بقلم: لوال كوال لوال
في قلب مدينة آبيي، خلال الفترة الممتدة من عام 1986 إلى 2005م، واجه التعليم أصعب الظروف التي يمكن أن تمر بها أي مدينة او منطقة ابيي في العالم. كانت الشوارع محاطة بالخنادق والذخيرة تحاصر السكان صباحًا ومساءً، وكان صوت الرصاص يختلط بأصوات الحياة اليومية، ومع ذلك، وقف مجموعة من المعلمين الشجعان، حاملين مشاعل العلم والطباشير، متحدين الخطر ومستمرين في أداء رسالتهم النبيلة بل عاد البعض منهم من مناطق آمنة إلى أبيي للمساهمة في التدريس. لم يكن ما يقومون به مجرد تدريس للتلاميذ والتلميذات، بل كان بناءً للأمل في نفوس الأجيال، وغرسًا لقيم الصبر والمثابرة، ومثالًا حيًا على أن العلم يمكن أن يصمد أمام كل أشكال الظلام والحرب. لقد كانوا يدرّسون في ظروف لا يحلم بها أي معلم في مكان آخر، حيث كانت المدارس أحيانًا مجرد غرف صغيرة متهالكة مصنوعة من القاش او وراكيب قطاطي، وبعضها محاصر بالنيران والرصاص. لكنهم لم يسمحوا لهذه الظروف أن توقفهم، فقد كانت رؤيتهم واضحة، وهي أن المعرفة أعظم من أي خطر، وأن مسؤوليتهم تجاه التلاميذ والتلميذات لا تقل عن مسؤولية أي إنسان صابر يتحمل المسؤولية في البقاء في ابيي من اجل إثبات الذات ان الأرض ارض ابيي. كانوا يصلون إلى مدارسهم رغم صوت الرعب والخوف والراجمات، أحيانًا على مسافات طويلة، محمّلين بالكتب والدفاتر، حاملين شغفًا لا ينطفئ لتعليم الأطفال والشباب، رغم الخوف الذي كان يسيطر على كل زاوية من المدينة. ومن بين هؤلاء المعلمين الذين ضحوا بحياتهم من أجل العلم والشباب، نجد أسماءً ستظل محفورة في ذاكرة آبيي إلى الأبد، فقد استشهد الأستاذ داو منتوج منتوج، الذي لم يتوقف عن التدريس حتى اللحظات الأخيرة من حياته، تاركًا وراءه فراغًا لا يمكن أن يملأه أحد في قلوب طلابه ومجتمعه وقد ذبح بواسطة احد أفراد الجيش السوداني عام 2008م . كما فقد المجتمع الأستاذ ألور دينق كوال المعروف بـ”ألور مولانا”، الذي كان مثالاً للصمود والشجاعة وهو متدين واستشهد وهو في طريقه إلى مدينة الدلنج عام 2009 وبالتحديد منطقة الخرسانة بولاية غرب كردفان عندما تهجم عليهم أشخاص يرتدون زي الجيش السوداني واستشهد هو يدافع عن ركاب السيارة التي كانوا على متنه. والأستاذ بونق منيل راو الذي بذل كل جهده لتعليم أبنائنا، ولم يخف من المخاطر التي كانت تحيط بالمدينة، فقد دفع حياته ثمناً لإيمانه بأن التعليم رسالة لا تنتهي بالتحديات. والأستاذ رينق داو مكير الذي استشهد عام 2022 داخل مدرسة كمبوني ببلدة اقوك علي يد مهاجمين من مقاطعة تويج وهؤلاء الشهداء لم يكونوا وحدهم، بل كان هناك آخرون كثيرون قدموا أرواحهم أو رحلوا عن دنيانا، تاركين إرثًا تعليميًا حيًا ما زال يضيء طريق الأجيال الجديدة. ولم تقتصر تضحيات المعلمين على حياتهم الشخصية فقط، بل امتدت إلى مجتمعاتهم، فالأثر الذي تركوه واضح اليوم في مختلف المجالات، فالكثير منهم أصبح مسؤولين في الدولة، منهم من وصل إلى منصب وزير، ومنهم العديد من الخريجين الجامعيين الذين يواصلون خدمة المجتمع والمساهمة في تنميته. هؤلاء الخريجون هم شهادة حية على عطاء معلميهم وتضحياتهم، فهم يحملون في كل خطوة قيم الصبر والاجتهاد والالتزام، وهي القيم التي غرست فيهم منذ نعومة أظافرهم على يد أساتذة لم يعرفوا الاستسلام. لقد تحوّلت مجمع مدارس آبيي في تلك الفترة إلى أماكن أكثر من مجرد تعليم، فقد كانت حجرات الصفوف مسرحًا للصمود، وأحيانًا معسكرات صغيرة للتعلم وسط الحرب. كان الطلاب يجلسون على مقاعد خشبية متهالكة والآخرين يفترشون الأرض، بينما يحاول المعلمون تقديم دروسهم في جو من الخوف والتوتر، ومع ذلك لم تتوقف العملية التعليمية وقد اجبر البعض منهم على صيد الضفادع عام 1993م. قصص المعلمين كانت تتردد في المدينة بأسرها، فمنهم من كان يدرس تحت أصوات الرصاص ويصر على إنهاء الدروس اليومية، ومنهم من كان يقطع مسافة سيرًا على الأقدام لتوصيل الكتب والدفاتر إلى طلابه، لأن معرفة الطلاب كانت بالنسبة لهم أغلى من حياتهم. وحتى بعد استشهاد بعض المعلمين ورحيل آخرين، ظل إرثهم التعليمي حيًا. لقد أثروا المجتمع بشكل لم يقتصر على الداخل التعليمي، بل شمل كل جوانب الحياة، حيث ساعد تعليم الطلاب في خلق جيل قادر على الحوار واتخاذ القرارات الصائبة والمشاركة في بناء مدينتهم بعد الحرب. والمراكز التعليمية اليوم في آبيي مليئة بخريجي تلك الحقبة، الذين يواصلون نشر قيم المعرفة والاجتهاد التي غرستها تضحيات المعلمين. إن قصة معلمي آبيي تعلم الأجيال أن التعليم رسالة تتطلب الشجاعة والإخلاص، وأن المعلم هو قلب المجتمع النابض الذي يضيء طريق المستقبل. تكريم المعلمين ليس واجبًا رمزيًا فقط، بل ضرورة لضمان استمرار قيم التضحية والعطاء في نفوس الطلاب والقادة المستقبليين. كل جيل جديد يتعلم من هذا الإرث أن الصمود أمام الظروف الصعبة والإيمان بقيمة العلم والمعرفة قادر على تغيير مصير مجتمع بأكمله. لقد صنع المعلمون من حجرات الصفوف أماكن أمل ونور، ومن دروسهم جذورًا تنمو في عقول الأجيال لتزهر مستقبلًا أفضل. إن تضحياتهم، سواء من استشهد منهم مثل داو منتوج منتوج، ألور دينق كوال (ألور مولانا)، بونق منيل راو، رينق داو مكير أو غيرهم ممن رحلوا، تشكل شهادة حية على أن العلم قادر على مواجهة العنف والظلام، وأن المعلم الحقيقي هو من يصنع الأمل ويضيء الطريق للأجيال القادمة، مهما كانت الظروف صعبة ومهما كانت التضحيات كبيرة. إن تضحيات معلمي آبيي ليست مجرد ذكرى عابرة، بل إرث حي ينبض في نفوس الأجيال، ويستمر في تشكيل عقولهم ومستقبلهم. فكل نجاح يُحقق اليوم، وكل خريج قادر على مواجهة تحديات الحياة، يحمل بصمة معلمٍ صمد في وجه الخطر وأضاء طريق العلم في أحلك الظروف. إن تكريم هؤلاء المعلمين والاعتراف بشجاعتهم وإخلاصهم واجب وطني وإنساني، لأنه يكرم من قدموا أرواحهم ووقتهم من أجل أن يرى وطنهم أجيالًا متعلمة ومجتمعًا متقدمًا، رغم كل ما مرت به المدينة من محن. قصتهم هي شهادة حية على أن العلم قادر على مواجهة الظلام، وأن المعلم هو قلب المجتمع النابض، الذي يمنح الأمل ويصنع المستقبل، مهما كانت الظروف صعبة، ومهما كانت التضحيات كبيرة. إن تضحيات المعلمين في آبيي، سواء بالاستشهاد أو بالرحيل، لم تذهب سدى، بل صاغت إرثًا خالدًا من المعرفة والتضحية، وإلهامًا للأجيال القادمة للاستمرار في مسيرة البناء والتعلم، لتظل مشاعل العلم مضيئة في كل زاوية من هذه المنطقة العزيزة ابيي
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم