aabdoaadvo2019@gmail.com
عبد القادر محمد أحمد/ المحامي
رغم مرارة الواقع، إلا أن ما يبعث على التفاؤل أن هذه الحرب المدمِّرة دفعت كثيرًا من السودانيين للحديث وبجرأة عن فكرة العقد الاجتماعي باعتباره المخرج الآمن من الأزمة التاريخية، وإنهاء الحرب وتحقيق سلام مستدام يؤسِّس للتنمية والوحدة.
آخر ما قرأته مقالًا بتحليل لافت، للكاتب الأستاذ الصادق حمدين بعنوان “السودان بين السلام السلبي وضرورة العقد الاجتماعي”، أقتبس بعض فقراته بتصرُّف:
(السلام السلبي، هو غياب القتال لا حضور العدالة .. تفرضه موازين القوة أو التعب المتبادل، لا توافق الإرادات ولا الإحساس المشترك بالانتماء والمصير الواحد. ولهذا ظل السودان يدور في حلقة مفرغة).
(في المقابل، فإن السلام الإيجابي، بناء طويل الأمد، يقوم على العدالة، والمساواة، والاعتراف المتبادل، وتقاسم عادل للسلطة والثروة، وإدارة رشيدة للتنوُّع .. وهذا النوع من السلام لا يتحقَّق عبر المعالجات الأمنية أو الاتفاقات الجزئية وحدها، بل يتطلَّب تحوُّلًا فكريًا وسياسيًا عميقًا في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع).
(هنا تبرز أهمية فلسفة العقد الاجتماعي كمدخل جاد لإعادة تأسيس الدولة السودانية … من هنا، فإن التفكير خارج الصندوق لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية.)
(إن السودان يحتاج إلى إيقاف الحرب، وتحرير السلام من سلبيته، وتحويله إلى مشروع وطني جامع يبدأ بالاعتراف بالأزمة، ويمر عبر حوار شامل لا يُقصي أحدًا، وينتهي بدستور يعكس عقدًا اجتماعيًا ملزمًا للجميع.) – انتهى الاقتباس.
أتفق مع الكاتب في التشخيص والعلاج. لكن العقد الاجتماعي لم يعد يحتاج إلى تفكير خارج الصندوق، إذ أصبح مفهومه متداولًا. غير أن المشكلة التي تواجهه هي تخوُّف بعض الأحزاب من بعض الالتزامات التي يفرضها، خاصة ما يتعلَّق بمراجعة السياسات وتجديد الفكر. ومع ذلك، فإن قليلًا من التأمُّل يبيِّن أن المصلحة الوطنية لا تتعارض مع الحزبية، وأن التجديد الفكري يصب في مصلحة الأحزاب على المدى القريب والبعيد.
ثم في رأيي، أن الحديث عن “حوار شامل” رغم وجاهته، ليس مخرجًا عمليًا عاجلًا من المأزق الراهن الذي يهدِّد مستقبل الدولة والشعب. فهناك عدة صعوبات تواجه الحوار.
فالقوى متباعدة، والثقة شبه معدومة، والبيئة غير آمنة. وفي المقابل، يبدو الالتفاف حول العقد الاجتماعي كمشروع وطني منقذ، أكثر واقعية؛ لأنه يخلق إطارًا متفقًا عليه كمخرج ضروري من الأزمة، ثم يفتح الباب لاحقًا لحوار حول التفاصيل.
إن العقد الاجتماعي بطبيعته لا يقوم على الإقصاء، بل يحتضن كل فئات الشعب، مدنية ونظامية، باعتباره “أساسًا جديدًا لبناء الدولة”. ومن ثمّ فإن التوقيع عليه ليس امتيازًا أو خيارًا، بل واجب وطني وأخلاقي، يُلزم كل من يوقِّع عليه ببنوده التي تهدف إلى: إيقاف الحرب واستعادة الدولة وإصلاح مؤسساتها. وتأسيس مرحلة انتقالية مستقرة. وإعادة بناء جيش قومي مهني. وضبط السلطة والموارد وعلاقة الدولة بالمجتمع. ومبدأ مدنية الدولة والمواطنة والديمقراطية وسيادة القانون والمساءلة.
أما القوى التي ترفض العقد، فإنها تعزل نفسها عن الإجماع الوطني، وتُعلن عمليًا انحيازها لاستدامة الحرب، وتفقد أي شرعية سياسية أو أخلاقية، وتُخرج نفسها من المشاركة في صناعة المستقبل، وتصبح طرفًا معرقلًا أمام المجتمعين المحلي والدولي.
وفي تقديري، أن العقد الاجتماعي كحلٍّ للأزمة السياسية وداعم لاستقرار المنطقة لن يواجه رفضًا خارجيًا، خاصة عندما يؤكِّد تبنِّي الديمقراطية الرشيدة، وأنها وسيلة للاستقرار والوحدة، لا غاية في ذاتها، فهذا يطمئن الشركاء الإقليميين والدوليين.
ثم تأكيد أن السودان بموقعه وموارده، قادر على بناء علاقات احترام وتعاون مع دول الجوار الأفريقي، ومع الجارة مصر، ومع دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات، باعتبارهما شريكين اقتصاديين واستثماريين أساسيين وداعمين متوقَّعين لمرحلة إعادة الإعمار.
كما يستطيع السودان الحفاظ على علاقات إيجابية مع الولايات المتحدة وكل القوى الدولية، عبر مساهمته في أمن المنطقة، ووقف الهجرة غير النظامية والتطرُّف والجريمة العابرة للحدود، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وفتح الباب أمام الشركات الأمريكية والعالمية، للاستثمار والمشاركة في إعادة البناء.
أخيرًا، فإن العقد الاجتماعي يحتاج إلى جهدٍ مُركَّز في كيفية الوصول إلى آلية لإقراره دون الرجوع المباشر للشعب. وأعتقد أن ظروف الحرب الراهنة تبرِّر ذلك، ولا يُعد هذا خروجًا عن المنطق، إذ تتيح اللحظة الحالية أن تبادر جهة تحظى بقدرٍ معقول من القبول والمصداقية؛ سواء كانت تجمعًا واسعًا، أو منصة أكاديمية محايدة، أو لجنة حكماء؛ بصياغة مشروع عقد اجتماعي متكامل يُعرض على جميع الكيانات السودانية: السياسية، والمجتمعية، المدنية والعسكرية، والأمنية للتوقيع عليه.
وبذلك يتحوَّل المشروع إلى مبادرة تأسيسية تسبق الدستور، وتضع إطارًا أخلاقيًا وقيميًا يلتزم به الجميع، تمهيدًا لإنهاء الحرب، واستعادة الدولة، وبناء مستقبلٍ مشترك قائم على التوافق الوطني والإرادة الجماعية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم