العلاقات الخليجية وتحولات الصراع السوداني: قراءة في منطق النفوذ

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

لم تكن العلاقات بين دول الخليج العربي يومًا علاقات ثابتة أو محكومة بمبادئ أخلاقية أو أيديولوجية صارمة، بل تشكّلت تاريخيًا وفق منطق المصالح، وتبدّلت تبعًا لموازين القوى الإقليمية والدولية. هذا المنطق البراغماتي لا يقتصر أثره على الداخل الخليجي فحسب، بل يمتد ليطال دولًا عديدة في محيطه العربي والأفريقي، وعلى رأسها السودان، الذي ظل لعقود طويلة ساحة مفتوحة لتقاطعات المصالح الخارجية، ومختبرًا لتجريب التحالفات المؤقتة، ودفع أثمانها من استقراره السياسي والاجتماعي. التجربة الخليجية في إدارة الخلافات تقدّم درسًا بالغ الدلالة. ففي ذروة الأزمة مع قطر، بدا المشهد وكأن المنطقة تتجه نحو قطيعة طويلة الأمد، مصحوبة بتعبئة إعلامية وسياسية غير مسبوقة. كثيرون، داخل السودان وخارجه، تعاملوا مع تلك الأزمة باعتبارها صراع وجود لا رجعة فيه، فاصطفوا بحدّة مع هذا المحور أو ذاك، ورفعوا شعارات الولاء، وشيطنوا الطرف الآخر، متوهمين أن هذا الاصطفاف سيمنحهم حماية سياسية أو مكاسب مستقبلية. لكن ما إن تغيّرت الحسابات الإقليمية والدولية، حتى عادت المصالحة، وجلس الخصوم على طاولة واحدة، بينما تُرك أولئك الذين اندفعوا إلى ساحات الصراع من الخارج يواجهون نتائج خياراتهم وحدهم. السودان، بحكم موقعه الجغرافي الاستراتيجي على البحر الأحمر، وعمقه العربي والأفريقي، وموارده الطبيعية، ظل دائمًا محل اهتمام خليجي. غير أن هذا الاهتمام لم يكن في الغالب جزءًا من شراكة متكافئة، بل جاء في إطار إدارة النفوذ، وتأمين المصالح، وموازنة أدوار إقليمية متنافسة. وفي المقابل، لم يمتلك السودان، في معظم مراحله السياسية، مشروعًا وطنيًا مستقلًا قادرًا على إدارة هذه العلاقات من موقع الندية، بل دخلها غالبًا من موقع الحاجة والارتهان. تاريخيًا، اعتمدت الأنظمة السودانية المتعاقبة على الدعم الخارجي كأداة للبقاء السياسي، لا كرافعة لبناء الدولة. هذا الخيار جعل القرار الوطني هشًا، قابلًا للتأثر بأي تغير في المزاج الإقليمي. ومع كل خلاف خليجي جديد، كان السودان يجد نفسه مجددًا أمام ضغوط غير معلنة لإعادة التموضع، واختيار معسكر على حساب آخر، حتى وإن كان ذلك على حساب تماسكه الداخلي. هذا الواقع انعكس بوضوح على بنية الصراع السياسي السوداني. فبدل أن تكون الخلافات الداخلية ناتجة عن رؤى وطنية متباينة حول شكل الدولة وإدارتها، تحولت في كثير من الأحيان إلى صراعات بالوكالة، تغذّيها محاور إقليمية متنافسة. وهكذا، لم تعد الانقسامات السياسية مجرّد خلافات محلية، بل باتت مرتبطة بشبكات مصالح عابرة للحدود، تُضخّ فيها الأموال، وتُدار عبر الإعلام، وتُغذّى بخطابات أيديولوجية مصطنعة. الأخطر من ذلك، أن هذا التداخل بين الصراع الداخلي والمصالح الخليجية ساهم في تشويه الوعي السياسي لدى قطاعات واسعة من النخب والجمهور. إذ أصبح البعض يخلط بين مصلحة السودان ومصلحة الدولة الداعمة له. فحين يدعم طرف خليجي فصيلًا سياسيًا أو عسكريًا، يُسوَّق هذا الدعم بوصفه «وقوفًا مع السودان»، بينما هو في جوهره استثمار سياسي مؤقت، يخضع للحسابات ذاتها التي قد تدفع إلى سحبه أو استبداله في أي لحظة. وحين تتغيّر هذه الحسابات، لا تتردّد الدول في إعادة ترتيب أوراقها. فالمصالح النفطية، والأمنية، والعلاقات مع القوى الكبرى، تبقى أولوية مطلقة. أما السودان، فيظل ملفًا من بين ملفات عديدة، يمكن تجميده أو إعادة فتحه متى اقتضت الحاجة. وفي كل مرة، يدفع المواطن السوداني الثمن: في معيشته، وأمنه، ومستقبل دولته. إن النظر إلى العلاقات الخليجية من زاوية أخلاقية أو عاطفية هو خطأ تحليلي جسيم. فهذه العلاقات تُدار بعقل بارد، ولا تعرف مفهوم «الوفاء السياسي» بالمعنى الرومانسي. الأمس القريب شاهد على ذلك، واليوم لا يختلف كثيرًا. الخصوم قد يصبحون حلفاء، والحلفاء قد يتحولون إلى خصوم، من دون أن يتطلب الأمر أكثر من تغير في ميزان المصالح. في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: من المستفيد من استمرار تأثير الصراعات الخليجية على الساحة السودانية؟ المستفيد الأول هم بعض النخب السياسية والعسكرية المحلية، التي وجدت في هذا الواقع فرصة لتعزيز نفوذها، عبر الارتهان للخارج بدل الاحتكام إلى الداخل. هؤلاء حوّلوا الدعم الخارجي إلى مصدر شرعية بديلة عن الشرعية الشعبية، وربطوا مصيرهم بتحولات لا يملكون السيطرة عليها. المستفيد الثاني هي القوى الإقليمية نفسها، التي تجد في السودان ساحة منخفضة الكلفة لتصفية الحسابات أو موازنة النفوذ، من دون أن تخوض الصراع على أراضيها. أما الخاسر الحقيقي، فهو الدولة السودانية كمشروع وطني، التي تتآكل سيادتها تدريجيًا، ويُعاد تشكيل قرارها وفق أولويات الآخرين. إن أخطر ما في هذا المسار، أنه يعمّق أزمة بناء الدولة، ويؤجل أي إمكانية حقيقية للاستقرار. فالدولة التي لا تمتلك قرارها المستقل، ولا رؤية واضحة لعلاقاتها الخارجية، ستظل رهينة لتقلبات الإقليم. وكلما تصالحت القوى المتصارعة فيما بينها، اكتشف السودان أنه كان مجرد ورقة على طاولة لم يكن حاضرًا فيها. من هنا، لا يمكن فهم الصراع السياسي السوداني بمعزل عن السياق الإقليمي الخليجي، ولا يمكن الخروج من هذا المأزق دون إعادة تعريف جذرية للعلاقة مع الخارج. المطلوب ليس العداء، ولا القطيعة، بل الوعي. وعي بأن المصالح تتغير، وأن الرهان على صراعات الآخرين هو رهان خاسر، وأن بناء موقف وطني مستقل هو الشرط الأول لأي علاقة صحية مع الإقليم. فدول الخليج قد تتصالح غدًا كما تصالحت من قبل، وتعيد ترتيب تحالفاتها وفق ما تراه مناسبًا لأمنها ومصالحها. أما السودان، إن لم يتعلّم من تجاربه القاسية، فسيظل يدفع ثمن صراعات لا يملك قرار إشعالها ولا إطفائها، بوعي أو من دون وعي.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

مأساة أبيمنم… حين يصبح المدنيون وقوداً لصراع لا ينتهي

بقلم: لوال كوال لوال ليست المأساة التي شهدتها مقاطعة أبيمنم حادثة عابرة يمكن طيّ صفحتها …