العدو: هل هو ضرورة سياسية؟

من بطون الكتب
sanhooryazeem@hotmail.com
قراءة من بطون الكتب في صناعة الاصطفاف والشرعية

منبر بنيان – مقالات من بطون الكتب ونبض الواقع

مدخل:
سؤال لا يُطرح إلا حين يشتد الصمت
حين تتأمل كتب الفكر السياسي، تكتشف أن مفهوم “العدو” ليس تفصيلاً عابرًا في تاريخ الدول،
بل فكرة مركزية في فهم السياسة ذاتها.

ليس لأن السياسة لا تقوم إلا على العداء، بل لأن تعريف “العدو” كان – ولا يزال – أداة حاسمة في تنظيم الداخل، وضبط الولاءات، وبناء الشرعية.

هذا المقال
فقط يستنطق الكتب التي سألت سؤالًا مقلقًا:
هل تستطيع السياسة أن تعيش بلا عدو؟
أم أن العدو جزء من بنيتها العميقة، حتى في أكثر الدول تحضّرًا؟

أولًا:
السياسة قبل الأخلاق…
قراءة في الجذور

في الفلسفة الكلاسيكية، لم يكن “العدو” مفهومًا مركزيًا.
أفلاطون
تحدث عن العدالة داخل المدينة، لا عن الصراع خارجها.
أرسطو
رأى السياسة فن إدارة العيش المشترك، لا فن تعريف الخصوم.

لكن مع تحوّل الدولة من جماعة أخلاقية إلى كيان سيادي، تغيّر السؤال.
لم يعد: كيف نعيش معًا؟
بل: كيف نحمي الكيان من التهديد؟

وهنا بدأ مفهوم العدو يتسلل إلى صلب النظرية السياسية.

ثانيًا:
كارل شميت…
حين يصبح العدو تعريف السياسة

يُعد كارل شميت من أكثر من صاغ هذا المفهوم بوضوح وصراحة.
في كتابه مفهوم السياسي، يطرح أطروحة صادمة في بساطتها:
السياسة تُعرَّف بالتمييز بين الصديق والعدو.
لا يتحدث شميت عن العدو الأخلاقي، ولا عن الشر المطلق،
بل عن العدو بوصفه “آخر وجودي” يهدد نمط الحياة أو وحدة الجماعة.

في هذا التصور:
لا سياسة بلا احتمال صراع
ولا دولة بلا قدرة على تحديد عدوها
ولا سيادة بلا قرار في لحظة الاستثناء
هذا الطرح لا يدعو إلى الحرب، لكنه يعترف بأن إمكانية الحرب كامنة دائمًا في السياسة.

ثالثًا:
من العدو الخارجي إلى العدو الداخلي

تُظهر كتب علم الاجتماع السياسي أن أخطر تحولات مفهوم العدو لم تكن خارجية، بل داخلية.
حين تُعرّف الدولة عدوها في الخارج، غالبًا ما يتماسك الداخل.
لكن حين يختفي التهديد الخارجي، يبدأ البحث عن عدو بديل.

هنا يظهر:
العدو الأيديولوجي
العدو الثقافي
العدو الاقتصادي
العدو الرمزي

وتشير أعمال هانا أرندت
إلى أن أخطر مراحل السياسة هي حين يتحول العدو من تهديد عسكري إلى “فئة داخل المجتمع”.
في هذه اللحظة: لا يعود العدو خطرًا وجوديًا
بل يصبح أداة ضبط وسيطرة.

رابعًا:
العدو وصناعة الشرعية

تُجمع كتب الفكر السياسي الحديث على أن الشرعية لا تُبنى فقط على الإنجاز أو العدالة،
بل كثيرًا ما تُبنى على الخوف.
وجود عدو واضح:
يبرر توسيع السلطة
يخفف من مساءلة الحاكم
يوحد الجماعة خلف خطاب واحد
ولهذا، لا تختفي فكرة العدو حتى في أكثر الأنظمة المؤسسية تعقيدًا،
بل تُعاد صياغتها بلغة مختلفة:
“تهديد الأمن القومي”
“زعزعة الاستقرار”
“الخطر الوجودي”
الأسماء تتغير، لكن الوظيفة واحدة.

خامسًا:
هل العدو ضرورة أم فشل في الخيال السياسي؟

بعض الفلاسفة المعاصرين يرون أن الحاجة إلى عدو ليست حتمية،
بل دليل على عجز السياسة عن تخيّل بدائل للتعايش.

يورغن هابرماس
، مثلًا، يرى أن السياسة الحديثة يجب أن تنتقل من منطق الصراع إلى منطق التواصل.

لكن حتى هذا الطرح يعترف ضمنًا بأن الواقع لم يغادر بعد منطق العداء.

فالسياسة، كما تقول الكتب، لا تتحرك في فراغ أخلاقي،
بل في عالم مليء بالمخاوف،
والمصالح،
والتهديدات المتصوّرة.

سادسًا:
العدو في عصر المؤسسات الدولية

ظنّ كثيرون أن النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية سيقلّص منطق العدو.

لكن كتب العلاقات الدولية تشير إلى أن العدو لم يختفِ، بل أصبح:
أقل وضوحًا
أكثر سيولة
وأشد تعقيدًا
لم يعد العدو دولة بالضرورة،
قد يكون تنظيمًا،
فكرة،
خطرًا محتملاً،
أو حتى “سيناريو مستقبلي”.

وهكذا انتقل العداء من ساحة الحرب إلى:
الخطاب
الإعلام
الاقتصاد
التقنية

سابعًا:
هل يمكن للسياسة أن تُدار بلا أعداء؟

الكتب لا تقدّم إجابة واحدة.
بعضها يقول: نعم، نظريًا.
وبعضها يقول: لا، عمليًا.
لكنها تتفق على حقيقة واحدة:
كلما عجزت السياسة عن إنتاج معنى مشترك،
احتاجت إلى عدو لتعويض هذا العجز.

العدو هنا ليس سبب الأزمة،
بل عرض من أعراضها.

خاتمة:

خلاصة افكار
ما قالته الكتب المراجع عن العدو من السرد أعلاه يتبلور ان
العدو ليس دائمًا
نتيجة كراهية،
بل أحيانًا نتيجة خوف،
وأحيانًا نتيجة عجز،
وأحيانًا نتيجة هندسة سياسية واعية.
ويبقى السؤال الذي تتركه لنا بطون الكتب مفتوحًا:
هل نحتاج إلى عدو لنفهم أنفسنا؟
أم أن نضج السياسة يبدأ حين نستطيع تعريف ذواتنا دون مرآة العداء؟

المراجع
كارل شميت، مفهوم السياسي، 1932
حنة أرندت، في العنف، 1970
ماكس فيبر، السياسة بوصفها حرفة، 1919
يورغن هابرماس، الفضاء العمومي والتحول البنيوي، 1962
زيغمونت باومان، الحداثة والهولوكوست، 1989
ريمون آرون، السلام والحرب بين الأمم، 1962

عبد العظيم الريح مدثر
منبر بنيان مقالات من بطون كتب

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

العدالة الاقتصادية: هل تعني المساواة أم تكافؤ الفرص؟

منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الواقعفي ختام مقالنا السابق حول الفقر،طرحنا سؤالًا مكملًا …