الفساد العامل الخامس للإنتاج في السودان

الفساد العامل الخامس للإنتاج في السودان

د. إبراهيم الكرسني و د. الواثق كمير

ترجمة وتقديم إيهاب خيري

ينابر  2026

الفهرس

تقديم المترجم 2

الفصل الأول: المقدمة 3

الفصل الثاني: عن نظرية الفساد 5

الفصل  الثالث: الفساد في السودان. 9

1.3 الجزء الأول: اختلاس الأموال العامة (16) 10

2.3: الجزء الثاني: الاستيلاء على مشاريع رأسمالية في القطاع الزراعي. 14

3.3 الجزء الثالث: الاستثمار في المجال التجاري. 17

4.3 الجزء الرابع: الفساد في جنوب السودان. 21

خاتمة 22

الهوامش والمراجع 24

تقديم المترجم

“فساد السرور”… واستبصار المآلات!

مع نشوب الحرب الأخيرة (في وعلى السودان)، لجأت لإعادة قراءة الكثير من الأبحاث والكتب التي تناولت التحولات التي شهدها السودان منذ رفع العلم الوطني صباح الأول من يناير 1956، ومن ضمنها دراسة (الفساد.. العامل الخامس للإنتاج في السودان)، التي صدرت في العام 1984 باللغة الإنجليزية.

 لا يملك المرء إلا الإشادة بالشجاعة التي قادت باحثين شابين لخوض هذه “المغامرة” في فترة تُعد من أحلك أيام نظام مايو، إذ شهدت تلك السنوات تصاعد عنف الدولة ضد مواطنيها، ومطاردة وسجن وتعذيب المعارضين، وإعدام الأستاذ/ محمود محمد طه، لمخالفته سياسات النظام، الذي رفع شعارات الإسلام والعدالة والنزاهة بينما تكشف الدراسة ضلوع رموزها في الفساد وترسيخه. كذلك، فإن موضوع الدراسة نفسه شائك ومن الصعوبة بمكان دراسته،كما توضح مقدمة الدراسة.

مرت أكثر من أربعة عقود منذ إعداد هذه الورقة البحثية، وانتشار وتعمق الفساد بحيث لم يعد بروز اسم السودان ضمن أكثر الدول فساداً في التقارير الدولية مستغرباً.  وعندما تُقارن الفساد و”بلاويه” في الوقت الحاضر بتلك الفترة التي تتناولها الدراسة، لا تستطيع منع نفسك من القول: “فساد السرور”!

مع ذلك، فإن ما يجعل هذه الدراسة جديرة بالترجمة والقراءة الآن، في تقديري، هو منهجها، وسعيها للانتقال من “المجرد إلى المحدد”؛ أي امتحان وصقل النظرية عبر دراسة الواقع المحدد.

يسهم منهج الدكتور إبراهيم الكرسني والدكتور الواثق كمير في دراسة  الفساد ضمن منظومة مجتمعية متكاملة Societal ، وليس بوصفه ظاهرة ترتبط بالقيم أو الأخلاق فحسب، في إضاءة جوانب مهمة في كيفية النظر إلى الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ودراستها وفهمها.

بهذا المنهج، نرى الفساد “انعكاساً للتطور التاريخي المحدد للمجتمع السوداني”، وذلك “دون إغفال العوامل الذاتية التي تُسهم بدور ثانوي لكنه مهم”. كما يحدد الباحثان الدور الذي يقوم به الفساد في التشكل الطبقي للمجتمع السوداني.

يكاد المرء يعتقد أن الباحثان استخدما “كرة بلورية” لاستبصار مآلات الفساد؛ إذ ترى الورقة أن الشريحة الطفيلية، التي تتفادى النشاطات الإنتاجية، تُركز على السيطرة على جهاز الدولة، كونه دافعة مهمة لديمومتها.

ومع سعي هذه الشريحة  للحصول على القليل المتبقي من الفائض الاقتصادي، يزداد التناقض والصراع بين مصالح الشريحة الطفيلية للرأسمالية وبقية الطبقات…، فيصبح “اللجوء للعنف والقمع السياسي ضرورياً للتعامل مع مترتبات الصراع بين الشريحة الطفيلية للرأسمالية السودانية وحلفائها  مع بقية المجتمع السوداني”.

 ولست بحاجة للقول إن هذه الخلاصات، التي توصلت إليها الدراسة في 1984، هي ما نعيشه على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

إيهاب خيري

اكتوبر 2025

الفصل الأول: المقدمة

لم ينشأ اهتمامنا بدراسة موضوع الفساد فقط لأنه اتاح لموظفين عاديين في الخدمة المدنية تحويل أنفسهم إلى مليونيرات فحسب، بل لأن الفساد أدى كذلك إلى إفقار وتدهور حياة الملايين من السودانيين.

ما يلفت الانتباه   إلى أن عدد المليونيرات، في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء، مرتفع بشكل كبير ويشهد نمواً متزايداً في بلد يعتبر من أقل دول العالم نمواً، وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة.

والمثير للقلق أنه قبل عشرين سنة فقط، لم يكن في السودان سوى عدد قليل من المليونيرات ممن ينتمون لعائلات ثرية، وكانوا معروفين لجميع السودانيين تقريباً.

عندما قررنا البدء في مشروع هذه الدراسة، كنا نعتقد أنه من المستبعد إنجازها، إن لم يكن ذلك مستحيلاً. وجاء هذا الاعتقاد لأنه “يبدو أن هناك شعور سائد بعدم إمكانية اكتشاف الحقائق، وحتى إن كان ذلك ممكناً، فلا يمكن إثباتها، وإن كان ممكناً إثبات الحقائق، فلا يمكن نشر دليل الإثبات”. (1)

رغم أن الفساد من السمات الأكثر بروزاً، ومن معالم التركيبات الاجتماعية والاقتصادية لمعظم المجتمعات، كما أنه يطرح تحديات صعبة وشائكة فيما يتعلق بالقضايا الرئيسة للسياسة العامة،  فهو ليس مجالاً سهلاً  للتدقيق والبحث العلمي. ويرجع ذلك إلى أن “إحدى المشكلات الواضحة تكمن في الحصول على بيانات جيدة: فمن غير المرجح أن يرحب المشاركون في الممارسات غير المشروعة بإجراء أبحاث تتعلق بأنشطتهم. وهناك مشكلة صعوبة توفر دارسي تنمية يتعاملون مع موضوع الفساد كقضية سياسة بصورة جدية”. (2)

في السياق السوداني، لا يمكن إغفال الفساد، فهو يمس حياة كل مواطن، وأصبح مصدراً رئيساً للدخل، وهو ما جعلنا نطلق عليه “العامل الخامس للإنتاج”.

ورغم أننا لا نتفق مع الاقتصاديين النيوكلاسيكيين في رؤيتهم بشأن نظرية الإنتاج، نعتقد إمكانية إضافة الفساد إلى “عوامل/عناصر الإنتاج الأربعة في مرحلة التوزيع”، فبالإضافة إلى الأجور والإيجارات والأرباح والفوائد[1]، يمكن اعتبار الفساد عاملاً خامساً في تحديد توزيع الناتج القومي، وربما يكون أهمها في السياق السوداني.

 

الفصل الثاني: عن نظرية الفساد

لا نعتزم مقاربة الفساد بالتركيز والتعمق في الجوانب النظرية بصورة شاملة (3) إذ نهتم بالآثار الاجتماعية-الاقتصادية للموضوع، حيث نرى الفساد نتاجاً لنظام وسياسة اجتماعية -اقتصادية وتاريخية معينة، كما توضح سيرورة  “التخلف” في حالة السودان.

لذلك، نرى أن المبادئ الرئيسية للاقتصاد السياسي كافية لتحقيق هدفنا دون اللجوء إلى نظرية منفصلة عن ذلك ومحددة للفساد.

يُركز الموضوع الرئيسي للتحليل في هذه الورقة على العلاقة بين السلطة السياسية وتراكم المكاسب الشخصية؛ المالية أو غيرها. وفرضيتنا الأساسية هي أن الفساد يمكن النظر إليه على أنه النمط الرئيسي للتراكم المالي لطبقة أو طبقات اجتماعية محددة أكثر من كونه مجرد سلوك إجرامي يرتكبه أفراد.

بذلك، نركز على أنه في سياق المجتمعات الرأسمالية “النامية”[2] تبرز سمة فريدة من نوعها بصورة متسارعة، وتتجلى هذه السمة في حقيقة أن الفساد أصبح وسيلة لتوزيع الدخل القومي. ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ أن هذا التوزيع اتخذ شكلاً محدداً في سياق تلك المجتمعات، وأدى هذا النموذج إلى التركز المتزايد لرأس المال النقدي في أيدي طبقة اجتماعية ناشئة حديثاً، وهي تحديداً الطبقة الكومبرادورية[3] الرأسمالية الطفيلية.

ونعتبر هذه الطبقة الرأسمالية طفيليةً كونها تعتمد بشكل أساسي على الفساد بدلاً من الاستثمار كوسيلة رئيسية لتحقيق الدخل، كما أن الوجهة النهائية لهذا الدخل هي الأنشطة غير المنتجة وليس القطاعات الإنتاجية للاقتصاد. ولأنهم كومبرادوريون، فهم – في المقام الأول- وكلاء لرأس المال الاحتكاري الأجنبي، ويسعون للتماهي مع قيم ونمط حياة الرأسماليين في مجتمعات المركز الرأسمالي (الميتروبوليتان).

قبل الاستمرار في مثل هذا التحليل، نرى أنه من المفيد، في هذا الجانب، الإشارة إلى تحليل الجريمة والعدالة (والفساد بصورة أكثر تحديداً) في المجتمعات النامية.

ركزت انتقادات مختلفة لعلم الجريمة الكلاسيكي على مفاهيم غير كافية، وفي كثير من الأحيان؛ ركزت على المفاهيم الإيديولوجية، التي تسود في مجالات الجريمة والعدالة فيما يتعلق بالمجتمعات النامية. (4) على وجه التحديد، فقد أغفلت هذه التحليلات، كونها تُركز على نماذج التحديث في النظر إلى التنمية، حقيقة أن التخلف هو سيرورة فريدة داخل النظام الرأسمالي العالمي. لذلك، فهو يشمل أنواعاً خاصة من الجريمة والعدالة التي تستحق أنواعاً مختلفة من التحليل. (5)

لهذا النوع من التحليل، ينبغي البدء من الاستعمار وتأثيراته على البنية الطبقية الناشئة (6)، والتركيز على العلاقات الطبقية ودور الدولة في المجتمعات الاستعمارية الجديدة “النيوكولونيالية”.

بحسب الباحث سي. سمر C. Summer، فإن علم الجريمة الكلاسيكي أهمل بعض الأسئلة المهمة مثل (إذا ارتكب الجميع جريمة، ما الذي يتبقى من مفهوم شخصية المجرم؟ وإذا كان تحديد ما يُعتبر جريمة يعتمد بصورة كبيرة على السلطة السياسية للتجريم، والسلطة المالية لرشوة الشرطة، فما الذي يتبقى من مفاهيم الجريمة والسلوك الإجرامي؟ ما أهمية الإحصاءات الجنائية الرسمية للبحث العلمي؟ وكيف يمكن التعامل مع عينة من السجناء باعتبارهم عينة من المجرمين)؟ (7)

هذه الأسئلة ذات أهمية كبيرة لكن علم الجريمة الكلاسيكي لا يُقدم أي إجابة مُرضية. وبالتالي، فهو بهذه الطريقة يخدم غرضاً إيديولوجياً، خاصةً أن موضوعاته وتحليلاته للجريمة تتوافق بصورة كبيرة مع ما تقدمه إحصاءات الجريمة الرسمية.

لذلك، علينا أن نتجاوز هذا المجال من أجل  التعامل الملائم مع ظاهرة الفساد في المجتمعات النامية، وبالتحديد التجربة السودانية.

يُعرّف الفساد عموما بأنه (استخدام السلطة من أجل الربح أو الترقي أو المكانة أو لصالح مجموعة أو طبقة بطريقة تشكل خرقاً للقانون أو معايير السلوك الأخلاقي الرفيع).(8)

لطالما ركز التعامل الغربي مع الموضوع على الجوانب غير الأخلاقية أو غير الإنسانية للفساد بناءً على المعني القاموسي للظاهرة على أنها (التربح غير المشروع للمال أو العمل) أو (استخدام الموارد العامة من أجل المصالح الخاصة).(9)

وفقاً لهذا التعامل، يُنظر إلى الفساد باعتباره فعلاً فردياً متعلقاً بخرق القوانين والنُظم التي تحكم الأنشطة الاقتصادية أو- بعبارة أخرى- يُنظر إلى الظاهرة ضمن التناقضات بين سلوك الإجرام الفردي والأجهزة التشريعية في المجتمعات الرأسمالية.

بناءً على ذلك، يأتي التركيز على الطابع غير الأخلاقي لجرائم (ذوي الياقات البيضاء) استناداً إلى أنها تُشكل خروجاً على أو انتهاكاً لقواعد السلوك المعمول بها والراسخة اجتماعياً.

على الرغم من الإقرار على نطاق واسع بوجود وانتشار الفساد في المجتمعات النامية، فقد عُوملت الظاهرة بأنماط تقليدية من التحليلات. (10) على سبيل المثال يرى جي. إي. غولدثورب الفساد على أنه يرتبط بما توصف بـالدولة الرخوة، أي الدولة التي تُطبق قواعدها الرسمية بشكل غير منضبط، ما يتيح إمكانية الإفلات بالمكاسب الخاصة دون الالتزام بالقواعد المفروضة، سواء تلك المتعلقة بإنفاذ القانون أو غيرها. بالإضافة إلى الأموال، يذكر غولدثورب القرابة والسعي لإرضاء الرؤساء ضمن العوامل التي تدفع للفساد.(11) ومن عوامل الفساد، وفقاً لغولدثورب، الطابع التعددي للمجتمعات  النامية.

في مثل هذه المجتمعات، فإن الأقليات الغريبة عن المجتمع (الصينيون في جنوب شرقي آسيا مثلاً) يتولون جانباً حاسماً من العملية الاقتصادية، ويلجأون إلى الفساد لتحسين أوضاعهم.(12)

من ناحية أخرى، يرى إيه. إم. هوغفيلت الفساد باعتباره عملية تبادل للمكافآت المجتمعية بين فئات مختلفة من النخب. بهذا، فإن الفساد هو عملية كلاسيكية يتم من خلالها تبادل السلطة، والثروة بالمكانة الاجتماعية، والمكانة الاجتماعية بالثروة، والثروة، مرة أخرى، بالسلطة.

ووفقاً لهوغفيلت، فإن الحاجة إلى مثل هذا التبادل تنشأ من حقيقة وجود وتداخل نظامين اجتماعيين في البلدان النامية: الأول نظام اجتماعي مندمج (أي: أصلي)، والآخر نظام اجتماعي خارجي (أي: أوروبي). وحسب هوغفيلت، يمكن أن يساعد الفساد في الحفاظ على هذا النظام المزدوج اجتماعياً من خلال تقديم بديل للعنف رغم النظر إلى هذا الدور في بعض الأحيان على أنه من اختلالات الفساد.

مع ذلك، وفي الوقت نفسه، يؤكد هوغفيلت أن (الفساد الصغير/البسيط لا يمثل أي تهديد للعملية الديمقراطية)، إذ يتيح لعامة الناس مجالاً للمساومة أو التفاوض بشأن بعض القوانين غير الملائمة لهم، وهو ما يخفف من ضغوط النظام الاجتماعي في البلدان النامية.(13)

من الواضح أن هذه التحليلات غير كافية ويمكن انتقادها لأسباب عديدة، وتحديداً يمكن الإشارة إلى النقاط التالية:

  1. تميل هذه التحليلات إلى إغفال الجانب التاريخي، إذ تفصل ظاهرة الفساد عن اختراق النظام الرأسمالي الاستعماري للمجتمعات النامية وتأثيراته على البنية الطبقية والدولة الكولونيالية الجديدة.
  2.   يعتمد أصحاب هذه التحليلات على تفسيرات وظيفية، بالنظر إلى الفساد كوسيلة لتحقيق المساواة في توزيع الثروة في المجتمع، وبحسب  هوغفيلت، فهو يتيح مجالات للتفاوض أو المساومة بشأن بعض القوانين المقيدة أو غير الملائمة. كذلك، يرى غولدثورب أنها تحسن وضع الأقليات.
  3. تميل هذه التحليلات إلى التعامل مع الفساد في مستوى البنية الفوقية مع إغفال النظر، كما سنوضح لاحقاً، إلى أن الفساد في المجتمعات النامية هو جزء من قاعدة الإنتاج والتوزيع. وبناء على ذلك، فهو يشكل نمطاً مهماً لتراكم رأس المال النقدي.

على العكس من هذه التحليلات، نرى أن تطور الفساد، بالطريقة المحددة التي ندرسها في هذه الورقة، يمثل انعكاساً للتطور التاريخي المحدد للبنية التحتية للمجتمع السوداني.

في حال التعامل مع  الفساد باعتباره جزءاً من البنية التحتية للمجتمع، فإنه يؤثر بطريقة مباشرة وشاملة على عملية تراكم رأس المال النقدي. وما نريد التأكيد عليه، في المقام الثاني، أن الفساد- عند فصله عن البنية التحتية- يميل للظهور بوصفه عاملاً مستقلاً على مستوى البنية الفوقية التي تؤثر، بدورها، على سيرورات القاعدة الاجتماعية- الاقتصادية.

إذا اتبعنا مثل هذا التحليل، يصبح من غير الملائم افتراض وجود علاقة أُحادية الجانب بين السلوك القيمي و الأخلاقي من جانب، والمؤسسات السياسية/القانونية من جانب آخر.  يقوم استمرار وجود الفساد والترويج له قانونياً، باعتباره سلوكاً إجرامياً فردياً،  بتمكين الدولة من اتهام شرائح واسعة من الطبقات الوسطى والعاملة بارتكاب ممارسات فاسدة.

بسبب ظروفهم المعيشية البائسة، يضطر هؤلاء الأفراد للجوء إلى وسائل فاسدة لدعم دخلهم المتضائل الذي لا يتوافق مع ارتفاع تكاليف المعيشة. مع ذلك، يجب التمييز بين  الأفعال الإجرامية الفردية التي يرتكبها أفراد في مختلف الطبقات من جهة، ومن جهة أخرى الفساد، بوصفه مرضاً اجتماعياً يرتبط بقواعد السلوك والممارسة لطبقة اجتماعية سودانية محددة، تحديداً الشريحة الطفيلية من الطبقة الرأسمالية السودانية، كما سنرى لاحقاً.

تُغفل هذه الرؤية التقليدية بُعدين مهمين من المشكلة…

أولاً: يتطلب استمرار وجود الفساد، بوصفه نمطاً لتراكم رأس المال النقدي، وجود وسائل آمنة توفرها الدولة لحماية المصالح المادية للطبقة الطفيلية الجديدة، كما ذكرنا سابقاً.  ويمكن أن تنعكس هذه التدابير في سياسات القمع واستخدام القوة والتشريعات المختلفة التي تُسن لحماية هذه المصالح المادية (على سبيل المثال قانون حفظ النظام العام في السودان الصادر في ديسمبر  1982).

الجدير بالذكر هنا أن هذه التدابير المختلفة، بما في ذلك الشرطة والأمن، وعمليات الجيش، إلخ، تتطلب الكثير من الأموال التي تؤخذ من الفائض الاقتصادي الذي كان سيوجه نحو التنمية الاجتماعية والاقتصادية لو لم ينفق في هذه التدابير.

ثانياً: تهمل الرؤية التقليدية للفساد أهم عواقبه، التي تشمل حقيقة أن الإنفاق الحكومي يوجه نحو المجالات غير المنتجة مثل الشرطة والقوات المسلحة وبقية أجهزة القمع. ويؤدي مثل هذا الإنفاق، الذي يُعزز قوة الجهاز القمعي للدولة، إلى التحلل التدريجي للمؤسسات الديمقراطية، التي قد توجد بشكل مصطنع، وذبولها.

في ظل هذه الظروف، يصبح الفساد، وليس الاستثمار، المصدر الرئيس للكسب المالي. ويعتمد استمرار الفساد، إلى حد كبير، على غياب الديمقراطية ومشاركة الشعب في عملية صناعة القرار. ويؤدي غياب الاستثمار في القطاعات الإنتاجية إلى الانتشار السريع للفساد والممارسات الفاسدة في المجتمع، وسرعان ما يقوم الفساد بتطوير قوانينه الخاصة وآليات محددة لإعادة إنتاج نفسه. 

الفصل  الثالث: الفساد في السودان

سنُركز في هذا الفصل على العلاقة بين الفساد والتشكل الطبقي للمجتمع السوداني.

 يقوم التحليل، الذي استعرضنا نقاط النقد الموجهة إليه سابقاً، بالاهتمام بالجوانب الأخلاقية للفساد وذلك بدلاً من آثاره الاجتماعية والاقتصادية. يرجع ذلك أساساً إلى تركيز هذا التحليل على جودة المكآفات التي يحصل عليها الأفراد بناء على معايير الأمانة والعمل الجاد بغض النظر عن موقعهم الطبقي في المجتمع.

لذلك، يمكن القول إن هذا النوع من التحليل يرى أن العوامل الذاتية هي القوة الرئيسية وراء ظهور وتنامي الفساد. وبناء على هذه الرؤية، يتعامل هذه التحليل مع الفرد، بصورة منعزلة تماماً عن موقعه الطبقي، كوحدة للتحليل.

على النقيض من هذه الرؤية، نرى أن تحليل الفساد لا يمكن أن يكون إلا في سياق فهم الموقع الطبقي للفرد بوصفه العامل الرئيسي / ممارساتها الفاسدة، ودون إغفال العوامل الذاتية التي تُسهم بدور ثانوي لكنه مهم. بعد ذلك، علينا تحديد الدور الذي يقوم به الفساد في التشكل الطبقي الحالي للمجتمع السوداني.

 لن يكون هذا التحليل ذا قيمة كبيرة دون الإشارة إلى الطبيعة الطبقية للدولة السودانية (14). نلاحظ أن برجوازية الأساس الطبقي تعد من السمات الرئيسية للدولة النيوكولونيالية في السودان منذ الاستقلال السياسي في العام 1956، إذ هيمن تحالف كبار البرجوازيين والعناصر شبه الإقطاعية حتى العام 1969، وبعد ذلك الضباط “التقدميين”، الذين استولوا على السلطة في مايو 1969، وأعلنوا برنامجاً بتوجهات اشتراكية لخدمة مصالح الطبقات العاملة من الشعب السوداني، وذلك حتى يوليو 1971.

تتناقض هذه  السيرورة للدولة السودانية مع التطورات التي شهدتها أوروبا الغربية، إذ كانت التطورات السياسية المُقارنة نتاجاً لتشكل البرجوازية الصناعية، التي تمكنت من الهيمنة بعد نجاحها في صراع طويل الأمد مع الطبقة الإقطاعية التي كانت ترتكز على قاعدة اقتصادية مختلفة بشكل جذري، تعتمد على الملكية العقارية.

على النقيض من ذلك، فإن الطبقة الرأسمالية الطفيلية، التي تعتمد على سوء الممارسات الاقتصادية والفساد أساساً لبقائها، تفتقر إلى مثل هذه القاعدة المتجانسة. وتتشكل هذه الطبقة من كبار الضباط وموظفي الخدمة المدنية السابقين، والمحامين والأطباء والمدراء، وحتى الأكاديميين مثل أساتذة الجامعة.

ونظراً لأن هذه الطبقة الطفيلية تهتم في الغالب بتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الفائض الاقتصادي المتاح، فهي تميل إلى الحصول على المشاريع ذات العائد السريع، والتي توجد، بشكل أساسي، في التجارة، خاصةً قطاع التجارة الخارجية، والاستحواذ على الأصول العقارية.

يمثل الأفراد الذين تلقوا تعليماً رسمياً عِماد هذه الشريحة الطفيلية من الطبقة الرأسمالية السودانية. ومن المهم، هنا، الإشارة إلى طبيعة النظام التعليمي الرسمي الذي يغرس تطلعات غير واقعية في الطلاب والخريجين، ولا تتوافق مع الموارد المتاحة في المجتمع السوداني.

خلال العقد الماضي[4] انتهجت الدولة سياسات اقتصادية انصبت على خدمة مصالح شريحة صغيرة من المجتمع السوداني، أي الطبقة الكومبرادورية ورأس المال الأجنبي الاحتكاري، وعلى العكس من مصالح غالبية الشعب.

يمكن إيجاز عواقب هذه السياسات في شقين:

 أولاً:  أدت هذه السياسات إلى تدهور المستوى المعيشي للبرجوازية الصغيرة، خاصةً نخبتها من المتعلمين، ما أسهم في زيادة الهوة بين تطلعاتهم التي غرسها فيهم النظام التعليمي، ومواقعهم الموضوعية في جهاز الدولة.

ودفع هذا التناقض أفراد البرجوازية الصغيرة للبحث عن حلول لمشاكلهم المالية بصورة فردية، وشملت هذه الحلول الهجرة إلى الدول العربية النفطية أو العمل في المنظمات الدولية. أما أولئك الذين بقوا في البلاد، فقد كان من الصعب البقاء على قيد الحياة دون إيجاد مصادر دخل أخرى، بالإضافة إلى رواتبهم.

بشكل عام، فقد شملت مصادر الدخل الأخرى العمل بدوام جزئي، والجمع بين أكثر من وظيفة واحدة في الوقت نفسه. واختارت قلة منهم الأساليب الفاسدة للحصول على مصادر دخل إضافية، ومن أبرز هذه الوسائل استخدام العمل العام لتحقيق مكاسب خاصة، مثل قبول الرشوة واختلاس الأموال العامة. أدت هذه الإستراتيجيات الفردية إلى آثار كثيرة، لعل أهمها هو إضعاف القوة السياسية لطبقة البرجوازية الصغيرة.

ثانياً:  من نتائج سياسة الدولة  الاقتصادية زيادة مشاركة رأس المال الأجنبي في مختلف القطاعات الاقتصادية في السودان، ويبدو ذلك بصورة أوضح في النشاطات المكثفة للشركات متعددة الجنسيات مثل لونرو، وشيفرون، و(سي سي آي CCI) ، وتوتال، فضلاً عن استثمارات من دول الخليج.

بالنظر إلى النقطتين أعلاه، نجد أن الشريحة الطفيلية من الطبقة الرأسمالية السودانية بحثت عن أقصر الوسائل وأكثرها أماناً للاستحواذ على الأصول العقارية، فضلاً عن المشاريع التجارية الممكنة ليكونوا وكلاء لرأس المال الأجنبي الاحتكاري.

في سياق الظروف التاريخية والسياسية الحالية، أصبحت الدولة هي المدخل الرئيسي لشرائح البرجوازية الصغيرة الطامحة للتحول إلى ملاك عقارات.

وسنقوم ببحث ثلاثة أنواع من الفساد التي ترتبط بصورة وثيقة بتقلد الوظيفة العامة، وبالتالي الالتزام بهدفنا الرئيسي، أي النظر في العلاقة بين الدولة والسلطة السياسية ومراكمة المكاسب المالية الشخصية. وتشمل هذه الأنواع: 1) اختلاس الأموال العامة، و2) الاستحواذ على مشاريع رأسمالية في القطاع الزراعي، و3) الحصول على حصص ملكية في الشركات التجارية. (151.3.

1.3 الجزء الأول: اختلاس الأموال العامة (16)

يأخذ اختلاس الأموال العامة أشكالا مختلفة في السودان، على أن الأكثر شيوعاً هو الاستحواذ على الأصول السائلة من البنوك والوحدات الحكومية الأخرى، وبيع الأصول المملوكة للدولة، وبيع الأراضي والتهريب.

وتشهد عدد الحالات المرصودة في هذه المجالات الأربعة تنامياً، وقد تم الإبلاغ عن 800 حالة في الفترة بين 1975 و 1982، ورغم أن هذه الحالات لا تشمل القضايا “الصغيرة”، أي التي لا تتجاوز قيمتها ألف جنيه سوداني، فإن عدد هذه القضايا الصغيرة ليس صغيراً، بأي حال من الأحوال.(17)

بدأت الدولة في اتخاذ إجراءات ضد الفساد، حيث بدأت الإجراءات القانونية في العام 1975 في 800 حالة، لكن حتى العام 1982 لم تُغلق سوى 51 حالة فقط، ولا نعتقد أن السبب في ذلك يعود لعدم كفاءة النظام القانوني في البلاد. وفي الواقع، لا يمكننا عزل النظام القانوني نفسه عن الممارسات الفاسدة، بل نرى أن الإجراءات القانونية في معظم قضايا الفساد أُجلت عمداً أو عُطلت لأنها قد توضح تورط مسؤولين كبار.(18)

ويُلاحظ أن المبالغ في هذه الحالات ضخمة وتتراوح من آلاف إلى ملايين الجنيهات السودانية، وبالعملات الأجنبية أيضاً. ونوضح أمثلة عن بعض الحالات في الجدول رقم (1) أدناه.

  • اختلاس الأموال العامة

في هذا المجال، يكون الاختلاس، بشكل أساسي، من البنوك والمؤسسات والشركات العامة والوزارات. وتكفي الأمثلة الواردة في الجدول رقم (1) لتوضيح هذه النقطة، كما يبين الجدول أن اختلاس الأموال العامة يحدث في مختلف الجهات والمؤسسات، بما في ذلك الجهات التي يفترض أن تتسم بأعلى درجات الانضباط مثل الشرطة، والجهات الرقابية التي تشرف على إدارة استخدام الأموال العامة مثل بنك السودان، البنك المركزي للدولة.

ولا يقتصر الاختلاس على  العملة السودانية، حيث أسهم في انضاب احتياطيات النقد الأجنبي، التي تعاني أصلاً من الندرة (19) وتعد قيمة المبالغ المختلسة من الوزارات والإدارات أكبر بكثير من تلك المختلسة من بعض البنوك. ومن الأمثلة على ذلك جمعية الشرطة التعاونية (نحو 225,000 جنيه سوداني) واتحاد شباب السودان (نحو 116,197 جنيه سوداني) ووزارة الثروة الحيوانية (نحو  110,000 جنيه سوداني). (20)

وانتشر الفساد حتى في المؤسسات التابعة للدولة خارج السودان، وتعتبر قضية اختلاس 166,000 ريال سعودي من السفارة السودانية في جدة مثالاً جيداً على ذلك. (21)

الجدول رقم 1- اختلاس الأموال العامة

رقم الحالةالجهة المعنيةإجمالي المبلغ (المختلس في الحالة)
1بنك  السودان (المركزي)12,500 دولار أمريكي
2بنك النيلين (إدارة المغتربين)56,990 جنيه سوداني
3بنك النيلين (فرع شارع الزبير باشا)36,272 جنيه سوداني
4بنك الخرطوم8,930 جنيه سوداني
5وزارة الأشغال العامة24,472 جنيه سوداني
6وزارة الثروة الحيوانية110,000 جنيه سوداني
7وزارة الثروة الحيوانية19,843 جنيه سوداني
8وزارة الثروة الحيوانية17,293 جنيه سوداني
9مخازن الشرطة 15,000 جنيه سوداني
10جمعية الشرطة التعاونية225,000 جنيه سوداني
11شركة الجزيرة للتجارة والخدمات52,000 جنيه سوداني
12شركة الجزيرة للتجارة والخدمات56,250 جنيه سوداني
13الإدارة المركزية للماء والكهرباء10,000 جنيه سوداني
14شركة مواصلات الخرطوم70,000 جنيه سوداني
15هيئة التوزيع المركزية36,500 جنيه سوداني
16وكالة التعاون25,000 جنيه سوداني
17اتحاد شباب السودان122,000 جنيه سوداني
18مدبغة الخرطوم116,197 جنيه سوداني
19مدبغة أم درمان8,950  جنيه سوداني
20سفارة السودان في جدة (السعودية)166,000 ريال سعودي
إجمالي المبالغ بالجنيه السوداني فقط1,010,697

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط (مذكور سابقاً)

  • بيع أصول الدولة

النوع الثاني الشائع من اختلاس المال العام هو بيع الأصول والمنتجات المملوكة للدولة، خاصةً السلع الاستهلاكية، والتي كان من شأن الأرباح الناجمة عنها أن تصب في الخزينة العامة للدولة.

يتضمن الجدول رقم (2) المواد المتعلقة بهذا النوع الثاني من الاختلاس، ومعظم الحالات الخاصة ببيع أصول الدولة تتعلق بالبنزين والجازولين. ويمكن تفسير ذلك بسهولة، إذ عانت الخرطوم، عاصمة البلاد، وما زالت تعاني من نقص حاد في مصادر الطاقة. واعتاد سكانها الوقوف في طوابير لوقت طويل مرتين في الأسبوع من أجل الحصول على ثلاثة جالونات من البنزين، التي تعد الحصة (الكوتة) الرسمية لكل سيارة.

أدى هذا الوضع لتشجيع ممارسات السوق السوداء، إذ يضطر بعض الناس، خاصةً الأكثر ثراءً، إلى دفع ضعف السعر الرسمي من أجل تفادي الوقوف في هذه الطوابير الطويلة والمزعجة والتي تستمر لعدة أيام وليالي. مع هذه الأسعار التي تصل إلى الضعف، فإن بيع البترول والجازولين  المملوك للدولة لا يعتبر مفاجئاً.

  • –  بيع أراضي الدولة في المناطق السكنية

يعد بيع أراضي الدولة في المناطق السكنية من أشكال الاستيلاء على المال العام المنتشرة، حيث تعاني العاصمة السودانية، هذه الأيام،  من أزمة سكن مزمنة. وكما  ذكرنا سابقاً، فإن الاستثمار في العقارات يشكل أحد أكثر المجالات الآمنة للطبقة الرأسمالية الطفيلية السودانية، وذلك لأنهم يأملون أنه في حالة حدوث تغيير حكومي ضد مصالحهم، فإن العقارات تبقى لوقت أطول حتى يحدث تغيير آخر  في المستقبل يُعيد لهم “ممتلكاتهم”.

ولا تعد العقارات التي شُيدت من النوع الذي يمكن أن يسهم في حل مشكلة السكن لغالبية السودانيين، حيث ركزوا على البنايات ذات الطوابق المتعددة التي يستهدفون تأجيرها للسفارات والشركات والأجانب (22).

وأدى هذا إلى ارتفاع إيجار منزل مكون من غرفتي نوم، والذي كان يبلغ 25 جنيه شهرياً في العام 1970، بنسبة 1900% إلى 500 جنيه شهرياً في الوقت الحالي.

كذلك، أدى الإقبال على الاستثمار العقاري إلى زيادة حادة في أسعار الأراضي  السكنية. على سبيل المثال، يبلغ السعر الرسمي لقطعة أرض بمنطقة درجة أولى على مساحة 400 متر مربع 6000 جنيه سوداني، بينما يتراوح سعر القطعة نفسها في السوق السوداء ما بين 25,000 إلى 30,000 جنيه سوداني، وهو ما يجعل بيع الأراضي المملوكة للدولة أمراً مغرياً، كما يوضح الجدول رقم (3).

يتطلب هذا النوع من الفساد القدرة على الوصول إلى الأختام والأوراق الرسمية، وأدت المبالغ غير المعروفة التي بيعت بها هذه الأراضي إلى عدم قدرتنا على حساب الإيرادات التي خسرتها الخزينة العامة، وقد تصل إلى ملايين الجنيهات، كما توضح قضية (الحارة العاشرة)[5].

الكومبرادورية ورأس المال الأجنبي الاحتكاري، وعلى العكس من مصالح غالبية الشعب.                                                    

الجدول رقم 2- كمية/قيمة أصول الدولة المُباعة

الوزارة/ المصلحةكمية/ قيمة أصول الدولة المُباعة
مصلحة المساحة72,000 جالون بنزين
مصلحة الطيران المدني 396,000 جنيه سوداني (قيمة جالونات البنزين والجازولين المُباع)
وزارة الأشغال العامة7,000 جالون بنزين
مستشفى أم درمانكميات كبيرة من الأدوية التي لا تعُرف قيمتها بدقة

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط (مذكور سابقاً)

الجدول رقم 2- القيمة التقديرية لأراضي الدولة المُباعة

المنطقة السكنيةقيمة الأراضي  المُباعة
الحارة العاشرة4,000,000 جنيه سوداني 
عد السرحة          غير متاح
القمايرغير متاح
أبو سعدغير متاح
الفتيحابغير متاح

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط (مذكور سابقاً)

  • تزوير تصاديق النقل

في هذا الجانب من الفساد، نتناول التهريب، الذي يعتبر نوعاً من الفساد  لأن المواد المهربة تُنقل من مركز التوزيع الأساسي، غالباً الخرطوم، إلى الأقاليم المتاخمة لدول أخرى. ويتطلب نقل السلع بين مختلف المناطق والأقاليم إلى أذونات مكتوبة (تصديقات) من السلطات المعنية في المناطق والأقاليم المُصدرة لها، مثل وزارة التجارة التموين والشرطة، حيث تقع معظم الممارسات الفاسدة. وتعد غالبية التصاديق مزورة لكن المسؤولين المعنيين يقومون بإصدارها مقابل الحصول على مبالغ ضخمة. وبعد الحصول على هذه التصاديق، تقوم سيارات الشحن الكبيرة (اللوري) بنقل السلع بسهولة إلى وجهتها الأخيرة، إذ تتجنب، بأمان، العديد من نقاط التفتيش التي كان من اللازم التوقف عندها في حال عدم وجود تلك التصاديق، وتعريض السلع والبضائع المشحونة للمصادرة.

يركز النوع الآخر من التهريب المسنود بممارسات فاسدة على السلع المستوردة، والذي يحدث عبر طريقتين. أولاً: إصدار تراخيص استيراد المواد المحظور استيرادها، وثانياً: خفض أسعار المواد المستوردة في الفواتير المقدمة للسلطات وذلك لتجنب دفع رسوم جمركية أعلى. يتطلب إصدار الشهادتين دفع مبالغ ضخمة للمسؤولين المعنيين، خاصةُ المسؤولين في وزارة التجارة والتموين (24).

تشمل أكثر المواد والسلع التي تُهرب الدقيق والماشية والذرة، التي تبلغ قيمة استيرادها ملايين الجنيهات، وشملت قائمة السلع والبضائع المستوردة بشكل غير قانوني السيارات والملابس وأعواد الثقاب (الكبريت). على سبيل المثال، في العام 1981 كشفت السلطات المعنية عن عملية تهريب تحتوي على أقمشة بـ 4 ملايين جنيه سوداني، وأعواد ثقاب بمليون جنيه، وسيارات بقيمة نصف مليون جنيه. (25)

بيعت السلع والبضائع التي يجري تهريبها خارج البلاد بأسعار مرتفعة لأنها أكثر ندرة في الدول المجاورة، الأمر الذي يحقق ثروات ضخمة للمهربين.

أدى التهريب لتأثيرات سلبية على الاقتصاد السوداني حيث توسعت عملياته، ففي العام 1981 شكل التهريب ما يعادل 15% من إجمالي التجارة الخارجية للبلاد، إذ تُقدر قيمته بـ 250 مليون جنيه، وهو ما لا يعتبر مبلغاً بسيطاً بالنظر إلى الموارد الاقتصادية الشحيحة للسودان.

2.3: الجزء الثاني: الاستيلاء على مشاريع رأسمالية في القطاع الزراعي

يشمل الجزءالثاني من الفساد الذي نريد تحليله خصخصة الأراضي الزراعية المملوكة للدولة والسبل المتبعة في توزيعها للقطاع الخاص.

 أنشأت الدولة وطورت المشاريع الزراعية المملوكة لها في ثلاث مناطق مع دمج المشاريع الرأسمالية المملوكة للقطاع الخاص، وهي القضارف والدمازين وهبيلا (26)، وكان الهدف الرئيسي هو القيام بالأبحاث ومشاركة نتائجها مع القطاع الخاص للاستفادة منها في تطوير المشاريع الزراعية. ومن أهم جوانب الأبحاث تحسين جودة البذور، وتصميم أفضل دورة زراعية وأكثر الطرق كفاءة لاستخدام المواد الكيميائية لتحسين الإنتاجية.

تبلغ مساحة كل مزرعة من مزارع الدولة 30,000 فدان (27) مقسمة إلى 30 وحدة (الوحدة 1000 فدان)، وتزرع بمحصولين رئيسيين هما الذرة الرفيعة والسمسم. ضمن جهودها لتقديم الدعم غير المستحق للقطاع الخاص، دعت الدولة لتفكيك القطاع العام وبيع أصوله لرأس المال الخاص. (28)

وتتميز المزارع المملوكة للدولة بارتفاع الكفاءة والإنتاجية لأنها تتبع دورات زراعية وتستخدم الأسمدة الكيماوية وذلك بناءً على أساليب علمية دقيقة. وتشكل خصخصة هذه المشاريع خروجاً على السياسة المعلنة للدولة التي تُركز على تولي القطاع العام قيادة التنمية. (29)

كما أشرنا سابقاً، فإن خصخصة المشاريع الزراعية المملوكة للدولة تنطوي على ممارستين من الفساد، الأولى هي الوسيلة المتبعة في توزيع المشاريع والثانية: التكوين الاجتماعي للمُلاّك الجدد لهذه المشاريع.

1.2.3 طريقة توزيع مشاريع الدولة الزراعية

بصفتها المؤسسة الحكومية المعنية بالمراقبة والإشراف على المشاريع الزراعية الرأسمالية في المناطق الزراعية المطرية في السودان، بما فيها المشاريع المملوكة للقطاع الخاص، تقوم المؤسسة العامة للزراعة الآلية بالتالي: تأسيس لجنة مستقلة تضم  حاكم الإقليم، أو من يمثله، والمدير الإقليمي للمؤسسة العامة للزراعة الآلية وممثلين عن كل من البنك الزراعي السوداني، ولجنة استخدام الأراضي، ومجلس المنطقة، وعضوين منتخبين من المجالس الإقليمية لترسيم وتوزيع المشاريع الزراعية الرأسمالية.

تشمل المعايير التي وضعتها هيئة الزراعة الآلية للحصول على مشروع زراعي ضمن شروط أخرى، أن يكون الفرد:

 أ) سوداني الجنسية

 ب) لديه خبرة كافية في المجال الزراعي

ت) لديه الوقت الكافي لإدارة المشروع الزراعي

 ث) لديه رأسمال كاف لشراء جرار زراعي. (30)

مع ذلك، لم تتوافق الطريقة المتبعة في خصخصة المشاريع الزراعية المملوكة للدولة في منطقة هبيلا مع المعايير التي وضعتها مؤسسة الزراعة الآلية.

يقع مشروع هبيلا الزراعي، الذي نستخدمه هنا مثالاً لدراسة الحالة، في  قلب منطقة جبال النوبة بمحافظة جنوب كردفان، غرب السودان. ومثل بقية المشاريع المملوكة للدولة، كُلف مشروع هبيلا الزراعي بإجراء البحوث الزراعية وتوفير نتائجها للقطاع الخاص للاستفادة منها في تحسين الإنتاجية. وبدلاً من اتباع معايير التوزيع المتبعة، اختارت المؤسسة العامة للزراعة الآلية نهجاً مختلفاً في تنفيذ دعوة الحكومة لخصخصة مشاريع الدولة، إذ قامت بخصخصة أراضي المشروع في سرية تامة في المقر الرئيسي للمؤسسة في الخرطوم دون معرفة السلطات الإقليمية بمحافظة جنوب كردفان. ونتيجةً لهذه الممارسة الفاسدة، لم تنطبق من المعايير المحددة لتوزيع المشاريع الزراعية على الملاك الجدد ما عدا شرط واحد فقط هو أنهم من حاملي الجنسية السودانية!

بالإضافة إلى ذلك، وهذا هو المؤشر الأكثر أهمية هنا، أن هؤلاء الذين حصلوا على المشاريع الزراعية يشغلون مناصب عامة رئيسية في جهاز الدولة، كما يكشف القسم التالي.

2.2.3. التكوين الاجتماعي للمُلاّك الجدد للمشاريع

يوضح الجدول رقم (4) أدناه التكوين الاجتماعي للملاك الجدد للمشاريع الزراعية التي كانت مملوكة للدولة ضمن مشروع هبيلا الزراعي.

الجدول رقم 4- التكوين الاجتماعي للمُلاّك الجدد للمشاريع

رقم المشروعمالك المشروع رقم الرسالة الخاصة بتمليك المشروعتاريخ الرسالة
178عم المدير العام للمؤسسة العامة للزراعة الآلية38/J/214 أبريل 1983
79والد المدير العام للمؤسسة العامة للزراعة الآلية38/J/214 أبريل 1983
80ابن نائب المدير العام للمؤسسة العامة للزراعة الآلية38/J/214 أبريل 1983
81عم نائب المدير العام للمؤسسة العامة للزراعة الآلية38/J/214 مايو 1983
64نائب رئيس المجلس التشريعي الإقليمي في كردفان38/J/217 أبريل 1983
37وزير الزراعة الإقليمي في كردفان38/J/219 مايو 1983
36وزير المالية الإقليمي في كردفان38/J/219 مايو 1983
22محافظ سابق- كردفان38/J/219 مايو 1983
23ضابط متقاعد في الجيش السوداني38/J/219 مايو 1983

المصدر: رئاسة المؤسسة العامة للزراعة الآلية ، الخرطوم

كما يتضح من الجدول 4 ، تمكن المدير العام ونائبه من منح أربعة مشاريع زراعية لأفراد من أسرهم: عم ووالد الأول، وإبن وعم الثاني.

وتشمل قائمة المستفيدين الآخرين وزير الزراعة في إقليم كردفان، الذي يعتبر المسؤول عن توزيع المشاريع الزراعية في المنطقة، ووزير المالية الإقليمي، المسؤول عن توفير التمويل لهذه المشاريع، حيث تمكن الوزيران من الحصول على مشاريع زراعية بحكم مواقعهم السياسية وبالتعارض مع المعايير التي وضعتها المؤسسة العامة للزراعة الآلية. ومن الشخصيات التي تولت مناصب رفيعة في جهاز الدولة من الحاصلين على مشاريع زراعية في هبيلا حاكم سابق لكردفان ونائب رئيس المجلس التشريعي الإقليمي وضابط متقاعد برتبة رفيعة في الجيش.

ولا يتوفر للملاك الجدد الوقت الكافي أو الخبرة في المجال الزراعي أو رأس المال اللازم. في الواقع، قد لا يرى بعضهم “مشاريعهم” على الإطلاق، وذلك نظراً لانتشار ظاهرة التوكيل (31) حيث يقوم المالك الأصلي بالحصول على 50% من إجمالي الربح دون إنفاق قرش واحد، فكل ما يحتاجه هو إصدار توكيل للممول. وبهذه الطريقة، حصل ممول واحد على توكيل لأربعة من المشاريع الزراعية المخصخصة هي المشاريع رقم 78 و79 و80 و81. تطلب ذلك، إبعاد المالك السابق للمشروع رقم 78، وهو زراعي ومسؤول سابق في المؤسسة العامة للزراعة الآلية، وكان يستثمر في المشروع عدة سنوات، إذ مُنح المشروع لـعم المدير العام للمؤسسة العامة للزراعة الآلية، فيما منح المالك السابق للمشروع قطعة أخرى رقم 9 على سبيل التعويض، وهي القطعة التي يدعي إنها أقل خصوبةً من القطعة رقم 78 التي انتزعت منه.

يكمن التأثير الأكثر خطورة لهذه الممارسة، بجانب أنها من الممارسات الفاسدة، في أنها تساعد على بناء حلقة صغيرة من الممولين الذين يسيطرون على معظم الإنتاج الزراعي، الأمر الذي يسهم في تعزيز الاحتكار في القطاع الزراعي.

وفي غياب رقابة صارمة وفعّالة من الدولة، سيؤدي إلى زيادة مستمرة في تكلفة الاستثمار والسلع الاستهلاكية. والنتيجة النهائية لهذه العملية هي زيادة الديون والقروض على صغار المزارعين والعمال الزراعيين، وإمكانية انهيار القطاع الزراعي نفسه على الأمد الطويل.

خريطة مشاريع الدولة الزراعية في هبيلا

        شمال

12111098
2625242322
4039383736
5453525150
6867666564
8281807978

المصدر: رئاسة المكتب الإقليمي للمؤسسة العامة للزراعة الآلية، الدلنج

3.3 الجزء الثالث: الاستثمار في المجال التجاري

الجانب الأخير الذي سنتناوله في هذا القسم مرتبط بالمجال التجاري، خاصةً الشركات التجارية. منذ أن أعلنت الحكومة سياسة الباب المفتوح، مرة أخرى، في العام 1973 زاد حجم القطاع التجاري بشكل كبير وعلى حساب القطاعات الإنتاجية للاقتصاد، بالذات القطاع الزراعي.

من أهم السمات المثيرة للانتباه في الاقتصاد السوداني المعاصر هو هيمنة المؤسسات المسماة “إسلامية” على الاقتصاد، خاصة البنوك والشركات التجارية. بدأت هذه الهيمنة بتأسيس بنك فيصل الإسلامي في منتصف السبعينيات، ثم تلته نحو خمسة بنوك إسلامية أخرى. (32)

يمكن أن نُعزي المكاسب والأرباح التي تحققها هذه الأنشطة المصرفية إلى الدعم غير المشروط الذي توفره لها الدولة، ويتجلى هذا بشكل خاص في الإعفاء من الضرائب وحقها في تحويل كامل أرباحها إلى خارج البلاد. ونعتقد أن هذه التسهيلات لو منحت للبنوك الوطنية السودانية لتمكنت من تحقيق نفس مستوى النجاح، وربما أعلى من ذلك، إذا أخذنا بعين الاعتبار الخبرات التي تمتلكها البنوك السودانية. (33)

من المعروف أن البنوك، مثل جميع المؤسسات الأخرى في القطاع التجاري، لا تخلق القيمة، ما يعني أنها لا تضيف أي قيمة للمنتجات النهائية لأي اقتصاد، لكنها تلعب دوراً مهماً للغاية فيما يتعلق بتوزيع الدخل.

تقوم البنوك بدور حاسم في إعادة تدوير الفائض الاقتصادي المتاح  لمصلحة طبقة أو طبقات اجتماعية معينة في المجتمع. ونعتقد أن تأسيس هذه المؤسسات الإسلامية بوضح صراع السلطة في أوساط رأس المال الاحتكاري وحلفائه المحليين، خاصةً رأس المال السعودي. (34)

وفي حالة السودان، تقدم هذه المؤسسات الإسلامية نموذجاً للزواج بين السلطة السياسية ورأس المال، وهو ما يتضح عند دراسة حالة شركة التنمية الإسلامية- السودان المحدودة (35)  في هذا القسم.

1.3.3 موجز عن تاريخ شركة التنمية الإسلامية

تأسست شركة التنمية الإسلامية في 25 مايو 1983  شركة مساهمة محدودة وفقا لقانون الشركات للعام 1925 لكنها بدأت عملياتها رسمياً في 20 أكتوبر 1983، وبلغت تكاليف تأسيسها، بما في ذلك رسوم التسجيل، مليوني (2) جنيه سوداني، ورأس المال المصرح به واحد مليار دولار أمريكي، وقيمة السهم دولار أمريكي واحد.

60% من الأسهم مملوكة لغير السودانيين من مسلمين من جميع أنحاء العالم، فيما يملك سودانيون حصة 40% المتبقية من أسهم الشركة. ولا يجب أن يقل الحد الأدنى لرأس المال العامل للشركة عن 10 ملايين دولار أمريكي. عندما تأسست الشركة، قام المؤسسون بدفع قيمة 40 مليون سهم، حيث دفعواً 25% من قيمة الأسهم فوراً، على أن تُدفع البقية كالتالي: 25% بنهاية شهر أكتوبر 1983، والـ 50% المتبقية بحلول منتصف شهر ديسمبر 1983.

كان الحد الأدنى لعدد الأسهم لكل مساهم 100 ألف سهم، والحد الأقصى لكل مساهم مؤسس 500 ألف سهم أما الحد الأقصى لبقية المساهمين فتتراوح بين 20 إلى 100 ألف سهم، وكان من المقرر دفع قيمة الأسهم بالدولار الأمريكي.

3-3-2 أهداف شركة التنمية الإسلامية

 تستهدف الشركة الاستثمار في نشاطات اقتصادية متعددة ومتنوعة، وتحديداً تشمل هذه المجالات: الزراعة والصناعة والخدمات والبناء والتشييد والإسكان والتعدين وتأسيس البنوك الإسلامية. وتشمل هذه المجالات نشاطات إنتاجية وتسويقية.

عملياً، لم تتمكن الشركة من بدء ممارسة نشاطاتها في كل هذه المجالات في الوقت نفسه، إذ بدأت بقطاع واحد. مثل سابقاتها، ركزت الشركة معظم استثماراتها في قطاع التجارة، وتحديداً في الجزء الخارجي منه، أي الاستيراد والتصدير. جاء هذا التركيز نظراً لأن الاستيراد والتصدير يعد أسهل وأسرع وسيلة لتحقيق معدلات ربح مرتفعة في السودان حالياً.

عادةً ما يكون هدف “الاستثمار في القطاعات الإنتاجية للاقتصاد”، المُدرج ضمن أهداف مثل هذه الشركات، إجراء روتينياً لتبرير الحصول على الترخيص والتسهيلات الأخرى التي تضمنها قانون الاستثمار لعام 1980، والتي تشمل، ضمن تسهيلات أخرى، الإعفاء من الضرائب والرسوم الجمركية، والحصول على قطعة أرض مجانية، وكذلك الطاقة بأسعار مخفضة، وتحويل رأس المال والأرباح إلى الخارج.

تتضح العلاقة بين السلطة السياسية وتحقيق المكاسب المالية من خلال هذه المؤسسات في القسمين التاليين:

3.3.3 تكوين مجلس إدارة شركة التنمية الإسلامية

من أجل اختيار أحد المساهمين عضواً في مجلس الإدارة، يجب أن يمتلك 100 ألف سهم من أسهم الشركة كحد أدنى. بمعنى آخر، أن يكون أحد الأعضاء المؤسسين للشركة. يتكون مجلس إدارة الشركة من عشرة أعضاء، أربعة منهم سودانيون والبقية من الأجانب، ومعظمهم من المواطنين السعوديين. رئيس مجلس الإدارة أمير سعودي، وابن الملك السعودي الراحل، فيصل.  

أعضاء مجلس الإدارة من السودانيين هم: نجل الزعيم الروحي للحزب الاتحادي الديمقراطي، الذي يمثل مصالح الشريحة التجارية للطبقة الرأسمالية السودانية. أما بقية أعضاء مجلس الإدارة فهم  قادة بارزين في جبهة الميثاق الإسلامي، الاسم السوداني لجماعة الإخوان المسلمين. (36)

أحدهم كان عضواً في البرلمان (الجمعية التأسيسية) في منتصف الستينيات، وحالياً يعمل مديراً لمكتب الأمير السعودي، الذي يرأس مجلس إدارة شركة التنمية الإسلامية، والثاني هو رجل أعمال بارز وشقيق المستشار القانوني لشركة التنمية الإسلامية، وهي وظيفة رفيعة ومميزة وفقاً للهيكل الهرمي للشركة. أما الثالث فهو رجل أعمال بارز وعضو في مجلس الشعب القومي (البرلمان السوداني  منذ أواخر السبعينات).

منذ تخليهم عن (الجبهة الوطنية) المعارضة، التي كانت تستهدف الإطاحة بنظام الرئيس نميري في العام 1977, (37) سيطر الإخوان المسلمين وبعض رموز الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة على المشهد السياسي في السودان، حيث شغلوا مناصب سياسية رفيعة في الاتحاد الاشتراكي السوداني، التنظيم السياسي الوحيد المعترف به قانوناً في البلاد، كما شغلوا مناصب رفيعة في جهاز الدولة.

يصدق هذا الأمر بشكل أكثر على الإخوان المسلمين، حيث يشغل قائدهم عضوية المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي السوداني، أعلى جهاز سياسي في النظام، وتشمل المناصب الوزارية التي شغلها النائب العام، ومستشار رئيس الدولة للشؤون الخارجية، الذي يشغله حالياً. وبحكم منصبه، فهو عضو في مجلس الشعب القومي.

لا تقتصر إستراتيجية الإخوان المسلمين على مجرد الهيمنة على الهيئات السياسية والتنفيذية في الدولة، حيث يركز هدفهم على تعزيز نشاطاتهم الاقتصادية، ويجب أن تلعب الدولة دور (القابلة) في هذه العملية. وتتركز معظم هذه النشاطات في القطاع التجاري، حيث استخدموا جهاز الدولة لتأسيس هذه المؤسسات الإسلامية، التي بدأت بتأسيس بنك فيصل الإسلامي ولن يكون تأسيس شركة التنمية الإسلامية آخرها حيث لا يعني ذلك نهاية التناقضات والصراع على السلطة داخل رأس المال الاحتكاري الأجنبي وحلفائه السودانيين.

توضح هذه العملية أيضاً الطبيعة التابعة للرأسمالية السودانية، ويمكن توصيفها بأنها (وليدة الرأسمالية التجارية السعودية)، كما توضح هذه العملية الهيمنة السياسية على السودان، والتي بلغت ذروتها في إعلان قوانين “الشريعة ” في البلاد في سبتمبر 1983.

تُحظى هذه العملية بالدعم الكامل من أعلى المستويات السياسية والتنفيذية في الدولة، كما يظهر من القسم التالي.

4.3.3 الأعضاء المؤسسون لشركة التنمية الإسلامية

بلغ عدد الأعضاء المؤسسين لشركة التنمية الإسلامية 154 عضواً من الأفراد والشركات، منهم 49 من السودان (بنسبة 31.8% من إجمالي الأعضاء المؤسسين)، و76 من السعودية (بنسبة 49.4%) ويشكل الأعضاء المؤسسين من السعودية والسودان 81.2% من إجمالي الأعضاء المؤسسين بينما ينتمي غالبية بقية الأعضاء المؤسسين لشركة التنمية الإسلامية إلى الكويت واليمن ومصر. وتوضح هذه البيانات هيمنة رأس المال السعودي والسوداني على الشركة.

الآن، سنقوم بتحليل خلفية بعض الأعضاء المؤسسين لشركة التنمية الإسلامية، أي أولئك الذين يتولون مناصب سياسية رفيعة أو في الجهاز التنفيذي للدولة.

يوضح الجدول رقم (5) أدناه ذلك، حيث يشمل حالات لأعضاء مؤسسين نعرف ارتباطاتهم السياسية، أي الشخصيات البارزة، ولا يشمل أعضاء مجلس الإدارة لأننا قمنا باستعراضها في القسم السابق.

الجدول رقم (5) الأعضاء المؤسسون لشركة التنمية الإسلامية

رقم العضو المؤسسالمنصبقيمة الأسهم (بالدولار الأمريكي
1رئيس جمهورية السودان الديمقراطية100,000
2نائب رئيس جمهورية السودان الديمقراطية100,000
7وزير المالية والتخطيط الاقتصادي100,000
16المدير العام للمؤسسة العسكرية الاقتصادية100,000
126رجل أعمال100,000
150رجل أعمال100,000

المصدر: شركة التنمية الإسلامية، كتيب المساهمين

رقم العضو المؤسس هنا يعتمد على الترتيب في كتيب المساهمين لشركة التنمية الإسلامية.

الحالة رقم (1) لا تحتاج إلى التعليق، فهو رئيس الجمهورية، أعلى سلطة تنفيذية، ورئيس الاتحاد الاشتراكي السوداني، أعلى سلطة سياسية في الدولة.

الحالة رقم (2) هو نائب رئيس الجمهورية ورئيس جهاز أمن الدولة، ومنصبه الأول هو ثاني أعلى منصب تنفيذي في الدولة، أما منصبه الثاني فهو أكثر المناصب قوةً ونفوذاً.

إذا افترضنا أن الراتب السنوي لنائب رئيس الجمهورية ورئيس جهاز أمن الدولة هو 25 ألف جنيه سوداني (الراتب المُعلن لرئيس الجمهورية هو 30 ألف جنيه سوداني)، وحيث أن سعر الصرف الرسمي للدولار الأمريكي هو 1.8 جنيه سوداني، فإن نائب الرئيس يحتاج إلى حوالى سبع (7) سنوات من العمل من أجل كسب قيمة الأسهم التي يملكها في شركة التنمية الإسلامية (أي 100 ألف سهم)، لكنه شغل منصبه الحالي لمدة ثلاث سنوات فقط!  لذلك، فهناك فرق أربع سنوات من الدخل.

الحالة رقم (7) هو وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، وعضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي السوداني. إذا كان راتبه السنوي 20 ألف جنيه سوداني، ووفقاً لسعر الصرف الرسمي، يحتاج تسع (9) سنوات لتوفير قيمة أسهمه في الشركة، لكنه شغل منصبه الحالي لمدة خمس سنوات تقريباً. لذلك، هناك فرق أربع سنوات.

الحالة رقم (16) هو المدير العام للمؤسسة العسكرية الاقتصادية، التي تضم سبع (7) شركات فرعية تستثمر في مجالات اقتصادية مختلفة تتراوح من النقل إلى الصناعة. وبافتراض أن راتبه السنوي يبلغ 15 ألف جنيه سوداني، فإنه يحتاج وفقاً لسعر الصرف الرسمي نفسه إلى 12 سنة من العمل لتوفير قيمة الأسهم التي يمتلكها في الشركة. وكونه شغل منصبه الحالي لمدة أربع سنوات فقط، فهناك فرق دخل 8 سنوات.

الحالة رقم (126) خريج كلية الاقتصاد في العام 1973، وكان من القيادات البارزة في حركة الإخوان المسلمين خلال مرحلة الدراسة. وإذا كان يحصل على الحد الأعلى لراتب خريج في تخصصه، أي 6 آلاف جنيه سوداني في السنة، وبسعر الصرف نفسه، فإنه يحتاج 30 سنة لتوفير قيمة الأسهم التي يمتلكها، لكنه تخرج قبل 11 سنة فقط.

الحالة الأخيرة التي نستعرضها هي رقم  (150)، فقد كان وما زال أحد القيادات البارزة  في حركة الإخوان المسلمين. بدأ حياته المهنية مديراً لمدرسة ثانوية عامة (متوسطة) خاصة، كما عمل رئيساً لمجلس إدارة صحيفة الأيام، إحدى الصحيفتين المملوكتين للدولة، لمدة سنة تقريباً بعد ما سمي بـالمصالحة الوطنية في العام 1977. وحالياً، يشغل منصب رئيس لجان مجلس الشعب القومي.

وإذا كان يتقاضى أعلى راتب في جدول رواتب مهنته الأصلية، أي 1800 جنيه سوداني سنوياً، فهو يحتاج مائة (100) سنة لتوفير قيمة الأسهم التي يملكها في الشركة.

وبما أن شركة التنمية الإسلامية مملوكة جزئياً من قبل رئيس الجمهورية ونائب رئيس الجمهورية ووزير المالية والتخطيط الاقتصادي، فإنها تحظى بكل السلطة الاقتصادية والسياسية التي تحتاجها لـ”ابتلاع” معظم الشركات الأخرى التي تعمل في المجال نفسه. بالتالي، تؤدي إلى حالة من الاحتكار بكل عواقبه في اقتصاد دولة مثل السودان.

السمة الأخرى للتكوين الاقتصادي- الاجتماعي تكمن في مشاركة القادة السياسيين الذين يتولون المناصب الرفيعة، مثل رئاسة الجمهورية، في قطاع الأعمال. ولا يعتبر هذا الأمر شائعاً أو مُمارساً  في العديد من الدول الغربية التي يفخر النظام الحالي بكونه الحليف الرئيسي لها في القرن الإفريقي، والمدافع عن نظمها السياسية والاقتصادية. في الواقع، فإن المتعارف عليه في الدول الغربية هو إقناع رجال الأعمال الذين يريدون العمل في السياسة بالابتعاد عن قطاع الأعمال خلال شغل مناصب عامة، وليس العكس كما في حالة السودان.

تُعزز حالة شركة التنمية الإسلامية فرضيتنا التي طُرحت في بداية هذا البحث عن العلاقة بين السلطة السياسية والكسب المالي.

4.3 الجزء الرابع: الفساد في جنوب السودان

قبل أن نختتم هذه الورقة، نود تقديم عرض موجزعن الفساد في الجزء الجنوبي من البلاد، وذلك ليس لكونه يختلف عن بقية أنحاء الدولة، بل لأنه حصل على نوع من المميزات الخاصة.

كان الإقليم الجنوبي كياناً يتمتع بالحكم الذاتي، قبل تقسيمه إلى ثلاثة أقاليم في يونيو 1983، ولديه مجلس شعب إقليمي ومجلس وزراء خاص به (المجلس التنفيذي الأعلى)، وذلك بعد التوقيع على اتفاقية أديس أبابا للسلام في مارس 1972 التي أنهت حرباً دامت 17 عاماً بين الحكومة المركزية والحركات الجنوبية المتمردة عليها.

من السمات الأخرى للجنوب أنه يعد الأقل تنميةً، تاريخياً، في البلاد، ويرجع ذلك أساساً للسياسات الاقتصادية والسياسية الاستعمارية، والسياسات الاقتصادية المحافظة التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة. أدى هذا الوضع إلى انتشار الأمية ونقص التغذية والمأوى وضعف وسائل النقل والخدمات الطبية في الجنوب، مع خلق شريحة مرفهة من عدد قليل من المتعلمين الذين حازوا على نفوذ مؤثر. تلقى هؤلاء تعليمهم في الخرطوم وشرق إفريقيا والجامعات الغربية. وهؤلاء هم الذين تولوا السلطة السياسية بعد اتفاقية أديس أبابا 1972، وأصبحوا مسؤولين عن إدارة الجنوب منذ تلك الفترة.

في ظل هذه الظروف، أرادت النخبة في الجنوب إثراء نفسها في أسرع وقت ممكن حتى تكون في المستوى نفسه مع زملائهم في الشمال. لذلك،  لجأت إلى الفساد باعتباره أسرع طريقة لكسب المال.

تتعلق أبرز قضيتي فساد (38) في الجنوب باختلاس الأموال العامة. الحالة الأولى خاصة بالمواد الغذائية التي تورد للمدارس والسجون بأسعار أعلى من التكلفة الحقيقية، وكلف هذا الفرق في الأسعار الخزينة العامة 13 مليون جنيه سوداني شقت طريقها إلى جيوب مسؤولين حكوميين ومقاولين.

أما  القضية الثانية فهي مرتبطة بمشروع التقييم الوظيفي الذي طُبق على جميع موظفي الحكومة خلال النصف الثاني من السبعينيات، ونجمت عنه زيادات في أجور ورواتب مختلف العاملين في القطاع العام. ودفعت الزيادات مرتين للعاملين في القطاع العام في الجنوب، لكن ذلك حدث على الورق فقط، إذ لم يحصل أي موظف أو عامل واحد على هذه الزيادة، بل تسربت الزيادات إلى جيوب مسؤولين حكوميين من المكلفين بتنفيذ المشروع. لم يحدد مصدرنا قيمة المبالغ المختلسة لكنه يعتقد أنها تبلغ ملايين الجنيهات السودانية.

خاتمة

إن النقطة الأساسية التي يجب التأكيد عليها، في ختام هذه الورقة،  هي حقيقة أن الشريحة الطفيلية من الطبقة الرأسمالية السودانية، في سعيها لتحقيق المزيد من المكاسب المالية، تتفادي بشكل مستمر الاستثمار في القطاعات الإنتاجية للاقتصاد. على العكس من ذلك، تعتمد هذه الشريحة الطفيلية على الفساد من أجل تحقيق هدفها الخاص.

تلجأ الشريحة الطفيلية إلى الفساد من أجل تحقيق هدفها، مع استخدام جهاز الدولة بوصفه دافعة لهذه العملية.  لذلك، نرى تركز أهم سلطتين، أي السلطة والثروة،  في أيدي شريحة من طبقة اجتماعية واحدة، وهو أمر مفهوم إذ أن الدولة، من نواحِ كثيرة، تشكل محور النشاطات التجارية، وتتحكم في سبل الحصول على التسهيلات الائتمانية والتراخيص التجارية، وتقرر شروط وقيود التصدير والأسعار وما إلى ذلك.

علاوةً على ذلك، فالدولة هي التي تُصدر التشريعات التي تحكم وتُنظم مستويات الثروة والدخل لمختلف الطبقات الاجتماعية، وتشمل هذه القوانين التي تحدد ضريبة الدخل، وضريبة أرباح الأعمال، والضرائب غير المباشرة، والتشريعات المتعلقة بالحد الأدنى للأجور والإيجار والأراضي والاتحادات المهنية والنقابات العمالية.

بإيجاز،  ففي ظل  التكوين السياسي- الاقتصادي الحالي للمجتمع السوداني، أصبح الفساد، الذي يحُيط بالدولة كمحور للمكاسب المالية، نمطاً لـتوليد الدخل لصالح الشريحة الطفيلية من الطبقة الرأسمالية السودانية.

في غياب قاعدة اقتصادية إنتاجية، تسعى هذه الشريحة الطفيلية للحصول على القليل المتبقي من الفائض الاقتصادي الذي يخلفه رأس المال الاحتكاري العالمي. هنا يكمن التناقض، وبالتالي، الصراع بين مصالح الشريحة الطفيلية للرأسمالية وبقية الطبقات، بما فيها الشريحة “الوطنية”[6] من الطبقة الرأسمالية.

يقودنا ذلك إلى النقطة المهمة التي أُثيرت في بداية الورقة، أي اللجوء للعنف والقمع السياسي، الذي يُعد ضرورياً للتعامل مع مترتبات الصراع بين الشريحة الطفيلية للرأسمالية السودانية وحلفائها مع بقية المجتمع السوداني.

يؤدي فشل هذه الشريحة الطفيلية في تولي الدور الذي يلعبه رأس المال الاحتكاري الأجنبي وتوجيه رؤوس أموالها نحو القطاعات الإنتاجية للاقتصاد إلى التدخل المباشر للدولة من أجل إصدار تشريعات تحمي مصالح هذه الشريحة الطفيلية.

وفي هذا السياق، فإن القرب من السلطة السياسية يحل محل الاستثمار المنتج باعتباره مصدراً رئيسياً للدخل.

من أجل المحافظة على كفاءة جهاز الدولة للقمع وتعزيز كفاءته لا بد من زيادة الإنفاق على مؤسسات مثل الشرطة والجيش وأجهزة الأمن والسجون، التي ستضيف المزيد إلى أزمة دولة ما بعد الاستعمار في السودان لكنها ستضمن إعادة إنتاج الطبقة الطفيلية.

ويمكن الحكم على مدى انتشار الفساد في السودان من خلال تصرفات رئيس البلاد، إذ كان المبرر الرئيسي الذي قدمه لإعلان حالة الطوارئ في البلاد في 29 أبريل من العام الجاري (1983) هو “تنفيذ القانون وشن حرب ضد الفساد والتخريب السياسي والاقتصادي والاجتماعي”. (39) وجاء تشكيل 12 محكمة طوارئ بالخرطوم وحدها للتعامل مع الفساد عقب إعلان حالة الطوارئ.

نرى أن مثل هذه السياسة تقدم نموذجاً جيداً للاعتقاد بأن الفساد مجرد عمل إجرامي فردي، والأكثر عرضة لمثل هذه التدابير هم من الشرائح الفقيرة في المجتمع الذين لا فرصة لهم للمشاركة في أجهزة الدولة، وذلك لأن هذه المحاكم ستتأثر، وفقاً لما نراه، بالفساد في الدولة: (40)

والنقطة الأخيرة التي نود التأكيد عليها هي أن المحاكم، مهما كانت كفاءتها، لن تنجح في القضاء على الفساد ما لم يكن هناك تغيير جذري في  الإستراتيجية والتركيبة الاجتماعية-الاقتصادية للمجتمع كونها تشكل، في تقديرنا، الأساس الحقيقي للفساد.

 

الهوامش والمراجع

ملحوظة:

فيما يتعلق بالهوامش والمراجع، قمت بترجمة المصادر التي كتبت باللغة العربية في الأصل، وتلك التي تُرجمت إلى اللغة العربية، حسب علمي، أما المراجع باللغة الإنجليزية فذكرت كما هي.

  1. C. Leys, “What is the Problem about Corruption” in M.U. Ekpo (ed.), Bureaucratic Corruption in Sub-Saharan Africa, Washington. University Press of America, 1979. p.137
  2.  R. Klitgaard, “Managing the Fight against Corruption: A case study”, Public Administration and Development, vol. 4 (1), 1984.
  3. للراغبين في الإطلاع على المزيد من القراءات النظرية في المجال يمكن الرجوع إلى
  4. D. Gould, Bureaucratic Corruption and Underdevelopment in the Third WorId : The Case of Zaire. New York, Pergamon, 1980.
  5. G. Myrdal, “Corruption as a hindrance to modernization in South Asia”, A. Heidenheimer(ed.), Political Corruption: Readings in Comparative Analysis, New York, Holt, Rinehart and Winston, 1970
  6.  S. Rose-Ackerman, Corruption: A study in Political Economy, New York, Academic Press, 1978.
  7. M. Lopez-Rey, Crime: An Analytic Appraisal, London, Routledge and Kegan Paul, 1970, G. H. Boehringer and D. Giles, “Criminology and Neo-Colonialism: The Case of Papua New Guinea”, in Crime and Justice, No.8, Fall 1977, pp 58-63, C. Summer (ed.) Crime, Justice and Underdevelopment, London, Heineman, 1982.
  8.  C. Summer, op.cit., p.5
  9. Ibid., p.26
  10. 7.Ib id., p. 2
  11. Julius Gould and William L. Kolb (eds.), A Dictionary of the Social Sciences, New York, Free Press, 1964. p .142
  12. Summer, op.cit.
  13. See J. E. Goldthorpe, The Sociology of the Third World: Disparity and Involvement, Cambridge, Cambridge University Press, 1975 and A. M. Hoogvelt, The Sociology of Developing Societies, London, The Macmillan Press Ltd., 1978.
  14.  J. E. Goldthorpe, op.cit., p.265
  15.  Ibid., p.266
  16. A. M. Hoogvelt, op.cit., p.137
  17. لتحليل أكثر شمولاً عن التشكيل الطبقي للدولة السودانية، أنظر أطروحة دكتوراه إبراهيم الكرسني “تأثيرات الرأسمالية على ماضي ومستقبل تنمية الزراعة قبل الرأسمالية في السودان مع تركيز خاص على منطقة جبال النوبة”

“The Effects of Capitalism Upon the Past and Future Development of Pre-capitalist Agriculture in the Sudan: With Special Reference to the Nuba Mountains Region”. Unpublished Ph.D. Thesis, Leeds University, U.K., 1981, Specially Chapter Two.

  1. لم تُورد الأسماء في هذه الحالات على الرغم من أنها حالات حقيقية.
  2. جميع المعلومات الواردة في هذا الجزء مأخوذة من التقرير السنوي للمراجع العام لجمهورية السودان الديمقراطية عن السنة المالية 1981/1982، والتي نشرتها (الشرق الأوسط)، صحيفة العرب الدولية، التي تصدر من لندن. العدد رقم 1518، السنة الخامسة، الاثنين 24 يناير 1983 ، ص 3.
  3. المرجع نفسه.
  4. في  فعالية نظمها اتحاد أساتذة جامعة الخرطوم لدعم إضراب القضاة السودانيين، والتي عقدت في نادي الأساتذة في يوليو 1983، قال أحد القضاة من كسلا أن النائب العام (وزير العدل) طلب منه وقف الإجراءات في قضية فساد. المفارقة المؤسفة أن السبب الذي ذكره طلب الإيقاف كان “حماية المصلحة العامة”، وهو ما يفسره قضاة السودان، عادةً، بأنه يعني “تورط أحد كبار المسؤولين”.
  5. يتراوح الدين الخارجي للسودان بين 6 و 11.2 مليار دولار أمريكي استناداً إلى مصادر مختلفة، لكنه بالتأكيد ليس أقل من 7.5 مليار دولار أمريكي كما ورد في صحيفة “فاينانشال تايمز” يوم الثلاثاء 22 مايو 1984، ص 5.
  6. هذا ليس صحيحاً دائماً. على سبيل المثال، أغلق بنك الشعب التعاوني (أُدمج في بنك الخرطوم) مؤخراً، وكان السبب الرئيسي في ذلك، وفقاً لمصادر مطلعة، أن البنك منح قروضاً تزيد قيمتها عن إجمالي ودائع البنك لرجل أعمال سوداني واحد، أي ما يعادل ملايين الجنيهات السودانية.
  7. يمكن تقدير مدى الاختلاس في سفارات السودان بالخارج من إغلاق أكثر من عشرين سفارة خلال العام 1983.
  8. الجدير بالذكر أن الأسماء التي سُميت بها الأحياء التي تضم هذه البنايات (ذات الطوابق المتعددة التي يستهدف تأجيرها للسفارات والشركات والأجانب) ليست سودانية مثل الرياض والطائف (وهما من المدن السعودية).
  9. جميع المعلومات الواردة في هذا القسم مأخوذة من صحيفة الشرق الأوسط، مصدر سابق.
  10. أجبرت هذه الأنواع من الممارسات رئيس الجمهورية على تعيين وزير جديد من جهاز أمن الدولة في 2 مايو 1984 بهدف القضاء على الفساد في هذه الوزارة.
  11. الشرق الأوسط، مصدر سابق.
  12. لبحث تاريخي أكثر تفصيلاً وشمولية عن المشاريع الكبيرة للقطاع الخاص في القطاع الزراعي بالسودان، أنظر إبراهيم الكرسني:  “ديناميات وحدود تنمية رأس المال الخاص في القطاع الزراعي بالسودان- 

The Dynamics and Limits of Private Capitalist Development in Sudanese Agriculture- Development and Peace, Vol. 5 (1) 1984.

  • الفدان يساوي 0.42 هكتار
  • لتوضيح ذلك، يمكن الإشارة إلى خصخصة مؤسستي النيل الأزرق والنيل الأبيض الزراعية، ومقترح بيع الخطوط الجوية السودانية ومؤسسة الأشغال العامة على سبيل المثال لا الحصر.
  • مسألة القطاع الذي ينبغي أن يقود عملية التنمية هي موضوع ورقة يقوم بإعدادها الباحثان.
  • لنقد هذه المعايير أنظر إبراهيم الكرسني: ديناميات وحدود تنمية رأس المال الخاص في القطاع الزراعي بالسودان-  مرجع سابق.
  • التوكيل هو تفويض قانوني يُصدر من المحكمة لتمكين شخص من استخدام أصول شخص آخر. من الناحية القانونية قد يكون معادلاً لحقوق الملكية. من خلال هذه الوسيلة، تمكن عدد قليل من الناس السيطرة على أكثر من مشروع زراعي في هبيلا، وهو الأمر الذي تحظره لوائح هيئة الزراعة الآلية، ويتيح لهم التوكيل الحق في تمويل المشروع ومشاركة الأرباح مع صاحبها الأصلي. هؤلاء الممولين هم في الغالب التجار المقيمين في المنطقة نفسها ويحتكرون تجارة التجزئة.
  • من البنوك الإسلامية التي تأسست في تلك الفترة: البنك الإسلامي السوداني، بنك التضامن الإسلامي، بنك التنمية التعاوني الإسلامي، بنك البركة الإسلامي، والبنك الإسلامي لغرب السودان.
  • دراسة تجربة الصيرفة الإسلامية في السودان تقع خارج نطاق هذه الدراسة.
  • جاء إنشاء بنك البركة الإسلامي نتيجة لخلافات داخلية في الرأسمالية السعودية. وفي حين هيمن بنك فيصل الإسلامي، المملوك لنجل الملك الراحل فيصل، على البنوك الإسلامية القديمة، فإن أحد الشيوخ السعوديين البارزين، الذي كان عضواً مؤسساً في بنك فيصل الإسلامي في السودان، قام بدعم من السعودية والحكومة السودانية، بتأسيس بنك البركة الإسلامي، وامتلك 80% من أسهم البنك.
  • تستند جميع المعلومات المتعلقة بهذه الشركة على كتيبها الخاص بالمساهمين، الذي نشرته الدار الوطنية للطباعة والكتيب (بدون تاريخ) ويمكن الحصول عليه من المسجل التجاري، ديوان النائب العام- الخرطوم.
  • لإحاطة جيدة عن الأحزاب السياسية السودانية، أنظر محمد بشير حامد “سياسات المصالحة” “The Politics of Reconciliation”
  • لمزيد من التفاصيل حول تاريخ هذه الفترة، أنظر محمد بشير حامد “المواجهة والمصالحة في السياق الإفريقي: حالة السودان”

“Confrontation and Reconciliation within an African context: the case of Sudan”, Third World Quarterly, vol. 5 (2), April 1983.

  • نُشرت القضيتان في صحيفة الشرق الأوسط، مصدر سابق.
  • هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، الموجز العالمي، الشرق الأوسط 176821B11، 26 يونيو 1983.
  • في الثالث من مايو من السنة الحالية، أقال رئيس الجمهورية وزير الداخلية، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس جهاز أمن الدولة، بعد أسبوعين فقط من تعيينه. كان السبب الرسمي للإقالة هو محاولة الوزير التأثير على الإجراءات القانونية لإحدى محاكم الطوارئ.

([1]) حسب النظرية الكلاسيكية، عوامل أوعناصر الإنتاج الرئيسة هي الأرض (الموارد الطبيعية) والعمالة ورأس المال وريادة الأعمال (الإدارة)، وفي مرحلة التوزيع تُقسم كالآتي: الإيجارات عن الأرض، الأجور للعمالة، الفوائد لرأس المال، الأرباح لريادة الأعمال (الإدارة).. المترجم.

([2]) استخدم ترجمة  ومفهوم  الدول “النامية” developing countries   بتحفظ كونها من تأثيرات نظرية التطور الخطي للمجتمعات (Unilinear Evolution) التي ترى أن مختلف المجتمعات تمر بتسلسل محدد من المرحلة البدائية إلى المرحلة المتطورة، كما يشمل هذا التحفظ مفهوم وترجمة “التخلف”. (المترجم)

([3]) الكومبرادوية:  الطبقة التي تعتمد على التربح وتحقيق ثروات نقدية من العمل وكلاءً  لشركات ومؤسسات وجهات خارجية، وبالتالي ترتبط مصالحها بهذه الجهات. الكلمة من أصل برتغالي comprador، بمعنى بائع وكانت تُطلق على الصينيين الذين يعملون خدماً  للأوروبييين في جنوب الصين (مثل مستعمرة ماكاو البرتغالية)، ثم  أصبحت تعني الوكلاء الصينيين للشركات الأجنبية، واستخدم ماو تسي تونغ المصطلح في تحليله للتكوين الطبقي في بلاده. بعد ذلك، طور مفكرو مدرسة التبعية هذا المفهوم (المترجم).

([4]) يشير الباحثان إلى الفترة منذ مطلع السبعينيات حتى تاريخ كتابة الدراسة (أي العام 1984)، إذ شهدت تلك الفترة إطلاق وتطبيق “سياسة الباب المفتوح” في العام 1973، التي أصبحت الفلسفة الاقتصادية للسلطة السياسية. (المترجم)

([5]) يشير الباحثان إلى الحارة العاشرة بمدينة الثورة، أم درمان، التي شهدت واحدة من أشهر قضايا فساد الأراضي المعلنة آنذاك.

([6]) تؤدي ترجمة national capitalist class بـ”الرأسمالية الوطنية”، كما يشيع في الكثير من الأدبيات، إلى خلق الالتباس بين تعبير “الوطني”  الذي يعني الانتماء والولاء والتوافق مع مصالح الغالبية، و”الوطني” باعتباره مجرد نسبة للمكان (الوطن). لذلك، نفضل ترجمتها بـ” الرأسمالية المحلية”، كونها الأقرب للمفهوم والتعبير باللغة الإنجليزية في هذا السياق. (المترجم)

عن د. الواثق كمير

د. الواثق كمير

شاهد أيضاً

التأسيس أم الابتناء؟ في ضبط المفهوم لا محو التاريخ

الواثق كميرkameir@yahoo.comتورونتو، 19 يناير 2026 مُقدمة: لم يكن مصطلح «تأسيس الدولة» موضوعاً لنقاشٍ عام واسع …