الطبخ بلا تصريح – حين يصبح العدس خطراً على الأمن القومي!

زهير عثمان

في الوقت اللي جماعة الكراسي شغالين فيهو دعاية اعلامية ضخمة جدا وفيديوهات عن العودة لحضن الوطن ووعود الاستقرار البراقة، الخرطوم قاعدة تقرأ من كتاب تاني خالص، عنوانه كيف تموت بكرامة في بيتك.. لو لقيت البيت أصلاً
رمضان السنة دي في السودان ما مجرد شهر عبادة، ده “امتحان قدرات” للبقاء: كم يوم بتقدر تصمد بدون أكل، وبدون كهرباء، وبدون موية، والأهم من ده كله.. بدون ما يقتحم بيتك “فصيل مسلح” يسألك عن تصريح إطعام الجياع!
أكذوبة العودة الميمونة
المنابر بتقول لينا ارجعوا.. الوطن بيناديكم، والشوارع بترد بطوابير شاحبة تحت شمس بتغلي غليان رهيب و السلطة بتعزم فينا للعودة، كأنهم عازمننا لرحلة سياحية، وناسين إنك ح ترجع تلقى بيتك هيكل عظمي والحيطان زاتها ما في وانت امكسورة الخاطر و الكهرباء بقت أسطورة بنحكيها للأحفاد زي قصص فاطمة السمحة ، والموية بقت ضيف غريب بيجينا مرة في الأسبوع زيارة قصيرة” وبيمشي
مشاهد من أزقة الوجع في بحري وأم درمان
لو مشيت شوارع بحري القديمة، المليانة بذكريات الرصة واللمة، حتلقى البيوت فاتحة أبوابها لكن المطابخ طافية والناس واقفين في الزقاقات الضيقة، عيونهم مكسورة وهم بيشوفوا حلة الملاح اللي بقت حلم بعيد وكمان وفي أم درمان، وتحديداً في حتات زي أمبدة ، المشهد بيبكي الحجر؛ مئات الأمهات واقفات من صلاة الصبح شايلات كبابي وبستلات فاضية، وراجيات معجزة تحصل عشان يرجعوا لعيالهم بلقمة تسكت صراخ الجوع وقت المغرب وهي دي ما حياة، ده صراع يومي ضد الفناء وسط أنقاض ذكرياتنا الجميلة
التكايا آخر خنادق الكرامة
تخيلوا، أكثر من 40% من التكايا (المطابخ الخيرية) قفلت أبوابها، وما عشان الخير كمل، لا.. عشان الخير زاتو بقى ممنوع إلا بإذن أمني! وصلنا لمرحلة من العبث ما حصلت قبل كدة؛ المتطوعين في التكايا بقوا مطلوبين أمنياً ، وأي زول يحاول يبل ريق جائع ممكن يتحبس و الشباب السادين ثغرة الفشل الحكومي بقوا مجرمين ، والجعان بيموت عشان الأمن القومي ما يتضرر! تخيل المنظر و زول واقف يطبخ في حلة عدس لناس صايمة، وفجأة يوقفوهو يسألوه وين تصريحك؟ , دي ما سادية بس، دي تافه مقننة على قلب شعب صابر
نرجع وين؟ ولشنو؟
البيضة الواحدة سعرها بقى فوق ميزانية دولة، والجنيه السوداني بقى منبطح تحت رجلين الدولار زي جثة ما لاقية اللي يواريها الزيت، العدس، السكر.. دي بقت أحلام بعيدة، والناس بقت تقاوم العدم بالصبر المر , والمأساة دي لافة السودان كله؛ من شرق النيل لأمبدة، ومن الشمال للجنوب.. الجوع الصامت بقى هو اللغة الرسمية كل شيء لمعركة الكرامة وللبلد
التعايش مع “الموت بالتقسيط”
التحدي الحقيقي الليلة ما بس إنك تهرب من الدانات والرصاص، التحدي الأكبر إنك تتعايش مع ذل الطابور تحت شمس 40 درجة، وترجع في النهاية بوعاء فاضي لأن التكية اتقفلت بأمر سيادي و إحساس المهانة ده ما بيتوصف، والكسرة في عيون الكبار والأطفال بتهز جبال، لكنها ما هزت ضمير زول في السلطة المكنكشة وخت كراسيها فوق جثث الجياع

رسالة أخيرة
دعوات العودة بدون رغيفة، وبدون كباية موية نظيفة، ما هي إلا شرك جبايات كبيريا ناس و عشان الناس تموت جوة بيوتها بالسكيت بدل ما تموت في المنافي
و كرامة السوداني الليلة معلقة في طوابير التكايا، ولو إطعام الجائع بقى جريمة، يبقى الشعب ده كله مدان و يا جماعة، خلوا الناس تأكل بسلام قبل ما طوابير الإفطار دي تتحول من طوابير جوع لـطوابير غضب وثورة تاني ، ووكتها ما في تصريح أمني حيقدر يقيف قدامها.

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

الرواية التاريخية السودانية- من “تلميع” الماضي إلى “مشرط” المساءلة وين نحن

زهير عثمان هو التاريخ دا حق منو؟التاريخ في السودان عمره ما كان مجرد حكاوي قديمة …