تفريغ صوتي وتحرير: الوليد محمد الأمين
هذه الكتابة هي تفريغ صوتي مع بعض التحرير للقاء أو ندوة مع الطيب صالح في مسقط بسلطنة عمان. كان ذلك بحسب ما هو مكتوب على تسجيل المقابلة في 15/2/1993م. الندوة متوفرة على اليوتيوب تحت اسم “أثر الغربة في الأدب”، واسم القناة @culturaloman
https://youtu.be/Yfp6rTyExqg?si=POb5hAMA-_qNYiaO .
ولكن التسجيل سيء إلى حد كبير، صورة وصوتا.
قمت بحذف الأسئلة لطولها ولخروجها عن الموضوع أحيانا، واكتفيت بإيراد حديث الطيب صالح.
بسم الله الرحمن الرحيم. أحمدك ربي وأستعين بك، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نستقبل شهر رمضان المبارك المقبل علينا في الأسبوع المقبل بهذا الملتقى الثقافي المتميز، فكأننا نستقبله بهذه الروح الطيبة في مواصلة الحوار واللقاء في مثل هذه الساعة. فباسمكم جميعاً أيها الأخوة الحضور، وباسم النادي الثقافي، سعادة الرئيس التنفيذي للنادي وأعضاء مجلس الإدارة، والعاملين فيه، باسمكم جميعا، أحيي وأرحب بأستاذنا، الأستاذ الطيب صالح. وغني عن التعريف به. فهذا الجمع المتميز هو تعريفه كما أراد ربما. وكحالي دائما في تقديمي المتواضع الذي وجدت نفسي مفروضا عليكم فيه أن أكون في هذه المنصة، لا لأنني أحب هذا، أو أنني مهيأ، ولكن لأن بعض الإخوان الذين هم إن لم يكونوا أقدر مني، فربما يتحاشون الجلوس هنا، وربما الخطأ في شيء من هذه الوقفة.
أستاذنا كما قلت غني عن التعريف، فأنتم تعرفونه أكثر مني، وتقدرون أدبه المعروف لديكم واسهاماته في الأدب العربي وفي الثقافة العربية، في كل مجال عمل فيه أو في كل كتاب أو كتابة ساهم فيها في الثقافة العربية. وإذا شئنا أن نذكر فقط رحلة واحدة فهي الرحلة إلى الشمال. ودائما أقول إن مجموعةً، وربما هذا رأي شخصي حتى لا يأخذه عليّ، أن كثيرا من أدبائنا ومفكرينا يتجهون بالرحلة إلى الشمال، والشمال الغربي، دونما التوجه إلى الشرق أو الجنوب، والجاذبية كبيرة والرسائل، (وهكذا). فلا غرو أن تكون الرحلة إلى الشمال. ومادامت الرحلة إلى الشمال أو إلى الجنوب أو إلى الشرق أو الغرب، فالغربة أكيدة ولازمة. وكما قال أحد الزملاء ونحن نتجاذب الحديث إن الغربة لدى العمانيون لها واقع وهاجس، فلقد اعتادوا الغربة، سواء في داخل أقطارهم، أو في داخل مناطق السلطنة أو خارجها، وأقصد التنقل والرحلة عندما كانت وسائل الاتصال ووسائل الانتقال غير وسائلنا المعاصرة. لذلك فأستاذنا ومحاضرنا لهذه الليلة وهذه الأمسية المتميزة سيتناول أثر الغربة في الأدب، ولم يحددها بالأدب العربي بصفة خاصة، بل قال: في الأدب، وما أتوقعه أن تكون ذات عمومية، (أي) أن تكون المحاضرة ذات عمومية في الغربة واثرها، فلا تتركوني أكون فضوليا بأن استبق، بل أقول نتركه يقدم لنا هذه الغربة وآثارها ثم نتجاذب الحوار والنقاش، فاسمحوا لي، وليسمح لي أستاذنا الكبير بهذا التقديم المتواضع، فليتفضل مشكورا بإلقاء محاضرته.

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أولا أشكر سعادتك على كلماتك الطيبة، وأشكركم أنكم أعدتم إلى أبي مكانته التي (فقدها). لأنني أنا منذ عملي في هيئة الإذاعة البريطانية قاموا (بحذف اسمه)، (وذلك) لأن إخواننا الشُوّام، وأظن أشقاءنا المصريين (كذلك)، يحبون الاسمين، (و) لا يحبون الثلاثة، فقالوا إن “الطيب محمد صالح” كثير، فأسقطوا اسم أبي. أنا أشكركم جدا أنني وجدت أبي عندكم. ولعلي لو جئتكم أكثر لوجدت أكثر.
أنا طبعا أشكر النادي الثقافي في مسقط لهذه الدعوة الكريمة، وخاصة الأخ محمد الشَنفري الذي اجتهد اجتهادا كبيرا، ببعض التذكير أحيانا من أخي الحبيب الدكتور حسن أبشر الطيب، فهيأ لي هذه الفرصة لزيارة هذه البلد، التي في واقع الأمر أنا أحببتها منذ زرتها في البداية. والأماكن مثل الناس، تحبهم مرات من أول نظرة ومرات من ثالث مرة، ومرات لا يحدث هذا الحب. وأنا أحببت هذا المكان من أول نظرة، ولا أريد أن أفسر الحب، لأنهم قالوا فيما قالوا: إن الحب لا يفسر. ثم أود أن أنذركم: إن هذه ليست محاضرة. أنا دائما أقول إنني لا أحسن المحاضرات، لأن هذا شغل إخواننا الأكاديميين، والنقاد، والأساتذة الكبار. نحن ناس دراويش على باب الله، نكتب شوية روايات. والكاتب الروائي بالذات لو ترك وشأنه لما تكلم. يقول شوية أفكار على الورق وينتهي الأمر. ولكن في هذا العصر، عصر الاتصالات والصحف، والتلفزيونات وكذا – وهذا خير، لابد للإنسان أن يدعم ذلك بقليل كلام. فهذه ليست محاضرة ولكنها خواطر، في موضوع كبير جدا؛ موضوع الغربة.
وهناك بعض الإخوان لعلهم يتوقعون مني أن أقص عليهم قصة غربتي أنا شخصيا، وما عانيت من آلام ومعاناة، وهذه قصة طويلة. هذه قصة لن أرويها لأنني يعني ألُمها لكي أكتبها في الروايات، وإلا لو قلت لكم كل شيء في هذه الليلة فلن يبقى ما نكتب عنه الروايات. ولذلك أنا سوف أكتفي بأن ألمس الموضوع من السطح. سوف، يعني، أخربش الموضوع خربشة. وأترك لكم فيما بعد، إن شاء الله، بعد هذه المقدمة- أنا اسميها مقدمة وليست محاضرة، أن تعرِّفوا وأن تسألوا، ولعلنا نفهم قليلا عن حكاية الغربة هذه.
أولاً أبدأ بالشعر، ليش؟ لأنني أنا شخصيا أحب الشعر جدا، وأحبه وأرويه وأتمثل به. ثم أنه لا يوجد شعر كشعر العرب، خصوصا في قضايا الحنين والشوق والغربة. والشعر طبعا كما يقولون هو أسمى أداة للتعبير. وأحيانا في البيت الواحد أو البيتين، الشاعر لعله يلخص ما يحاول الكاتب الروائي أن يعبر عنه في، ربما، 300 صفحة. ثم أنا أستأنس بالشعر في مثل هذا الموقف. هذا الموقف ما هو هيّن يعني، فأنا أجلس أمامكم الآن وفي واقع الأمر أنا لا أمتاز بأي حكمة عن أي واحد فيكم، ولكن صادف أن أقعدتموني على هذه المنصة. والجلوس على المنصات بالمناسبة ليس ميزة دائما، يعني فيه مشاكل أيضا. فالناس قد يتوقعون مني حكمة لا أملكها، ولذلك رهبة. وأظنه عبد الملك بن مروان رحمه الله هو الذي قال: شيّبني صعود المنابر. وأنا أحمد الله أنني لا أصعد المنابر إلا قليلا. بل لعلي لم أصعد منبرا أبدا، يعني قعدت على ترابيزات مثل هذه. وإذا لم يُسأ فهم كلامي؛ أقول إن أخونا العزيز الدكتور حسن الترابي في السودان، لابد أن صعود المنابر قد شيبه، وربنا يستر عليه مما هو أسوأ من الشيب يعني. لأن هؤلاء ناس عندهم شيء، وعندهم خطط للمستقبل، وعندهم برامج. أنا ما عندي شيء. أنا على باب الله كما ترون. وليش أنا أريد أن أعبر عن خطرات وليس أي محاولة للبحث أو للتقييم أو إعطاءكم أي صورة عميقة عن الاغتراب؟ لأن هذا عمل النقاد والأكاديميين. الأكاديميون ناس على الرأس والعين، وأنا أحبهم وأجلهم وأمازحهم دائما، هم كلهم ناس يعني تعبوا ودرسوا. والواحد فيهم يأخذ موضوعا كهذا ويمكنه أن يتبع منهجا ويمنحك فيه أبعادا وأعماقا، وكذا. والنقاد قريبون من ذلك. إذاً الكاتب الروائي والشاعر، ماذا يفعل؟ كل ما يستطيع أن يفعله هو أن يعبر عما يجول بخاطره. ولو أنني أسارع فأقول إن هذا لا يعني بأن الكاتب الروائي والشاعر، يعني، (هو) غشيم، لأنه لا يدري مرامي ما يفعله. ولكنه لا يدري بالطريقة التي يذهب إليها الأكاديميون والنقاد.
أنا أتصور وأقول دائما بأنني حين أدخل أي عمل روائي فإنه تكون لدي بعض أفكار. ولكنني أدخل كمن يسافر على غير هدى. ولا أدخل بكثير من البلبلة والحيرة، ثم بعدها كما يسافر الملاح؛ إذا اكتشف جزيرة هنا، لقي ناساً، (أو) وجهاً للحياة يلفت النظر هناك، أُحدِّث به قومي. (وإذا) ما لقيت شيئا، أنقل إليهم بلبلتي وحيرتي. فأرجو أن تستمعوا إلى ما أقول بهذه الروح.
طيب قلنا نبدأ بالشعر. هذه الأبيات، أنتم كلكم عارفون بها طبعا، لأنها أبيات شهيرة في الشعر العربي، تعجبني جدا. وهي أبيات مؤثرة، بل هي- أنا أراها، مثل دموع. فمنذ أن ذرفها الشاعر، الله أعلم، ربما قبل ألف سنة وقليل، ما زالت تسيل على خدود الأدب العربي. وهي لشاعر من بني حنيفة أنا نسيت اسمه، يقول فيها:
أَلا هَل إِلى شَمِّ الخُزامى وَنَظرَةٍ
إِلى قَرقَري قَبلَ المَماتِ سَبيلُ
فَأَشرَبَ مِن ماءِ الحُجَيلاءِ شَربَةٍ
يُداوي بِها قَبلَ المَماتِ عَليلُ
فَيا أَثَلاتِ القاعِ قلبي موكل بكن
وَجَدوى خَيرِكُنَّ قَليلُ
إلى أن يقول:
أريد اِنحِداراً نَحوَها فَيَصدني
وَيَمنَعُني دَينٌ عَلَيَّ ثَقيلُ
وهي أبيات جميلة جدا. بعض الرواة قالوا إن عبد الملك بن مروان، وهذا الرجل كان من الملوك العلماء الفقهاء المحبين للشعر، قالوا، لما سمع هذه الأبيات بكى وأرسل إلى الشاعر- وكان أظنه بالعراق- ما يحل به دينه ويعود إلى أهله. وتقول الرواية إن الرسول وجده قد مات. فهذا يزيد في شجو هذه الأبيات. طبعا سبب الاغتراب هنا واضح. ويمكن (أن يكون) السبب هو أن الرجل (ذهب) يطلب رغد العيش كما يحدث كثيرا، أن الناس تنتقل من بلد إلى آخر طلبا لأحوال أحسن للعيش. لكن (الأمر) المهم أنه قال هذه الأبيات، وجائز (أن) تكون هذه الأبيات هي الأبيات الوحيدة التي قالها. فبمعنى آخر أنه – كما ما يقولون هذه الأيام – أنه بلور تجربته الحياتية في هذا الشعر الذي بقي. الرجل ذهب وقد نعرف اسمه وقد لا نعرفه (1)، لكن بقي لنا هذا الشعر الجميل. نحن كمستمعون وقراء استفدنا من غربة هذا المسكين، ولكن هو ماذا استفاد؟ هذا سؤال أتركه لكم.
الشاعر السوداني اغترب لسبب قريب من هذا. وأرجو أن تكون الكلمات واضحة. أظن أنه لا صعوبة فيها لتفهموها. يقول:
الولد، الولد عندنا الفتى، (وذلك) كما يقولون غلام. قالت ليلى الأخيلية في مدح الحجاج: غلامٌ إذا هزّ القناةَ ثناها. فهذا قال:
الولد البيدور يتشكر
يبعد ردو في بلد العدو ويتوكر
إماً جاب رِضوة البهم اللهيجه مسكر
وإما اب رسوة فوق ضلّاعُه تيتل وسكّر (2)
البهم اللِهيجُه مسكّر، البنت التي يحبها، وذهب اغترب لأنه يريد أن يحضر لها ما يرضيها. ولعله أحبها كما أحب عنتر عبلة، ولكن أهلها قالوا له والله نريد كيت كيت وكيت، فالرجل ذهب يريد جلب رضوة هذا الغزال. وبالمناسبة، البهم، استعمال البهم، في الشعر العربي الفصيح موجودة، مها، تجدها عند ذي الرمة وغيره. (أي) تشبيه الفتاة الجميلة بالبهم، صغار الظباء. اللهيجه مسكر يعني كلامه حلو زي السكر. إما فعل ذلك وإما يموت في الفلاة، والصقر، الهُو أب رسوة، يقفز ويثب على جثته، فهنا الحكاية فيها شيء من المأساوية.
أمرؤ القيس الذي لعله شيخ المغتربين أو المهاجرين، إذا صح القول- الأيام تلك من حسن حظ أمرؤ القيس ما كان هناك حدود وجوازات وأشياء مثل ذلك. وأبياته معروفة، الأبيات الشهيرة، لما قال:
بَكى صاحِبي لَمّا رَأى الدَربَ دونه
وَأَيقَنَ أَنّا لاحِقانَ بِقَيصَرا
فَقُلتُ لَهُ لا تَبكِ عَينَكَ إِنَّما
نُحاوِلُ مُلكاً أَو نَموتُ فَنُعذَرا
الدرب، اختلف الناس فيها. ناسٌ قالوا موضع، وناسٌ قالوا هي الحدود الفاصلة بين بلاد العرب وبلاد الروم. ومهما كان، فالقضية هنا فيها معنى معاصر لو فكرنا في هذا الشعر. وذلك كحال الناس وقتنا هذا، ينزحون لأمريكا ويذهبون إلى استراليا، فالواحد (منهم) أول ما يعبر ربما سمائه أو سماء بلاد العرب ويدخل في متاهاتٍ في مجاهل هذا العالم الغربي الغريب، إذا لم يبك حقيقة؛ (فإنه) يبكِ مجازا. أبو نواس قال شيئا من هذا، لما قال في قصيدته الشهيرة التي يمدح فيها خصيب مصر، أَجارَةَ بَيتَينا أَبوكِ غَيورُ، قال:
تَقولُ الَّتي عَن بَيتِها خَفَّ محملي، وما أبلغ هذا التعبير، لأنه بمجرد أنه قال خف محملي، فهو ليس لديه شيء. الحمل خفيف. ما قال تحرك محملي، أو قامت قافلتي، لا: خف محملي.
حرام عَلَينا أَن نَراكَ تَسيرُ
أَما دونَ مِصرٍ لِلغِنى مُتَطَلَّبٌ
بَلى إِنَّ أَسبابَ الغِنى لَكَثيرُ
دعيني أُكَثِّر حاسِديكِ بِرِحلَةٍ
إِلى بَلَدٍ فيهِ الخَصيبُ أَميرُ
هنا ايضاً السبب واضح في الغربة، ولكن دائما نتذكر أن هذا شاعر.
هناك شاعر سوداني وصف قضية الغربة هذه. تغرب هو أيضاً طلبا للرزق داخل السودان يعني. في الغالب أنه هاجر من شمال السودان إلى الوسط، إلى أرض الجزيرة، جائز. فقال:
يا طير إن مشيت سلَِم على الأُمّات
وقول ليهن وِليدكِن – تصغير ولد- في الحياة وما مات. (في) الحياة عائشون، إذا (كانت) الحكاية عيشة، (فنحن) عائشون!
الدار عيّشت – يعني حصدها، يعني حصد العيش، الذي هو جائز (أنه) ذرة.
قال: الدار عيّشت جابت تلات سلقات – والسلقة هذه صغيرة هكذا. هذا كل ما حصل عليه
والمرة – زوجته – حلّقت -مرضت
وجملي البسافر مات
فالموضوع هنا خرب عليه تماما من جميع الوجوه. ولكن هناك ربما عذوبة، وهناك خفة دم في أنه صور حاله بهذه الطريقة، وأرجو أن حاله ما كان بهذا السوء.
نلاحظ طبعا أن هؤلاء كلهم شعراء، يعني هؤلاء ليسوا ناسا عاديين. هناك مئات الالاف، ملايين الناس يغتربون ويعانون، وما يقولون شيئا. ربما يكتبون جوابات لأهلهم يبثونهم أشواقهم. لكن هؤلاء شعراء، بمعنى أن التجربة كانت عبارة عن وقود لفنهم، وإلا ما كان وصلنا الشعر هذا، يعني بعض هذا الشعر ما نعرف من قاله. الشاعر السوداني هذا (مثلا)، الأبيات هذه مشهورة في السودان، لكن لا أحد يعرف من قالها. فهنا الغربة في المكان كما يتراءى لي، وتذكروا أن هذه خواطر ولا أكثر من ذلك، مرتبطة بغربة الفنان أصلا. لماذا؟ لأن الفنان له مزاج مختلف، وربما نتكلم أكثر عن هذا الموضوع. المتنبي أشار إلى الغربة في الزمان وفي المكان في أبياته الشهيرة:
ما مُقامي بِأَرضِ نَخلَةَ إِلّا
كَمُقامِ المَسيحِ بَينَ اليَهودِ
أنا في أُمةٍ – وربما الترتيب معكوس-
أنا في أمة تداركها الله
غريبٌ كصالح في ثمود
فهنا غربة المكان تلتقي بغربة الزمان بغربة الروح. وسنجد بعد ذلك أن المتنبي لديه غربة أكبر من هذا كله.
الآن وأظنه قد مضى عليّ نحو، يا ربي، ربع ساعة، أستأذنكم لأفعل شيئا أرجو أن تقر له أعينكم، لا يحصل كثيرا في مثل هذه الندوات، لكنه يحصل أحيانا. وذلك هو أنني سوف أدعو صديقي وأخي العزيز الدكتور حسن أبشر الطيب، ليأتي ويساهم معنا. الدكتور حسن أبشر الطيب، وأرجو ألا أُخجل تواضعه- حقيقة من الرجال النادرين، لأنه يجمع بين العلم وبين الأدب. فهو أخذ الدكتوراة في الإدارة، ولكنه أيضا أديب وله أسلوب جميل، وقد قام بجهد ضخم في السودان، عجزت عنه ربما وزارة الثقافة، في أنه رعى كثيرين من الشعراء والأدباء، خاصة الشاعر السوداني الضخم محمد المهدي المجذوب. فأنا سوف أطلب منه، وأرجو أن يقبل، أن يحضر في الأول (وأن) يقرأ لنا قصيدة أو اثنتين من شاعر سوداني اسمه محمد المكي إبراهيم، وهو سفير، ثم بعد ذلك في الأواخر يقرأ لنا من المجذوب، فأرجو أن ترحبوا به. وبالمناسبة هذه ليست أوانطة، فلا تفتكروا يعني أنا (أفعل ذلك).
(وهكذا) فأنتم، وكما يقولون، ضربتم عصفورين بحجر. ويا لهما من عصفورين. أنا سأترك المجذوب الان. ربما أرجع له فيما بعد، حتى لا تظنوا بأننا حضرنا لننشر دعاية للسودان. الآن أنا سوف أترك الشعر العربي مؤقتا، وأقول لكم أسماء لبعض الخواجات. بالمناسبة، منذ بضعة أيام كنت في الرياض، في ندوة. ثم، وكما يحدث، ذكرنا- لا أدري، تشارلز ديكنز، أو بروست، أو من لا أذكر بالتحديد، المهم. وبعد انتهاء الكلام قام واحد (من الحضور) فقال لي يا أخي أنت دائما تذكر أسماء الخواجات هؤلاء لأنك أنت مصاب بعقدة الدونية. طيب، ما هو هذا تراث الإنسانية، فماذا نفعل؟ فالاغتراب في المكان واضح جدا أنه أثر على الأدب بشكل أو بآخر، وهناك عند الانجليز كما تعلمون مدرسة الشعراء الرومانسيين، ييتس وشلي وبايرون. الناس هؤلاء كلهم اغتربوا من إنجلترا. وقد يرجعون ويخرجون، ولكن كان لديهم إحساس بعدم الانتماء إلى هذا المكان، والله أعلم إن كان ذلك كان سببا فيما أنتجوه من شعر معترف به في الأدب على أنه شعر مهم وعظيم. وطبعا أنتم تعرفون بأن الجماعة هؤلاء كلهم ماتوا- اللهم ربما عدا ييتس، فشيلي مات غرقانا في إيطاليا وبايرون مات قتيلا يحارب مع اليونان، وهكذا. ثم أنه في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن، لحد الأربعينات، قامت مدرسة من الكتاب الأمريكيين، وكلهم أصبحوا كتابا كبارا، وأطلقوا عليهم- الأمريكان، اسم the lost generation الجيل الضائع، وأنا أظن أنه كل ما صادفنا هذا التعبير، الجيل الضائع، فهذا هو مصدر التسمية. منهم (آرنست) هيمنجواي، ومنهم (فرنسيس) سكوت فيتسجيرالد، ومنهم (جون) دوس باسوس، كلهم كتّاب كبار جدا. هؤلاء كانوا على خلاف وجداني مع وطنهم. وعندما نتكلم قليلا عن بعض الشعراء العرب، هذا الخلاف الوجداني، عدم التناغم هذا، لعله لازم في انتاج الأدب والفن، والله أعلم. نجيء أيضا فنذكر اسم خواجة آخر، وهذا شيخهم كلهم. إذا كان امرؤ القيس هو شيخ المهاجرين أو المغتربين العرب، فهذا هو شيخ المغتربين في هذا الزمان، في القرن العشرين. الهو طبعا جيمس جويس. جيمس جويس الذي كتب يوليسيس- يترجمونها عوليس بالعربية – وكتب Finnegans Wake التي يمكن ترجمتها بالعربية إلى “مأتم فينجين”. وهو كاتب كما تعلمون، إيرلندي. ترك إيرلندا وذهب وطاف في أوروبا. وكتب أهم أعمال روائية- في تقديري المتواضع، وتقدير ناس كتيرين في هذا القرن، وهو أستاذ الأساتيذ، هو يكتب للكتاب. وإلى يومنا هذا، الناس يعيشون على كتاباته، وله قولة شهيرة، جيمس جويس، في ايرلندا وطنه، وكان يحب أيرلندا، ما كان يكرهها، ليس هناك أي كاتب أو شاعر كره وطنه. ولكن لعله دخل في نوع من النفور، علاقة الشد والجذب، لأن الحب الكثير، أتصور، ينتج هذا، فقال جيمس جويس:
Ireland my one and only love
Where God and Caesar are hand in glove!
I shall not serve
الجملة هذه I shall not serve
أصبحت من الجمل الخطيرة في الأدب، وترجمتها، على حسب قدرتي، يقول لها:
يا حبي الأول والأخير يا ايرلندا
حيث الكنيسة – هو طبعا قال God ) الرب أو الإله)، لكن أنا فقط أخاف أن أترجم God هذه!
حيث الكنيسة والقيصر
مثل اليد في القفاز
إنني لن أذعن
وكلمة serve باللغة الإنجليزية كما تعلمون أكبر بكثير من أذعن، فيها معنى أرضخ، وأخدم، وأقبل. فهذا رفض تام من الفنان للسلطة. السلطة (هنا) هو رمز إليها بالكنيسة وبالقيصر، وأنه لا يريد أن يدخل في هذا النطاق. ولكن لا يُنكر بأن جيمس جويس، رغم هذا الرفض المدوي، قد خدم ايرلندا وكوّن لها سمعة بما فعله. وهو كما بدا ظاهريا (كان) كارها لها. وكثيرون مثل جيمس جويس. وله قولة أخرى مشهورة جدا أيضا في الأدب يقول فيها أن الشاعر يلزم له
silence, exile, and cunning
التي هي المنفى والعزلة والمكر. المنفى أكثر من الغربة، معنى ذلك أنه يريد أن يتغرب نهائيا، لا يريد أن يعود إطلاقا. لا يريد أن يعيش على الأرض التي أنجبته، لكن بطبيعة الحال هو يحملها في داخله، كما اتضح من أعماله. الآن يبدو لي (مناسبا أن)، أقول لكم أبيات قليلة جدا قصيدة “الأعشى في واو” للمجذوب، قبل أن أدخل على أبي الطيب المتنبي، الأستاذ. المجذوب في تقديري المتواضع من كبار الشعراء العرب في هذا الزمان، وهذا ليس تحيزا لشاعر سوداني. ذهب (المجذوب) كما قال لكم الأخ حسن، إلى واو، واو في الجنوب، وهو كان محاسبا. عمل محاسبا طول حياته. واشتغل محاسبا حتى في وزارة الإعلام والثقافة تحت سمع وزير الثقافة وبصره، إلى أن توفاه الله. ولولا حقيقةً، لولا أخي حسن أبشر الطيب، جرى ليبني له بيتا، لأنه تقاعد وطردوه من بيت الحكومة، وكان بُويّتا، هوما هو بيت، كان بيوتا أخرجوه منه، ولكن بفضل الأخ حسن أبشر الطيب، قضى (المجذوب) سنواته الأخيرة، على أي حال، في بعض الطمأنينة. هنا يتكلم لما نقلوه للجنوب، وهو أحس بشيء من التعاطف مع انطلاق الحياة في الجنوب بعد تزمت مشائخه في الشمال. وهو ينتمي إلى عائلة دينية كبيرة التي هي عائلة المجاذيب. فقال:
أأندم لم يندم صباح عشقته
شجاعا يرد الموت حيث يكون
أخالط نهر الجور – في الجنوب
يسقي
سألته أيعرض عني إلفه ويكون
تطهرني من حيرة الشك غابة
بها الحب جرح راضع وحنين
ويعصر جمرا من دمي في اشتهائه
طعينا تهاوى طاعن وطعين
تشفين ما أخفاك عري مجسد
- يتكلم عن الجنوب طبعا الناس ماشين عراة-
تشفين ما أخفاك عري مجسد
شجاع طفولي السمات حنون
تعالج شيئا في يديها تلفه
ويفتر ثغر حافل وجبين
تدخن أنفاسا طوالا مريحة
ودخنت أخفى مرة وأبين
أغير ألواني أمانا وخشية
وخلف عيون الكائنات عيون
وجالسنا ظل من الغاب أصفر
وطبل خضيب الساعدين بطين
يضاحك قردا فوق رأسي بكاءها غريبا وحرباء الجنون فنون
القصيدة طويلة، وقصيدة رائعة، لن أطيل عليكم بها. ولكن الآن أدخل قليلا على عالم سيدي وسيدنا جميعا أبي الطيب أحمد بن حسين. أبي الطيب أو أبو الطيب المتنبي، لديه عنده كما قلت تجتمع غربة الزمان بغربة المكان بغربة الوجدان بغربة العبقرية. لأن العبقري قد (يجد نفسه) غريبا لأنه فرد متفرد. والأمثلة على هذه الغربة في شعره كثيرة لا يحصيها العد، مثلا قوله:
يَقولونَ لي ما أَنتَ في كُلِّ بَلدَةٍ
وَما تشتهي، ما أَشتهي جَلَّ أَن يُسمى
وقوله:
وإنـي لنجـم يهتـدي صحـبتي بـه
إذا حـال مـن دون النجـوم سـحاب
غنـي عـن الأوطـان لا يسـتخفني
إلــى بلــد سـافرت عنـه إيـاب
وَعَن ذَمَلانِ العيسِ إِن سامَحَت بِهِ
وَإِلّا فَفي أَكوارِهِنَّ عُقابُ
هذا عالم آخر. هذا خرج عن حدود الزمان والمكان بعبقريته. وقد يخيل لبعض الناس أن هذه دعوى عريضة، ولكنني أنا واحد من الناس أقبل هذه الدعوى العريضة. ولأترك لكم مجالا لتتمون، والناقص كثير، ما أظنني أفدتكم بشيء، أختم بأبيات من المتنبي، فيها طبعا معنى الغربة، ولمجرد المتعة، لأنني أحبها. قال الشاعر، كما كان يسميه أبو العلاء، يقول قال الشاعر، يعني هو الشاعر الوحيد، قال:
مَلومُكُما يَجِلُّ عَنِ المَلامِ
وَوَقعُ فَعالِهِ فَوقَ الكَلامِ
ذَراني وَالفَلاةُ بِلا دَليلٍ
وَوَجهي وَالهَجيرَ بِلا لِثامِ
فَإِنّي أَستَريحُ بِذي وَهَذا
وَأَتعَبُ بِالإِناخَةِ وَالمُقامِ
عُيونُ رَواحِلي إِن حُرتُ عَيني
وَكُلُّ بُغامِ رازِحَةٍ بُغامي
وقَد أَرِدُ المِياهَ بِغَيرِ هادٍ
سِوى عَدّي لَها بَرقَ الغَمامِ
عَجِبتُ لِمَن لَهُ قَدٌّ وَحَدٌّ
وَيَنبو نَبوَةَ القَضِمِ الكَهامِ
وَمَن يَجِدُ الطَريقَ إِلى المَعالي
فَلا ييدع المَطِيَّ بِلا سَنامِ
إلى أن يقول:
أَلا يا لَيتَ شَعرَ يَدي أَتُمسي
تَقلب في قناة أَو زِمامِ
وَهَل أَرمي هَوايَ بِراقِصاتٍ
مُحَلّاةِ المَقاوِدِ بِاللُغامِ
فَرُبَّتَما شَفَيتُ غَليلَ صَدري
بِسَيفٍ أَو قَناةٍ أَو حُسامِ
وَفارَقتُ الحَبيبَ بِلا وَداعٍ
وَوَدَّعتُ البِلادَ بِلا سَلامِ
(أنا) الحقيقة يعني دائما يغمرني هذا الحب من بني قومي أولا، ثم بني قومي العرب ثانيا. لكن السودان مليان بالناس، كثّر (الله) خيره ابننا هذا الذي ظن أنني مثل الأرض التي يمكن أن تستثمر.
أود أن أقول كلمتين، في الحقيقة أنا لم أرد كما قلت لكم أن أوفي الموضوع حقه لأني لا أستطيع، ولأني دائما أريد أن أترك للناس فرصة، ولأنه كما ترون هناك مداخلات مفيدة جدا. وبيت أبي فراس هذا كذلك يروى على طريقة أخرى: بدوت وأهلي حاضرون لأنني أرى أن دارا لستِ من أهلها قفر. هنا الحكاية تصبح قضية حب. كما قال المجنون، أظنه قال ما معناه إذا أنت ذاهبة إلى اليمن- إذا أنت يمانية فأنا يماني معك. وأنا في اعتقادي المتواضع هذه أحسن غربة، هذه أحسن أنواع الغربة. أما غربة الروح، أنا يعني ألمحت إليها. طبعا الشعراء والفنانون كما يقولون، بالضرورة (هم) ناس غرباء الروح، ينبغي أن يكونوا غرباء الروح. وأعتقد أن أبو نؤاس حسن بن هاني، عبّر عن هذا تعبيرا جميلا عن علاقته بالوطن، أنه غريب في هذا الوطن، لما قال:
ألا لا أرى مثلي امترى اليوم في رسم
تغص به عيني وينكره وهمي
أتت صور الأشياء بيني وبينه
فجهلي كلا جهل وعلمي كلا علم
لأنه إذا كان حصل ما يسمى بالانتماء الكامل والقبول الكامل لما هو موجود، فالفن هنا يصبح لا مكان له. الفن في رأيي ينبع من التناقض بين الواقع وبين ما يحسه الفنان. والفنان قد يكون سابقا لزمانه في الرؤيا، كما حصل عندنا في شاعرنا الكبير التجاني يوسف بشير، وحصل للشابي في تونس، وحصل للشعراء الرومانسيين في مصر. فهنا التناقض هذا هو الذي ينتج ويخرج منه الفن. فغربة الروح لا مناص منها لكل من وهب هذه الحساسية الخاصة كثرت أم قلت.
يا أخي أنا أشكرك على كل هذا الثناء الذي كلته لي. صحيحٌ حقيقةً أنني أظن أن الكتابة هي تعويض، بالنسبة لي أنا على أي حال، وأعتقد بالنسبة للكثيرين، هي تعويض عن الفقد، وعن عالم ضائع. ولكن كما ألمحت أنه أصلا في تركيب (هذا) الانسان الذي يسميه اخواننا بالمبدع- وهي كلمة حتى حينه، ما وجدوا لها معادلا مناسبا، لأنهم ترجموها من creative، إذ أنها توحي ضمنيا بالثناء، الواحد يقول أنا مبدع، أنت أبدعت إيش؟ على أي حال الإنتاج الفني، سواء كان شعرا أو نثرا أو مسرح أو رسم، أو أشياء كثيرة، موسيقى، لابد له من حافز. هذا الحافز أنا أظنه، على قدر ما فكرت، ينبع من تناقض في طبيعة هذا الكائن الذي هو الوسيط لهذا الإنتاج، من نوع خاص- التناقض بينه وبين الواقع. المتنبي كما قلت لكم كانت مشكلته كونية لأن عبقريته كانت عبقرية ضخمة، فهو أصلا كان على خلاف مع الكون. ولذلك أنتج هذا الشعر الرائع. أحيانا لعله- فعلا كما ألمح أحد الإخوة، أن الانسان يقيم في بلده مثل المجذوب مثلا، وآخرون، وينتج لأن لديه تناقض أساسي. أنا نسيت لما ضربت الأمثلة أن أشير إلى المدرسة الكبيرة المدرسة اللبنانية في المهجر. مدرسة المهجر. هؤلاء الناس ومنهم جبران طبعا، ميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي- لعلهم ما كانوا ليبدعوا هذا الإبداع لو لم يتغربوا عن بلادهم. فالغربة، (بمعنى) الانتقال الجسدي في المكان، إذا أضيفت إلى هذا التناقض الداخلي أصلا، لعله ينتج شيئا.
(في هذا السؤال عن المرأة في أعمالي وعموما، أقول)، يا إخوان، أنتم دعوتموني إلى بلادكم، ثم بعدها تقولون لي (إن هذا السؤال) لحاجة في نفس يعقوب. المرأة في جهدي المتواضع، كما لا يخفى، لها وضع مميز ووضع كبير جدا. أنا أعتقد (أنني) أشدت بالمرأة إشادة كبيرة. يعني (أنا) أعطيتها أدوارا ضخمة فيما كتبت. مثلا في عرس الزين؛ نعمة هي التي خطبت الرجل، هي التي ذهبت وطلبت الزين. فعكستُ الدور هنا. ثم أنك تجد في موسم الهجرة إلى الشمال، حسنى بنت محمود، أولا رفضت ود الريس، و(ثانيا هي) خطبت الراوي. فهي قامت بعملين إيجابيين. وبلغ إصرارها على قرارها أن الرواية انتهت، أو القصة هذه، انتهت نهاية مريعة، نهاية دموية دامية. في ضو البيت هناك واحدة اسمها فاطمة بنت جبر الدار تزوجت الغريب، رجل غريب عن البلد. فحسب عادات الناس ما كانوا ليزوجوه، لأن أبوها لو اختار؛ ما كان ليقبل. ولذلك محمود، الشيخ محمود، وهو شيخ البلد- الرجل الذي له الكلمة في البلد، ما سأل الأب، (بل) سأل البنت، وقبلت. فهذه سلسلة من نساء عندي كلهن قويات، وكلهن عندهن إرادة واضحة، ويعلمن ماذا يردن. وهذا (الأمر) أنا لم أخترعه، ولم آت به من الهواء، لأنني أنا عشت في شمال السودان، وأعتقد كل إخواننا السودانيين هنا جربوا هذه التجربة؛ كانت أمهاتنا وعماتنا وخالاتنا وأخواتنا مشاركات في الحياة، ما كنّ محجبات قاعدات في البيوت ومخبآت. أبدا، كُنّ عاملات وفيهن الشاعرات، وفيهن الفارسات، وهناك بعضهن أقمن حروبا حتى. فأظن أنني أعطيت المرأة ما تستحق وعكست ما أكن لها من احترام عميق حقيقة.
(أما عن موضوع تقنيات الكتابة)، فيا سيدي أنا لن أطل على موضوع التقنية (في الكتابة) لأن هذا موضوع طويل. وأنا قلت في البداية أن هذه ليست محاضرة، وأنا لن أحاول حتى أن أقدم عرضا شاملا لتأثير الغربة في الأدب وكيف أثرت فيه. أنا كل ما أردت أن أفعله، كما أفعل دائما في واقع الأمر، أن أثير خيال السامع، والحمد لله يبدو أنني نجحت في ذلك، بدليل أن ابننا هذا خرج علينا بنظرة جديدة، أنا لأول مرة أسمع هذا الكلام، أن هناك اتجاه فارسي نحو السودان. هو طبعا هذا كلام يعجب إخواننا الموجودين في الخرطوم الآن. لكن والله أنا لا أعرف من أين جيء بهذا الكلام. نحن في السودان أولا، حقيقة ليس عندنا عقدة اللون. صدقني ليس عندنا أي إحساس بالدونية كما قال صاحبنا هذا. بالعكس، أنا أذكر أول مرة ذهبت إلى إنجلترا، أنا ظننت أننا نحن العرب الوحيدون في الدنيا. ثم بعد ذلك وجدت أُناسا شُقراً وعيونهم خضر ويتكلمون العربية. أي عرب هؤلاء؟ الأخضر كلمة عربية فصيحة بالمناسبة. وكان هناك واحد اسمه الأخضر المخزومي- وعندما يقال المخزومي فهذا معناه أنه من أرستقراطية قريش. قال (هذا الأخضر المخزومي): وأنا الأخضر، وهي تعني الأسود عند العرب. العربي الأسود يسمونه الأخضر، كما نحن (في السودان) نقول، أو الأزرق. والنيل الأزرق هو النيل الأسود في رأيي، لأن هناك أبيض، فهناك أسود. قال (الأخضر المخزومي) (1):
وأنا الأخضر من ينعتني أسود الجلدة في بيت العرب
من يناجزني يناجز ماجدا يملأ الدلو إلى عقد الكرب
الكرب تعني الخشبات التي تعقد للدلو. فنحن حكاية أننا نريد الزواج هذه- أنا شخصيا تزوجت اسكوتلندية ليس لأنها بيضاء، ولكن لأن الولية في حد ذاتها أعجبتني. أنا أفضل اللون الأسمر واللون الأخضر. ثم كونه يقال أن الأبيض هو لون العرب، هذا ليس صحيحا. جميع الألوان هي لون العرب. (أما بخصوص اللون) الأبيض الفاقع هذا، فهناك بعض العرب ربما كانت أمهاتهم روميات وكذا، فيصبحون شديدي البياض، ولذلك تجد في الشعر العربي تأكيد على ذلك: بيض الوجوه كريمة أنسابهم شم الأنوف من الطراز الأول، كما قال حسان (2) في الغساسنة. لكن الغساسنة اختلطوا بالروم. نحن يا سيدي ما عندنا هذه الحكاية، وأنا لا أعلم سودانيا متزوجا من فارسية، الله أعلم ربما يوجد، وذلك ليس لأننا لا نريد أن نتزوج الفرس، (ولكن) لأنهم بعاد ما شفناهم، لو كنا لقيناهم كنا تزوجناهم.
هذا سؤال صعب جدا. إلى أي حد لعب الأدباء والمفكرون العرب دورا في زيادة غربة الإنسان العربي؟ هنا طبعا يمكن للشخص أن يسأل: هل الانسان العربي غريب؟ مغترب؟ شاعر بالغربة؟ ثم بعدها يتساءل، طيب؛ أي نوع من الغربة يحس بها الانسان العربي؟ أنا أسافر كثيرا في بلاد العرب، وأرى أقواما عربية يعيشون في البلاد (العربية)، آكلين شاربين، ما شاء الله، ساكنين. ويبدو عليهم أنهم، على وجه العموم، مرتبطون ببلادهم. (أما ما) في دخائلهم طبعا؛ فهذه الله أعلم بها. لا يُنكر بأن هناك إحساس عام بأن هناك شيء خطأ، شيء ناقص بالنسبة للإنسان العربي. لكن هل هذا الإحساس العام سببه أن الانسان العربي (يعيش) في ظروف تحتم عليه هذا الاضطراب؟ بمعنى ماذا؟ بمعنى أن عليه قهر وكبت و(أن) حياته المعيشية سيئة. هذا قد يحدث. ولكن ليست كل الأحوال متساوية. إذن ما السبب؟ (إذ أنه من) الصحيح (كذلك) أن الواحد يقابل، (و) خصوصا بين المتعلمين، هذا الإحساس. أنا دائما أقول لما أُسأل، أن سبب (ذلك) هو هذا الإحساس بالهزيمة. رغم ما حققه الانسان العربي المعاصر من إنجازات ضخمة في واقع الأمر- يعني إذا تذكرنا فنحن نكاد نكون جميعنا خرجنا من سيطرة الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية. (صحيح) مصر كانت مستقلة، لكن أيضا كانت لحد كبير بمعنى من المعاني داخلة في سيطرة الاستعمار. فخرجنا من هذا، وفي حالات كثيرة كان (ذلك) نتيجة صراع مرير، كما ما حدث في الجزائر وحدث في مصر وحدث في السودان وبلاد أخرى. ثم أنه بعدها كان أمامنا قضايا ضخمة، قضايا التنمية، قضايا التعليم، قضايا محو الأمية، قضايا الصحة. فقبل ما نتحرك ووجهنا بأصعب قضية في التاريخ، وهي قضية إسرائيل. قضية إسرائيل، بمعنى أن قضية اليهود، هي أصعب قضية في التاريخ. لا يوجد انسان قدِر على حلها، فأُلقيت على عاتق الانسان العربي المسكين وهو بالكاد بدأ يحبو. أنا ظن أن ذلك أنتج هذا الإحساس الغامض بالهزيمة. ونحن طبعا نعلم تاريخ الصراع مع إسرائيل، وكله صراع لم يؤد إلى أي نتيجة. أمّا أن المفكر العربي زاد الإحساس بالغربة؛ أظن الإجابة نعم ولا. نعم بمعنى ماذا؟ بمعنى أن المفكر في محاولته لإنتاج وعي بطبيعة الحال سيصل إلى مناطق من الشعور أو اللاشعور، قد ينتج عنها احساس بالقلق وبعدم الرضا. وعدم الرضا هذا مطلوب للتقدم، ولكن أيضا أنا أظن أن الأديب والمفكر العربي لعب دورا ليس بالسهل في، أولاً؛ جَلَب العزاء لبني قومه، و (ثانيا) أنه سار معهم حيثما ساروا. وما أعتقد أنه هو المذنب الوحيد، إذا كان يوجد هذا الإحساس بالغربة.
عن استعمال العامية في الروايات: أولا يا أخي، العامية: أنا تحدثت كثيرا في، أو عن، لماذا أستعمل العامية، وأستعملها بحرص ومقدار. لا يمكن أن يقال بأنني كاتب متحيز للعامية. أنا أقول دائما إن اللغة العربية الفصحى هي لغة التعبير الفكري والأدبي. ولكن لا يُنكر أن العامية في أي بلد عربي فيها مستودع غني من الصور والأحاسيس. وأحيانا، وللغرابة؛ العامية (تكون) أفصح من الفصيح. يعني أنا مثلا لما كنت أعيش في هذه المنطقة في قطر، أول شيء كنت أقرأه (كان) الشعر النبطي، وأجده أفصح كثيرا من الشعر الفصيح- أو كثير من الشعر الفصيح لأكون دقيقا، الذي يكتب في هذه الأيام. يعني أنا الآن لو قلت لك أبياتا من الحردلو (1)، لن تجد الكلمات (التي فيها) إلا في المعاجم، لابد لك من الرجوع إلى لسان العرب لتجد الكلمات، وهي كلها فصيحة. ولكن بعض القراء العرب- لسوء الحظ – قراء تعودوا على أشياء سهلة، لأن كثيرا من الأساليب التي تتبع في الصحافة (هي) أساليب ركيكة. أصبح لا وجود هناك لأي جهد في … يا أخي نحن الآن صرنا نقرا بالإنجليزية، وبالفرنسية، وبالألمانية، وما لا أعرف (من اللغات). لم لا نبذل جهدا لنفهم عاميات بعضنا البعض؟ وهي مشتركة وليس فيها إلا قليلا قليلا جدا من كلمات أجنبية. فالكاتب، خصوصا الكاتب الروائي، لا يستطيع أن يهمل العامية، لأن فيها أشياء أحيانا غير موجودة في الفصحى هذه الأيام. إضافة إلى ذلك، أنا أرى أن العامية في العالم العربي لعلها هي الدليل الوحيد لسير امتداد العرب في المكان. أنا قول لك بيتا لأبي العلاء المعري يخطر على بالي الآن. فيه كلمة أنا ما شفتها تستعمل في أي مكان غير السودان. قال: تجل عن الرهط الأماني غادة / لها من عقيلٍ في مماليكها رهطُ. رهط الأولى هو إزار من الجلد له سيور تلبسه البنات دون البلوغ، و(كذلك) الإماء. ولذلك قال تجل عن الرهط الإمائي غادة. أبو العلاء كان يمنيا من تنُوف كما نعلم. فإذن هناك رابطة بين أبي العلاء وبين السودان، إيش الرابطة هنا؟ يقول لك أبو العلاء:
لمن جيرة سيموا النوال فلم يُنْطُوا – ينطوا بمعنى يُعْطُوا،
يُظَلّلُهُمْ ما كان يُنْبِتُهُ الخَطُّ
رَجَوْتُ لهمْ أنْ يقْرُبوا فتباعدوا
وأنْ لا يَشِطّوا بالمَزارِ فقد شَطّوا
طيب يُنْطُوا هذه موجودة في أقصى الغرب في السودان، وموجودة كما علمت في الغور، غور فلسطين. فاللغة العامية يا أخى، هذا الكلام الذي يقال (عنها) ويلقى على عواهنه لا يفيد شيئا. الناس صنعوا قضية بين الفصحى والعامية. (يقولون لك) كذا وكذا، وما لا تعرف (من الأشياء). هذه القضايا في رأيي لا تفيدنا. العامية هي عربية. وهي عربية الفرق الوحيد بينها وبين الفصحى (هو) انعدام النحو والصرف فقط. فلا يمكن لنا أن نهملها كل هذا الإهمال انتصارا للفصحى.
هذه طبعا قضية كبيرة جدا في الأدب، وهي هل الأديب- شاعرا، ناثرا، فنانا، وكذا- هل مطلوب منه أن يصدق ما يقول بالعمل؟ وهل يتحتم عليه أن يكون في بلده؟ الكلام هذا يوحي بأن مجرد البعد عن الوطن فيه نوع- إن لم نقل من الخيانة، ولكن من عدم الالتزام بواجبات المواطن. وأنا لا أريد أن أنكر هذا. ولكن أقول بأن هناك ناس لهم أدوار مختلفة، وهذه الأدوار لا يمكن (لهم) أن يقوموا بها إذا قُيّدوا. ونحن الآن (ذكرنا) أبو الطيب المتنبي. يعني لو فُرض أن المتنبي كان بقي في الكوفة حيث ولد، وسارت الأمور به سيرا حسنا، يعني أكثر شيء كان (يمكن أن يحدث له هو أن) يصبح كاتبا عند واحد من الوزراء هناك. (وكذلك كان سيكن الأمر لو أنه بقي) حتى في حلب. فهو في حلب كان مرتاحا، بقي هناك نحو عشر سنين، وسيف الدولة منحه فيلا كما يقولون- أنا على أي حال لا أحد منحني فيلا، أنا حايم هكذا جزافاً. المتنبي ظاهريا من ناحية العيش كان مفروضا أن يبقى مع سيف الدولة إلى أن يموت. لكنه ما قدر (على ذلك). ضاق، لأن عبقريته أوسع من هذا. أوسع من مجرد أن يأكل ويشرب، ثم بعدها يذهب للأمير الذي إن تزوج واحدة أعجبته، يقول له قل فيها شعرا، أو أنه (إن) بنى دارا- كما نجد مثل هذه الأشياء في ديوان المتنبي: سيف الدولة بنى دارا فقال له صفها. أو أنه (أي سيف الدولة) قال شعرا، وسيف الدولة كان شاعرا لو تسامحنا كثيرا نقول (إنه كان شاعرا) من الدرجة الرابعة، فيقول (سيف الدولة) بيتا (من الشعر)، ويقول للمتنبي العظيم أجز هذا. حكاية صعبة هذه. مرق من هناك وذهب إلى أخينا كافور. وكافور أيضا منحه فيلا على ضفاف النيل وأكرمه، (و) ما قصّر معه. ولكن لم يكن هذا هو المطلوب. الواحد يحس بذلك في القصائد التي خرج بها. أنا يعني بالمناسبة الآن لأني أكبر سنا وأكثر خبرة، أغش قليلا في الإجابة على هذا السؤال، (حيث) دخلت (بكم) في قصة ثانية. لو الواحد (منا) نظر للقصيدة التي خرج بها من حلب، والقصيدة التي خرج بها من مصر، والقصيدة التي ترك بها ابن العميد، (فسيجد) دائما (أن) هناك شيئا آخر؛ إحساس الحرية والانطلاق وعبقرية الشاعر متجلية (في هذه القصائد). (وذلك) لأنه في الفضاء العريض، وليس هناك (من) أحد يأمره وينهاه وكذا. الله يعلم هل كل الناس (هكذا)؟ (هل على) أي واحد ولد في أي مكان (أن) يمشي ويبقى في ذلك المكان؟ لا أظن (أن) هذا هو المطلوب. هناك ناس (كان) حتما عليهم أن يتغربوا وأن يخرجوا، ولكنهم يحملون اوطانهم في أنفسهم. هذا هو المهم، أن الواحد لا يتنازل عن الوطن مهما حدث له، في أي مكان. إنما الوجود الحسي الجسماني في المكان، أنا لا أراه ضروريا.
عن السؤال الأخلاقي في موسم الهجرة إلى الشمال أقول: هو يا ابن العم الحكاية ليست همسا، الحكاية صراخ. يعني قبل كذا سنة، قالوا- والغريبة (دائما تثار) نفس القضية، وأنا استغرب (من ذلك)! قالوا، (أنه) في عمّان، في جامعة عمّان؛ (أنه) كان هناك بنتان تدرسان اللغة الفرنسية، الفرنسية وليست لغة أخرى، فهؤلاء (الناس) يقرأون روس، يقرأون بلزاك، يقرأون (إميل) زولا. والفرنساويين هؤلاء عندهم حكايات، أجارك الله – ليست جيدة أبدا. وكانتا (أي البنتين)، في مرحلة الليسانس. (تقول القصة أنهما) ذهبتا إلى أستاذهما وكانتا تقرآن “موسم الهجرة” بالفرنسي، وهي ترجمة حسنة، بالمناسبة. ذهبتا إليه، وقالتا له يا أخي الرجل هذا (يعنون الطيب صالح) – ما هذا الكلام الفارغ والفحش والفجور (الذي يكتبه). (وتاليا لذلك) فالإخوان (المسلمون) هناك عملوا دوشة وغلبة. ولكن مما يحمد للجامعة الأردنية أنها لم تذعن لهذا. حصلت نفس الحكاية بحذافيرها في الرباط، وكذلك في قسم اللغة الفرنسية، لماذا لا أدري! هنا أيضاً قالوا أن بنتين- وأحيانا يكون آباءهم هم من ذهبوا (للجامعة). أظن في الرباط أن أبوي البنتين (هما من) ذهبا إلى إدارة الجامعة، جامعة الرباط. وقالوا للإدارة كيف تُدرِّسون هذا الفجور؟ أنتم تفسدون أخلاق بناتنا. بعد ذلك ظهرت القصة في مصر. من كل بلاد الدنيا، مصر العظيمة المتحررة المنفتحة، التي عرفت بسعة صدرها! هنا أيضا كانتا بنتين تدرسان اللغة الفرنسية. والقصة هذه استلمها صديقنا العزيز الأستاذ ثروت أباظة، وكتب عنها. طيب يا إخواننا، يعني فلنقبل أن هذا الكلام صحيح، يعني أنا ماذا أفعل؟ كيف أعرف أولا أذواق الناس؟ ثم أنا كيف أعرف ما تريده كل بنتين في كل جامعة في كل عاصمة عربية أن أكتب لهما؟ لو فرغنا من البنات يجيء دور الآباء. (في بعض) المرات يكون البنات أكثر تحررا من الآباء. فالبنات يقبلون (بينما) الآباء يرفضون. (بهذه الطريقة) سندخل في قصة (غير منتهية). هذا ليس أدبا يا جماعة. وأنا أظن، حقيقة، وأنا أُسأل هذا السؤال كثيرا، (أظن) وأعتقد أننا وصلنا درجة من النضوج والمعرفة بقيمة الأدب وبوظيفته، أننا يجب أن ندرك أن هذا عمل كاتُبه ما قام بكتابته ليفسد أخلاق الناس. بل إن هذا العمل، أعتقد (أنه) عمل أخلاقي. والرواية هذه كُتبت عنها دراسات ورسالات دكتوراة، الله أعلم (كم عددها)، (ولكني) أظن (أنه عدد) كبير. ومع كل الاحترام للسائل، كثيرون من الذين يسألون هذا السؤال (الأخلاقي)، لم يقرأوا “موسم الهجرة الى الشمال”. وإلا لما سألوني عنه. ومرة في لقاء في الخرطوم قام واحد من الحضور وقال لي نفس هذا الكلام بالحرف الواحد، فقلت له يا أخي أنت لم تقرأ أمرؤ القيس، وأنا لا أريد الآن أن أقول لكم شعر أمرؤ القيس، ولكن الواحد (منكم) يمكنه أن يمشي إلى السوق ويشتري المعلقات، ويجد معلقة أمرؤ القيس التي تبدأ بالبيت: ألا عم صباحا أيها الطلل البالي. ربما كان البيت، الله أعلم، العشرين، فستجد فيه الحكاية هذه (أي ما تصفه بالفحش والفجور). و(ستجد مثل ذلك في) النابغة الذبياني في (قصيدته) “المتجردة”، والجاحظ في كتبه، وهذه كلها كتب مشاعة. أنا قرأت منذ زمن لابن القيم الجوزي، الإمام الكبير العالم الذي لا يعترض أحد على صلاحه. والله قرأت كلاما لو أنا كتبته كان سيجيئني واحد مثل هذا الأخ يسألني. فيا جماعة الأدب شيء آخر، يعني لا يمكنك أن تكتب أدبا حَسب أذواق الناس، وحسب، ليس حسب أذواق، بل حسب أشياء سائدة وأحيانا تكون خطرة في زمانهم، وإلا لن يفعل الأدب أي شيء.
معلوماتك التاريخية (هذه) إن كنت استقيتها من جعفر ميرغني هذا، فهو قد ضللك. لأن ما حصل هو العكس تماما. ليس أن اللغة الفارسية أثرت على العربية، العربية هي التي أثرت على الفارسية، لأنك إذا قست عدد الكلمات الفارسية التي دخلت اللغة العربية، ثم الكلمات العربية (التي دخلت الفارسية، فستلاحظ الفرق). يقال أن هناك نحو 40% من الفارسية عربي (الأصل). والأثر الفارسي في الدولة العباسية ما بلغ (مرحلة) أن يصبح نموذجا يحتذى. وأنت تعلم أن الأثر الفارسي انتهى في أيام هارون الرشيد نفسه. ثم من بعده جاء المأمون، صحيح أن أمه كانت فارسية، ولكن لم يعرف أن الفرس فرضوا نظرتهم للحياة وفرضوا أدبهم على العالم العربي. حصل أثرٌ فارسي (نتج عن) أن هناك فرسا أصبحوا فقهاء في اللغة العربية وأصبحوا مفكرين. أما أن السودان بالذات دخلته آثار فارسية، فهذه نظرية أنا أول مرة أسمعها. وفي نظر الدكتور عبد الله الطيب، وهو من علماء اللغة العربية، أن العامية السودانية هي أنها أفصح عامية (عربية)، لنقل انها من أفصح العاميات. أنا هنا أريد أن أقول لك شيئا في موضوع اللون هذا، أنت لا تشغل نفسك به. لأن فكرة اللون color، هذه فكرة أوروبية معاصرة جاءت مع الاستعمار الأوروبي. لأول مرة الناس في الدنيا بدأوا ينظرون (للألوان) ويقولون هذا أبيض وهذا أاسود وهذا أحمر وكذا. والبيض ليسوا بيضا، كما قال برنارد شو عن الأوروبيين بأنهم ليسوا بيضا، قال هؤلاء حُمرْ. ونحن فعلا في السودان الأبيض نسيمه الأحمر. والعرب يقولون الأحمر والأسود. الأسود هو العربي، يا رعاك الله، والأحمر هو الأوروبي، أي الروم. أما السود فهم العرب. فالقضية هذه قضية حديثة ومعاصرة وليس لها أي أهمية في التراث العربي.
طبعا قضية اللا انتماء قضية كبيرة جدا. وطبعا كذلك هناك ملامح لهذا اللا انتماء. أبو نواس قال وجهلي كلا جهل وعلمي كلا علم. ولديه أبيات أخرى، الحسن بن هانئ (أبو نواس)، وهو طبعا شاعر عظيم. أظنه يشرح في هذه الأبيات مشكلته مع الوطن، قال:
لَقَد طالَ في رَسمِ الدِيارِ بُكائي
وَقَد طالَ تَحناني بِها وَغنائي
كَأَنّي بربع في الدِيارِ مريعها
أَراها أَمامي مَرَّةً وَوَرائي
فَلَمّا بَدا بي الهم عَدَّيتُ ناقَتي
عَنِ الدارِ وَاستَولى عَلَيَّ عَزائي
إِلى بَيتِ حانٍ لا تَهُرُّ كِلابُهُ
عَلَيَّ وَلايُنكِرنَ طُولَ ثَوائي
هنا الرجل يقول لك بوضوح أنه ليس هو من لا يريد الديار، ولكنها هي ما لا تريده، أو أن هذه الديار لا تناسبه، فلذلك ذهب. فقضية اللا انتماء في أوروبا قضية مختلفة، وأنا أعتقد أن لها مصادر عقلانية أخرى، و(مصادر) وجدانية أخرى إن صح القول. (هذه المصادر) تختلف إلى حد ما عن فكرة الاغتراب في الأدب العربي -تيار الادب العربي كما نعلم. طبعا الآن الأدب العربي المعاصر أخذ من هذا الرافد الأوروبي، وصار الشعراء الحديثون يتكلمون عن الغربة وما لا تدريه، بالمعنى الأوروبي وليس- في تقديري المتواضع- ليس بالمعنى العربي.
wmelamin@hotmail.com
