عبدالغني بريش فيوف
في أبجديات العلوم السياسية والعسكرية، وفي دساتير الدول التي تحترم مؤسساتها، تُعرّف مهام وزير الدفاع بوضوح لا لبس فيه ولا يقبل التأويل، إنها الوزارة السيادية المعنية حصرا بحماية التراب الوطني، وصون الحدود من الاختراقات الخارجية، ورسم الاستراتيجيات العسكرية العليا، وإدارة العمليات الحربية في أوقات النزاع لضمان بقاء الدولة وحماية أمنها القومي.
على الجانب الآخر، تقف وزارة الداخلية كحارس للأمن الداخلي، معنية بإنفاذ القانون المدني، ومكافحة الجريمة، وإدارة الشأن المجتمعي اليومي، لكن في المشهد السوداني المأزوم، تبدو النظريات السياسية وكأنها تقرأ بالمقلوب، ففي سابقة تثير سيلا من علامات الاستفهام الممزوجة بالدهشة والاستنكار، نجد أن وزير الدفاع السوداني، الفريق حسن كبرون، يترك خرائط العمليات العسكرية، ويتنحى عن متابعة تحركات الجيش، لينشغل بالكشات ومطاردة المواطنين العزل في الأحياء العشوائية وأطراف العاصمة السودانية، ليبرز التساؤل الجوهري، العميق والصادم، وهو، ما الذي يدفع جنرالا يقود المؤسسة العسكرية للتدخل السافر في صميم عمل وزارة الداخلية، ولماذا يحدث هذا في توقيت تحترق فيه أطراف البلاد، وتنزف فيه الأرواح في أشرس معارك تشهدها السودان؟
عزيزي القارئ..
لعل أشد ما يدمي القلب ويثير العقل في هذه المفارقة، هو التوقيت، إذ أن السودان اليوم، ليس في حالة سلم ورخاء حتى تبحث قياداته العسكرية عن مهام إدارية لتزجية الوقت، بل إن البلاد تعيش على وقع صراع وجودي طاحن، ففي الوقت الذي تشتعل فيه كردفان بمعارك قاسية بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع، حيث تُحاصر المدن، وتُقطع طرق الإمداد، ويعيش المواطن تحت نيران القصف العشوائي، وينزف دارفور من جديد، ليغرق في بحار من الدماء تحت وطأة الفراغ الأمني المريع، وبالتوازي مع ذلك، يغلي إقليم النيل الأزرق بإحتلال ميليشيا الدعم السريع لمدينة الكُرمك الإستراتيجية وعدد من المدن المهمة.
في ظل هذا المشهد المأساوي، حيث تتطاير أشلاء الجنود والمواطنين في ميادين القتال الحقيقية، يُنتظر من وزير الدفاع أن يكون مرابطا في غرف العمليات، واضعا الخطط لدحر التمرد، ومستنفرا لكل طاقات الدولة العسكرية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سيادة السودان، بدلا من ذلك، تُوجه البوصلة نحو العاصمة، وتحديدا نحو الفئات الأكثر ضعفا وهشاشة، وبدلا من استرداد المدن الساقطة بيد المليشيا، تُسترد الرواكيب وتُصادر البيوت والمنازل في الأحياء العشوائية من أصحابها.
إن هذا الانحراف في بوصلة المهام ليس مجرد خطأ إداري، بل هو خلل بنيوي يطرح أسئلة مشروعة حول حقيقة ما يدور في أروقة سلطة الأمر الواقع.
سيسيولوجيا العشوائيات.. من هم ضحايا الكشات؟
لفهم عمق المأساة والكارثة، يجب أن نُشرح ديموغرافية هذه الأحياء العشوائية التي يستهدفها السيد وزير الدفاع الفريق حسن كبرون بكشاته.
هذه الأحياء المنتشرة في أطراف أم درمان، ومايو، وغيرها، لم تنشأ ترفا، ولم يسكنها أهلها حبا في البناء العشوائي وانعدام الخدمات الأساسية، بل لأن الغالبية العظمى من سكان هذه المناطق، هم نازحون فارون من جحيم الحروب في دارفور، وجبال النوبة/جنوب كردفان، والنيل الأزرق، والذين هربوا من الموت، من حرق القرى، ومن الانتهاكات، ليجدوا أنفسهم على هوامش العاصمة، يبحثون عن أمان زائف ولقمة عيش مغمسة بالذل والشقاء.
الأغلبية الساحقة من هؤلاء السكان هم من أبناء الهامش، وتحديدا من إثنيات جبال النوبة وغرب السودان، وهم الضحايا الأوائل لفشل الدولة السودانية المتعاقب في إدارة التنوع وتوفير التنمية المتوازنة.
يعتمد هؤلاء في بقائهم على قيد الحياة على امتهان الأعمال الهامشية البسيطة، وعندما تقوم قوة عسكرية أو أمنية بتنفيذ كشة مباغتة وعنيفة لمصادرة ممتلكاتهم وتدمير مساكنهم المؤقتة، فهي لا تطبق القانون، بل تمارس نوعا من الإرهاب النفسي والاقتصادي ضد مواطنين عزّل، وتدمر دورة حياتهم الاقتصادية البسيطة، وتعيد إنتاج قهرهم التاريخي في قلب العاصمة.
الفخ السياسي.. هل أراد البرهان إحراق وزير دفاعه؟
لا يمكن لسياسي حصيف أو مراقب لتعقيدات المشهد السوداني أن يرى في تكليف الفريق حسن كبرون، وهو ابن جبال النوبة، بهذه المهمة القذرة، مجرد صدفة إدارية أو تقاطع في الصلاحيات، وهنا يبرز سؤال كبير، وهو، هل أرادت حكومة الفريق عبد الفتاح البرهان، بتكليف وزير الدفاع السوداني بهذا الملف، إحراجه سياسيا واجتماعيا أمام أهله والمهمشين جميعا؟
أي تحليل حتى لو كان سطحيا، يشير بقوة إلى أن هذا التكليف، يحمل في طياته أبعادا تآمرية خبيثة تهدف إلى القتل المعنوي والاغتيال السياسي للرجل، حيث تدرك القيادة في مجلس السيادة أن أي شخصية عسكرية أو سياسية تنحدر من الأقاليم المهمشة، تستمد قوتها وشرعيتها في المركز من التفاف قواعدها الشعبية حولها، ومن خلال إجبار الوزير النوباوي على قيادة حملات قمعية ضد أبناء جلدته الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان العشوائيات، يتم ضرب إسفين عميق بين الرجل وقاعدته الشعبية، ليتحول في نظر أهله، إلى جلاد ويد باطشة للمركز ضدهم.
علاوة على ذلك، يمثل هذا التوجه محاولة مكشوفة للتنصل من المسؤولية وصناعة كبش فداء جاهز، فتطبيق سياسات قاسية ضد سكان الأطراف في العاصمة دائما ما يولد غضبا شعبيا وانتقادات حقوقية ودولية، وبدلا من أن يتحمل قائد الجيش عبدالفتاح البرهان أو وزير الداخلية هذا العبء، يتم تصدير وزير الدفاع النوباوي، ليكون واجهة لهذا القبح، بحيث إذا انفجر الوضع، يسهل التخلص منه، هذا فضلا عن أن هذه الممارسات تعمل على إلهاء المؤسسة العسكرية وتفريغ شحنتها، ففي ظل الإخفاقات العسكرية في بعض جبهات القتال، تلجأ القيادة إلى خلق انتصارات وهمية ضد المدنيين العزل لتوهم بوجود سيطرة وهيبة للدولة، متناسية أن الهيبة الحقيقية تُصنع في ميادين المعارك الكبرى، وفي المحصلة، يُسهم هذا النهج في ترسيخ مبدأ الاستعمار الداخلي، حيث يُستخدم أبناء الهامش لضرب الهامش، مما يعفي المركز من تهمة الاستهداف الجهوي ويحول الصراع إلى اقتتال أفقي بين الضحايا أنفسهم.
إن انحراف وزير الدفاع نحو مهام شرطية ومحلية، يعكس أزمة أعمق بكثير من مجرد التآمر السياسي، إنه يعكس الانهيار التام لمفهوم المؤسسية في الدولة السودانية، ذلك أنه، عندما تنهار الحدود الفاصلة بين المؤسسات، يصبح الجيش بمثابة شرطة لمكافحة الشغب، وتتحول الشرطة إلى مليشيات للجباية، وتأخذ المليشيات المتمردة دور الجيوش الموازية، هذا التداخل المربك، هو الذي أوصل السودان إلى حافة الهاوية، فبدلا من أن تعمل كل مؤسسة بتناغم واحترافية ضمن اختصاصها الدستوري والقانوني، تتحول أجهزة الدولة إلى أدوات في يد النخب الحاكمة لتصفية الحسابات السياسية وضمان البقاء في السلطة، وكل ذلك على حساب دماء وكرامة المواطنين.
الدولة التي ينشغل فيها قادة جيشها بمطاردة بائعي الخضار في الأسواق الموازية، بينما تحتل المليشيات معسكراتها وقواعدها الاستراتيجية، هي دولة فقدت مبرر وجودها الأخلاقي والسياسي.
إن القضية المطروحة، ليست مجرد انتقاد عابر لأداء وزير أو مسؤول، بل هي صرخة إنذار مبكر ومساءلة تاريخية، إذ أن ما يقوم به الفريق حسن كبرون، سواء كان عن قناعة بمهامه أو وقوعا في فخ سياسي محكم نُصب له بعناية، يمثل طعنة في ظهر العسكرية السودانية، وخيانة ضمنية لآلام وآمال الملايين من أبناء الهامش الذين دمرت الحرب قراهم، وجاءت حكومات المركز لتسحقهم في ملاذاتهم الأخيرة.
على السيد وزير الدفاع أن يدرك أن التاريخ قاسي الحكم، وأن انقياده لتنفيذ سياسات تدمير الذات وضرب أهله في العشوائيات، لن يشفع له عند قادة المركز عندما تحين لحظة التخلص منه، بل سيتركه منبوذا بلا غطاء اجتماعي أو سند شعبي، وفي الوقت ذاته، يتحتم على قيادة الدولة، إن كان قد تبقى فيها ذرة من رشد سياسي، أن تعيد توجيه فوهات البنادق والجهود اللوجستية نحو العدو الحقيقي الذي يهدد كيان الدولة في أقاليم السودان الملتهبة، وأن تترك المواطن البسيط يكابد شظف العيش بسلام.
يجب إعادة الاعتبار للمؤسسات على وجه السرعة، بحيث تتفرغ وزارة الداخلية لشؤون الداخل، وتتصدى وزارة الدفاع لحماية الحدود وخوض الحروب الكبرى.
إن كل استمرار في هذا العبث الإداري والعسكري يعني ببساطة تعجيل النهاية الحتمية لانهيار ما تبقى من هيكل الدولة السودانية، ويبقى السؤال معلقا في فضاء المشهد السوداني المعتم، وهو، متى يدرك قادة السودان أن المعارك الوهمية في أزقة الفقر لا تصنع مجدا عسكريا، وأن الانتصار على امرأة تبيع الشاي أو شاب يدفع عربة كارو ليس سوى هزيمة أخلاقية مدوية تُضاف إلى سجل الهزائم الوطنية المتراكمة؟
في خاتمة هذا المشهد المأزوم، لا تبدو القضية مجرد انحراف عابر في أداء مسؤول أو تجاوز محدود في توزيع الصلاحيات، بل تتجلى بوصفها عرضا صارخاً لأزمة دولة فقدت بوصلتها، واختلطت فيها الأدوار حتى غدا القوي يبطش بالضعيف، والمؤسسة السيادية تنشغل بما دونها، بينما تتهاوى الجبهات التي يفترض أنها صلب وجودها.
إن ما يحدث ليس فقط خطأً سياسيا أو إداريا، بل هو تعبير مكثف عن خلل عميق في بنية الحكم، حيث تُدار الدولة بردود الأفعال، وتُستخدم مؤسساتها كأدوات ظرفية، لا ككيانات مستقلة تحكمها القوانين وتضبطها المسؤوليات.
إن استمرار هذا النهج لا يعني سوى مزيد من التآكل في ما تبقى من شرعية الدولة، ومزيد من اتساع الفجوة بينها وبين مواطنيها، خاصة أولئك الذين دفعوا أثمان الحروب والنزوح والتهميش لعقود طويلة، فالدولة التي تعجز عن حماية أطرافها، ثم تمارس القسوة على هوامشها في المركز، إنما تكتب بيدها شهادة فقدان الثقة بينها وبين شعبها، وتؤسس لدورات جديدة من الغضب والاغتراب، قد تكون أكثر عنفاً وأقل قابلية للاحتواء.
وفي المقابل، فإن إعادة الأمور إلى نصابها لا تحتاج إلى معجزات، بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية صادقة تعترف بالأخطاء وتصحح المسار، فالفصل بين مهام المؤسسات ليس ترفا نظريا، بل هو شرط أساسي لبقاء الدولة نفسها، وكرامة المواطن، مهما كان موقعه الاجتماعي أو الجغرافي، ليست تفصيلا يمكن تجاهله، بل هي جوهر العقد الذي يمنح أي سلطة معناها ومشروعيتها.
كما أن التاريخ، الذي لا يغفل ولا يجامل، سيسجل هذه اللحظات بدقة قاسية، سيذكر من انشغلوا بصراعات صغيرة بينما كانت الأوطان تتفكك، ومن لاحقوا البسطاء في أرزاقهم بينما كانت الخرائط تُعاد رسمها بقوة السلاح، ولن يكون الحكم حينها على النوايا، بل على النتائج التي ستبقى شاهدة على مرحلة اختلط فيها العبث بالسلطة، والضعف بالاستبداد.
إن السودان اليوم يقف عند منعطف خطير وحاسم، وإما أن تعود مؤسساته إلى رشدها، وتعيد تعريف أولوياتها وفق منطق الدولة لا منطق السلطة، وإما أن يستمر هذا الانحدار الذي لا يهدد فقط بنية الحكم، بل يهدد فكرة الدولة ذاتها، وفي هذا السياق، فإن إعادة توجيه الجهد العسكري نحو ميادين القتال الحقيقية، ووقف استهداف الفئات الهشة، ليس مجرد خيار أخلاقي، بل ضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل.
النداء الأخير موجه لكل من بيده قرار، وهو إن الأوطان لا تُبنى بالقوة العمياء، ولا تُحمى بإذلال مواطنيها، ولا تستقيم حين تُدار بعقلية تصفية الحسابات، إذ وحدها العدالة، واحترام المؤسسات، والصدق مع الواقع، هي ما يمكن أن ينقذ ما تبقى، أما غير ذلك، فلن يكون سوى تسريع لرحلة السقوط، مهما طال أمدها أو تغيرت وجوه القائمين عليها.
bresh2@msn.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم