيع كسر تحالفها القسري مع الإسلاميين من دون سند سياسي ومجتمعي موثوق، يحل محل الحاضنة الإسلامية الابتزازية التي قادته إلى حرب بلا أفق. وهنا تُختبر فعلاً حكمة القوى المدنية ونضجها السياسي.

المطلوب في هذه اللحظة الدقيقة ليس إعادة إنتاج شراكة حكم فاشلة، بل توفير:

  • غطاء سياسي وطني للانتقال،
  • خطاب عقلاني مسؤول يفصل بوضوح بين الجيش كمؤسسة وطنية، والإسلاميين كمشعلي حرب ومصادرين للدولة،
  • واستعداد صريح لتحمّل كلفة الانتقال سياسياً واجتماعياً، دون مزايدة أو تشفٍ.

من دون ذلك، سيظل الجيش أسير حاضنته الإسلامية، مهما أعلن تبرّؤه منها، ومهما لوّح بالانفتاح على السلام. فغياب البديل المدني الجاد لا يحرر المؤسسة العسكرية، بل يعيد إنتاج ارتهانها للقوى التي لا تعيش إلا في ظل الحرب.

تقاعس النخب المدنية: حين يؤدي الخلاف لاستمرار الحرب

في هذه اللحظة المفصلية، لا يمكن إعفاء النخب المدنية من مسؤوليتها المباشرة عن إطالة أمد الحرب إن هي واصلت الهروب من حسم القضايا الجوهرية، وعلى رأسها مبدأ الضمانات المشروطة. فالصمت، أو التردد، أو الانقسام العلني حول الضمانات المشروطة لا يُعد موقفاً أخلاقياً متقدماً، بل تقاعساً سياسياً مكلفاً يدفع ثمنه المدنيون بالدم والتشريد، ويمنح مؤججي الحرب ذخيرة إضافية لتخويف العسكريين وتعطيل أي اتفاق محتمل.

إن فشل القوى المدنية في إدارة حوار داخلي جاد ومتزامن مع مفاوضات العسكريين، والتوصل إلى موقف موحد وواضح بشأن الضمانات المشروطة للجنرالات، يُعد أحد أخطر مظاهر العجز السياسي. فالعسكري الذي يرى نخباً مدنية متربصة، أو أسيرة لمزايدات أخلاقية منفصلة عن الواقع، لن يغامر بالسلام، بل سيعود غريزياً إلى أحضان الحاضنة الإسلامية التي تتقن استثمار الخوف وتغذي وهم الحماية.

بل الأخطر من ذلك، أن استمرار الخلاف المدني حول الضمانات المشروطة يرسل رسالة معاكسة تماماً لما يحتاجه مسار السلام: رسالة مفادها أن ما بعد الحرب سيكون فوضوياً، انتقامياً، وغير قابل للإدارة. وهنا لا يعود العسكري هو العائق الوحيد أمام الهدنة ووقف إطلاق النار، بل تتحول النخب المدنية نفسها إلى عامل تعطيلموضوعي، قصداً أو غفلةً.

إن المطلوب من القوى المدنية اليوم ليس إصدار بيانات عامة أو رفع شعارات قصوى، بل تحمّل مسؤولية تاريخية عبر التوافق الصريح والواضح على مبدأ الضمانات المشروطة، وإعلان هذا التوافق بضمانات دولية في توقيت متزامن مع مفاوضات العسكريين. فذلك وحده كفيل بكسر حاجز الخوف من الانتقام، وسحب الذريعة من أيدي دعاة الحرب، وتسريع الوصول إلى الهدنة ووقف إطلاق النار.

أما الإصرار على إدارة الخلافات المدنية وكأنها شأن داخلي معزول عن الحرب، فهو في حقيقته مشاركة غير مباشرة في استمرارها، ولن يغفره التاريخ، ولا ضحايا هذا النزيف الطويل.

توسيع الضمانات المشروطة لتشمل طرفي الحرب

على الرغم من تركيز هذا المقال على الضمانات المشروطة الموجهة لقيادة الجيش، باعتبار أن تحرير المؤسسة العسكرية من هيمنة الإسلاميين يمثل مدخلاً أساسياً لإنهاء الحرب، فإن الاتساق الاستراتيجي يقتضي الإقرار بأن أي إطار ضمانات فعّال لا بد أن يخاطب، في جوهره، مخاوف جانبي الصراع معاً، بما في ذلك جنرالات قوات الدعم السريع. ولا يعني ذلك مساواة أخلاقية بين الطرفين، ولا تبريراً للجرائم المرتكبة، ولا تفويضاً سياسياً لأي منهما، وإنما إقرار بحقيقة موضوعية مفادها أن الخوف من العقاب الوجودي بعد الحرب هو أحد المحركات الأساسية لاستمرار القتال من الجانبين. فالضمانات المشروطة التي تُفهم بوصفها انتقائية أو أحادية، لن تؤدي إلا إلى تصلب المواقف، وتعميق التمترس الميداني، وتحفيز نزعات التقسيم كوسيلة للهروب من المساءلة.

وعليه، فإن الضمانات المنشودة يجب أن تكون متوازنة من حيث المبدأ، ومشروطة من حيث التطبيق؛ مرتبطة بوقف إطلاق النار القابل للتحقق، والخروج الكامل من السياسة والاقتصاد، والالتزام الصريح بدمج القوات في جيش وطني واحد، والتعاون مع آليات العدالة الانتقالية. فبهذا فقط يمكن للضمانات أن تتحول من أداة لإدارة الخوف إلى وسيلة لإنهاء الحرب، دون مكافأة مشعليها أو طي صفحة الجرائم بلا حساب.

خاتمة: خيار السودان الأخير

السودان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:

  • تفكيك تحالف الخوف بين الإسلاميين وقيادة الجيش عبر الضمانات المشروطة للجنرالات والحاضنة المدنية البديلة،
  • أو الانزلاق البطيء نحو التقسيم، بلا دولة، وبلا عدالة، وبلا مستقبل.

إن الحكمة السياسية اليوم لا تعني نسيان الجرائم، بل إدارة العدالة بعقل الدولة لا بغريزة الانتقام. فطمأنة الجنرالات ليست خيانة للضحايا، بل قد تكون الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من ذويهم وما بقي من السودان.

melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟ فِي خَطَلِ مُصْطَلَحِ ”تَأسِيْسِ“ السُوْدِانِ وَإشْكَالِيَّةِ مَحْوِ التَارِيْخ فِي خِطَابِ السِلَاحِ Against …