رحل عنا قبل أشهر البروفسير إيان كننيسون الأنثربولجي البريطاني إلى الأمجاد السماوية. ومعروف أنه درس مجتمع المسيرية الحمر في الخمسينات خلال رئاسته لشعبة الأنثربولجيا بجامعة الخرطوم وكتب عنهم كتابه “عرب البقارة”. وشهد أمام تحكيم لاهاي بالحق للمسيرية في منطقة أبيي.
ولكن ظل عالقاً بذاكرتي منه مقاله عن العمدة حرقاص مريده، عمدة المزاغنة وهم فخذ من المسيرية، في كتاب طريف اسمه “في صحبة الإنسان” (1960). كتب فيه عشرون عالماً عن نساء ورجال صحبوهم خلال عملهم الميداني بين الشعوب وتركوا فيه انطباعاً قوياً رغبوا في إطلاع الآخرين عليه. وكتب كننينسون عن حرقاص كلمة في غاية العذوبة عن عمدة يمخر عباب السياسات المحلية بكبرياء وأريحية وذكاء وأصول ومكر.
كتب كننينسون عن العمدة بشاعرية شائقة تُريك سحر العمدة عليه. كتب عنه يوم ارتخى توتره بعد مصالحة مع جماعة من أهله في سياق سياساته لتثبيت عموديته التي يتخطفها وجوه القوم من أهله. وأعقب الصلح في الليل زواج بنته في إطار نفس تلك السياسات. وكان العرس خافتاً لأن العريس سبق له الزواج. واجتمع الناس يُطعَمون ويشربون الشاي. وجاء إليهم الهداي المغني. وبدأ بالغزل. وتوافدت النساء بصمت من البيوت وجلسن في موضع يرشح بالاحترام لموقع الرجال حول النار. وجلس العمدة بنصف إغماضة يكاد يشرب المشهد الكثيف من حوله. فهو محبوب أيضاً. غنى الهداي:
يسمونك بنت أحمد
ولكن أنت الشادن في نظري
موجة من الرمل تحت ماء جار
عقد من الذهب وارد أم درمان
زهرة لوتس من إضي الجنوب
وزرافة السهول الحاشدة بالقش غير المحدود
ثم أخذ الهداي يغني شكر رجال من فرع حرقاص أحياء وأموات. فتنبه العمدة وأخذ قرشاً ورمى به في ثقب ربابته. وتبعه آخرون. وواصل الهداي شكر الرجال (ترجمة عن الإنجليزية للنص بلهجة المسيرية):
صنعت أمه طعاماً لصائدي الفيل
وكبّيري في طليعة أجود الفرسان
شونة لبذور زرع السنة القادمة
وكان ذلك في شكر العمدة نفسه المعروف بالإجادة في صيد الفيل. وزغردت النساء. فالعمدة ممن يتربص بالفيل ويحوشه ليقتله تابعوه. وكرمه كان حديث القبائل البعيدة. وحصانه قطعة من الليل. ولزوجاته وسامة المهرة. وبقره عدد نصل النبات. ولم يتمالك العمدة نفسه بعد هذا الإطراء فأخذ بندقيته وأطلق عيارين فثلاثة فأربعة. وجاء الناس من فرقان بعيدة ليسمعوا شكر حرقاص. وغاب الهلال في الليل وتفرق الناس. وعاج العريس إلى عروسه وقرت عين الهداي بالنقود التي ملأت ثقب ربابته.
من قرأ كتاب كيننسون “عرب البقارة” لابد عرف سحر البقر عليه من عدوى المسيرية عليه. فتجده في نهاية المقال تحدث عن مرحاله مع حرقاص إلى بحر العرب بعد رحلة مرهقة عبر القوز. وصور شوق القطيع إلى مراعي البحر الفاحشة بقوله:
جف المطر وبقيت منه برك هنا وهناك. ونادى الجنوب البقر التي عرفت من رحلاتها الموسمية السنوية عن خيران المياه العذراء فيه بقشوشها الروية. ويوم سعادة المسيري حين تصافح عينه للمرة الأولى الوادي المتراشح خضرة بعد أسابيع من الترحال في أرض القوز المتربة المحروقة. فما أن ترى الأبقار تلك الخضرة حتى تقفز مثل وحوش مجنونة غاطسة حتى بطنها في تلك القشوش الروية الكثيفة.
حين أقرأ لمن نزع أبيي عن المسيرية بغير علم أذكر قوله تعالى: “ولا تقف (لا تتبع أثر) ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا “
IbrahimA@missouri.edu
///////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم