نزار عثمان السمندل
إعلان رئيس الوزراء كامل إدريس عودة الحكومة إلى الخرطوم جاء أشبه بمحاولة استدعاء الدولة من غيابها الطويل. جملة قصيرة في ظاهرها، لكنها مثقلة بتاريخ مدينة أُنهكت بالحرب، وتُركت تواجه مصيرها فيما انسحبت المؤسسات إلى بورتسودان طلباً للسلامة. العودة هنا ليست حركة إدارية فحسب، وإنما ادعاء سياسي بأن العاصمة ما زالت قادرة على حمل معنى السلطة، وأن الخراب لم ينتصر نهائياً.
الوعود بدت واسعة: استئناف الجامعات، فتح المدارس، إعادة تشغيل المرافق الأساسية، وإحياء مؤسسات غادرت المكان يوم فقدت الدولة سيطرتها على يومياته.
خطوات التنفيذ جاءت سريعة في ظاهرها. وزارات الصحة والتربية والداخلية عادت إلى مكاتبها في الخرطوم، فارتفع السؤال تلقائياً: هل نحن أمام بداية تعافٍ بطيء ومكلف، أم أمام عرض رمزي يُراد له أن يسبق الواقع ويغطي هشاشته؟ السياسة كثيراً ما تُراهن الرمز، لكن المدن التي احترقت لا تتعافى بالشعارات.
الخطوة تحمل رسائل متعددة الطبقات. رسالة للداخل تحاول ترميم الثقة وبث إحساس بأن الدولة ما زالت هنا، قادرة على الإمساك بمركز القرار، ورسالة للخارج توحي باستعادة السيادة. غير أن الرسائل، مهما كانت محسوبة، تفقد وزنها حين حين تصطدم بأسئلة الأمن والخدمات والمعيشة. الاستقرار لا يُقاس بمكان توقيع القرارات، وإنما بقدرة الدولة على حماية الناس، تشغيل المستشفيات، ضبط الأسواق، تحريك الاقتصاد، وتهدئة خطاب عام صار امتداداً للمدافع.
الأرقام المتداولة عن عودة أكثر من 3 ملايين نازح إلى ولاية الخرطوم تُلقي بظلها الثقيل على المشهد. سكان الولاية، الذين كانوا يناهزون 15 مليوناً قبل اندلاع الحرب، باتوا اليوم في حدود 8 ملايين وفق تقديرات رسمية.
مئات الحافلات تتحرك يومياً من الولايات المجاورة ومن خارج البلاد، محمّلة بأجساد أنهكها النزوح وبآمال تريد نهاية للتيه. بيانات المنظمة الدولية للهجرة تشير إلى أكثر من مليون عائد خلال 10 أشهر من عام 2025، فيما تتحدث القنصلية السودانية في أسوان عن عودة 428 ألفاً طوعاً من مصر. أرقام كبيرة، لكنها بلا شبكة أمان حقيقية.
التحدي لا يسكن قرار العودة، وإنما يقيم في طريقة إدارتها. عودة غير محسوبة قد تتحول إلى عبء إضافي على مدينة بنيتها التحتية جريحة وخدماتها هشة وبالكاد تلتقط أنفاسها. التوقعات الشعبية عالية، والقدرة الفعلية محدودة، والمسافة بينهما واسعة وخطرة. خيبة الأمل، حين تقع، تكون أعمق من الانتظار وأشد إيلاماً من النزوح.
الحديث عن استقرار الخرطوم يصطدم بحقيقة استمرار الحرب. الاشتباكات لم تختفِ، والرصاص لم يصمت تماماً. الاقتصاد يواصل النزف، والأمن اليومي للمواطن لم يستعد عافيته. أي جهد خدمي أو أمني يظل محدود الأثر وقابلاً للانتكاس طالما بقيت الحرب مفتوحة، تستنزف الموارد وتعمّق الجراح الإنسانية.
انشغال الحكومة بإرسال رسائل تطمينية يبدو أحياناً أكبر من انشغالها بمعالجة الجذور. صورة تُقدَّم للرأي العام عن أوضاع آخذة في التحسن، بينما المواطن ما زال يفتقد الإحساس الأوّلي بالأمان ولا يلمس فرقاً حقيقياً في معيشته. الكلمات لا تغيّر الوقائع، ولا تستطيع أن تخفي أن الحرب ما زالت تمسك بمفاتيح المشهد.
الطريق إلى استقرار فعلي يمرّ عبر إيقاف الحرب أولاً، ثم فتح أفق سلام عادل وشامل، يعيد توجيه الموارد إلى الإعمار والخدمات، ويستعيد مسار الحكم المدني الديمقراطي.
دون ذلك، ستظل عودة الحكومة إلى الخرطوم حدثاً سياسياً لافتاً، محمّلاً بالنيات، لكنه عالق بين الرغبة والواقع. بين مدينة تريد الحياة وحكومة لم تحسم خيارها النهائي بعد؛ وتتخلَّى عن الموت.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم