الفِيتُو العَكْسِي: الاقْتِصَادُ السِيَاسِي لِتَنَافُر تَحَالُف المُثَلَّثِ العَرَبِي

الفِيتُو العَكْسِي: الاقْتِصَادُ السِيَاسِي لِتَنَافُر تَحَالُف المُثَلَّثِ العَرَبِي
Reverse Veto: The Political Economy of Arab Triangle Alliance Discord
بروفيسور مكي المدني الشبلي
المدير التنفيذي، مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

  1. المثلث العربي: ديناميكية التحالف والتنافر
    تكشف الحرب المستمرة في السودان عن تصدعات عميقة وربما دائمة في مثلث إقليمي كان يُعد من أكثر التحالفات تماسُكاً: مصر، الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية. فعلى مدى ما يقارب عقداً من الزمن، نسّقت هذه القوى الإقليمية الثلاث تحركاتها بشكل وثيق لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بعد الربيع العربي، مستندة إلى التقاء أيديولوجي تمثّل في مواجهة الإسلام السياسي، والحفاظ على استقرار الأنظمة المجاورة. لكن انزلاق السودان نحو حرب شاملة في أبريل 2023 كشف التناقضات المتنامية في الأهداف الاستراتيجية لهذا التحالف، وهدّد ليس فقط آفاق السلام في السودان، بل وأساس التحالفات الإقليمية التي طالما وُصفت بأنها ضامن محتمل للاستقرار.
    لقد بلغ التباين بين هذه الدول درجة أن كل واحدة منها تدعم طرفاً مختلفاً في الصراع، أو تتبنى مساراً دبلوماسيَّاً يتعارض مع الأخرى. وبرزت الإمارات بوصفها الداعم الخارجي الرئيسي لقوات الدعم السريع، بينما ألقت مصر بثقلها، وإن كان ذلك بشكل غير منتظم ، خلف القوات المسلحة السودانية. أما السعودية، فتبدو وكأنها عالقة في المنتصف: تستضيف محادثات السلام في جدة، وتستقبل لاجئين، وتُظهر حرصاً على استعادة دورها التقليدي كوسيط في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
    وفي قلب الأزمة السودانية المتفاقمة، يكشف تنافر التحالف العربي الثلاثي، المكوّن من مصر والإمارات والسعودية، عن نفسه كعامل حاسم في تعقيد فرص إنهاء الحرب وبناء مسار مستدام نحو السلام والتحول المدني. فبينما يفترض أن يشكّل هذا التحالف الإقليمي رافعة لتحقيق الاستقرار في السودان، أدى تضارب أجنداته السياسية والاقتصادية والأمنية، والجغرافية إلى إضعاف المبادرات الإقليمية والدولية للوساطة، وتعزيز منطق الحرب بالوكالة، وإطالة أمد معاناة المدنيين. وعليه فإن إدراك هذا التنافر ليس مجرد قراءة أكاديمية في خريطة التحالفات المتغيرة، بل هو شرط ضروري لفهم طبيعة الاحتباس السياسي الذي يعيق التحول المدني ويفتح آفاق جديدة لحلول تنبع من الداخل تضع في الحسبان تعقيدات الجوار العربي المتصارع.
  2. رقعة الشطرنج الجيوسياسية: الأمن والسيادة والعمق الاستراتيجي
    يقع السودان عند تقاطع مسارح استراتيجية متعددة. فبالنسبة لمصر، يُمثل السودان امتداداً مباشراً لحدودها الجنوبية، وهو حيوي لأمن الحدود، ولتوازنات التفاوض حول مياه النيل، ولمشروع بسط النفوذ في منطقة الساحل. وتنظر القاهرة إلى القوات المسلحة السودانية باعتبارها الشريك العسكري الشرعي الذي يمكنه حماية هذه المصالح. بينما ترى قوات الدعم السريع على أنها قوة شبه عسكرية غير منضبطة، ذات جذور قبلية، ومرتبطة بشبكات اقتصادية عابرة للحدود، ويُشتبه بعلاقتها بتجارة السلاح وتهريب البشر.
    أما الإمارات، فتنظر إلى السودان باعتباره حداً تجارياً وفرصة استراتيجية. فهي ترى في السودان منفذاً إلى الذهب، والأراضي الزراعية، وربما موطئ قدم مستقبلي على سواحل البحر الأحمر. وتعتبر أبوظبي قوات الدعم السريع ، خاصة في ظل قيادة حميدتي ذات الطابع التجاري، شريكاً أكثر مرونة وقابلية للصفقات، قادراً على تأمين المصالح الاقتصادية الإماراتية، واحتواء النفوذ التركي والقطري المتنامي.
    بينما تبدو المواقف السعودية أكثر تحفظاً. فرغم تاريخها من التوافق مع كل من القاهرة وأبوظبي، تبنت الرياض مقاربة أكثر اتزاناً. فهي شاركت في استضافة محادثات السلام بجدة، وتخشى أن يؤدي استمرار زعزعة الاستقرار في السودان إلى تهديد أمن البحر الأحمر ومشروعات “رؤية 2030” السعودية الممتدة على الساحل الغربي. والمخاوف الأعمق للمملكة تتمثل في أن عسكرة السودان بشكل منفلت قد يؤدي إلى تصدير عدم الاستقرار إلى اليمن والصومال وإريتريا، مما يعرض التوازن الهش في الإقليم للخطر.
  3. الاقتصاد السياسي للحرب بالوكالة
    لا يتعلق هذا الصراع بالتنافس على النفوذ السياسي فقط، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصالح الاقتصادية والسيطرة على الموارد. فالسودان بلد غني بالموارد وفقير في الحوكمة. حيث تحوّلت صادرات الذهب إلى شريان حياة لقوات الدعم السريع، ويُقال إنه مدعوم من خلال شبكات توريد مرتبطة بالإمارات. وهذا النموذج مكّن قوات الدعم السريع من العمل كمليشيا ذاتية التمويل، لا تتأثر بالعقوبات التقليدية أو الضغوط الدولية.
    أما مصر، التي تُكابد أزمة اقتصادية حادة، فتمتلك أدوات نفوذ أقل بكثير. فهي تعتمد على الدعم الخليجي لاستقرار اقتصادها، ومع ذلك تُستبعد فعلياً من تقاسم الغنائم التجارية الجوهريَّة في السودان. ويزداد شعور القاهرة بالإحباط، ليس فقط من تقدم قوات الدعم السريع ميدانياً، بل أيضاً من تصاعد سيطرة أبوظبي على طرق التجارة في البحر الأحمر والمناطق الحدودية، بما في ذلك المثلث الاستراتيجي الذي يربط بين ليبيا والسودان ومصر.
    وهذا التباين يثير سؤالاً حرجاً: هل لا تزال مصر قادرة على انتهاج سياسة مستقلة تجاه السودان وهي تعتمد ماليَّاً على دعم الإمارات؟ ففشل القاهرة في منع الجنرال خليفة حفتر، المدعوم إماراتيَّاً، من دعم قوات الدعم السريع، يُشير إلى أن نفوذها على شركائها أصبح محدوداً للغاية.
  4. من التوافق الأيديولوجي في مناهضة الإسلاميين إلى التوظيف الذرائعي
    لعل أكثر التحولات تأثيراً في هذا الصراع الإقليمي هو التراجع المتسارع لدور الأيديولوجيا كمحرك أساسي للسياسات في المثلث العربي. فعلى مدى العقد الماضي، كانت دول مثل مصر والإمارات والسعودية تشكّل مثلثاً إقليمياً موحّداً حول قضية رئيسية: احتواء الإسلام السياسي. حيث اعتُبر نظام عمر البشير في السودان بمثابة عقدة مزعجة في شبكة الإسلاميين، لذلك فإن الإطاحة به في عام 2019 قوبلت بترحيب صامت من العواصم الثلاث.
    وفي أعقاب الثورة السودانية، كانت مشاركة هذا المحور في المرحلة الانتقالية تنطلق من زاوية واحدة: دعم القادة العسكريين، والتوجس من المكونات المدنية المتهمة بالتعاطف مع الإسلاميين، والعمل على تهميش الأحزاب المتأصلة في المشروع الإسلامي مثل حزب المؤتمر الشعبي وبقايا الحركة الإسلامية.
    لكن الحرب التي اندلعت في عام 2023 قلبت هذه المعادلة. فقد تراجعت وحدة الصف الأيديولوجي تحت وطأة حسابات الواقعية السياسية. ويتضح هذا التغير بشكل صارخ في موقف الإمارات، التي قدمت دعماً ملموساً لقوات الدعم السريع، رغم ارتباط هذه القوات ببعض فلول النظام السابق وشبكات قبلية ذات توجهات إسلامية. وهذا الدعم يرمز إلى انتقال من الالتزام الأيديولوجي إلى التوظيف البراغماتي: فإذا كانت المليشيات قادرة على تأمين عمق استراتيجي، وتسهيل تصدير الذهب، وتحقيق مكاسب ميدانية، فإن “حمولتها الأيديولوجية” تصبح أمراً ثانويَّاً يمكن التغاضي عنه.
    وبالمثل، فإن موقف مصر الداعم للقوات المسلحة السودانية لا يُفسَّر اليوم بموقف مبدئي ضد الإسلاميين، بل ينبع من اعتبارات تتعلق بالمؤسسة العسكرية واستقرار الحدود الجنوبية. وحتى المملكة العربية السعودية، التي طالما عُرفت بعدائها التاريخي للحركات الإسلامية، باتت تتبنى نهجاً أكثر واقعية في سعيها للوساطة، منفتحة على التواصل مع طيف واسع من الفاعلين السودانيين.
    وعليه، لم تعد الأيديولوجيا هي البوصلة الأساسية للسياسات الإقليمية تجاه السودان. بل أفسحت المجال لصراعات الجيوبوليتيكا، والمنافسة الاقتصادية، والرؤى البحرية الاستراتيجية. وهذا التحول يعكس مصالح وطنية متغيرة، لكنه يفتح أيضاً الباب أمام عودة ممكنة للإسلاميين، لا بصفتهم قوة موحدة، بل كفاعلين يتسللون عبر الشقوق التي أحدثها الانقسام الإقليمي والعسكرة المدعومة خارجيَّاً.
  5. اللاجئون والثمن الخفي لحروب الوكالة
    مع استمرار الحرب في السودان، تفجّرت واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، حيث تجاوز عدد النازحين داخليَّاً وخارجيَّاً عشرة ملايين، منهم أكثر من مليونين لجؤوا إلى دول الجوار، ولا تزال الأعداد في ازدياد يومي. ولم يعد هذا النزوح مجرد أزمة إنسانية، بل تحوّل إلى ملف أمني يشغل بال الدول الثلاث الداعمة لأطراف النزاع:

• مصر: ضغط ديمغرافي وهواجس سياسية
استقبلت مصر منذ اندلاع الحرب أكثر من نصف مليون لاجئ سوداني، ما أضاف عبئاً إضافياً على الجالية السودانية القائمة بالفعل. ورغم ما عُرف عن القاهرة من سياسة منفتحة نسبياً تجاه السودانيين في السابق، فإن الظروف الاقتصادية الخانقة وتزايد النزعة الشعوبيَّة والمخاوف الأمنية جعلت من ملف اللاجئين قضية سياسية حساسة.
وتخشى مصر أن تؤدي مكاسب قوات الدعم السريع إلى موجات جديدة من النزوح نحو حدودها الجنوبية، ما قد يفوق طاقة الخدمات العامة ويؤجج أزمات البطالة والإسكان في المدن الكبرى. والأخطر من ذلك هو القلق من تسلل عناصر متطرفة أو مرتبطة بالإسلاميين والدعم السريع إلى داخل هذه التجمعات، مما قد يهدد الأمن القومي، حيث شهد اليومين الماضيين اعتقال قائد كتيبة البراء الإسلامية المتشددة في مدينة الاسكندرية. ومن المفارقات، أن دعم الإمارات لقوات الدعم السريع يُسهم في تعميق هذا العبء على مصر، ما يزيد من التوترات المكتومة بين القاهرة وأبوظبي، ويعزز من انحياز مصر للقوات المسلحة السودانية كوسيلة لوقف تمدد الدعم السريع والحد من موجات النزوح.
• السعودية: دولة عازلة ومصالح استراتيجية
رغم أن السعودية أبقت حدودها مغلقة أمام اللاجئين السودانيين إلى حد كبير، إلا أنها تتابع بقلق بالغ تداعيات الحرب على منطقة البحر الأحمر. فمدينة بورتسودان، التي أصبحت ملاذاً لملايين السودانيين، تقع قبالة مدينة جدة مباشرة، وعلى مقربة من أهم الممرات البحرية الدولية.
فطول أمد الصراع يهدد بتحول المنطقة إلى بؤرة للهجرة البحرية غير النظامية والقرصنة والاختراقات الأمنية. كما أن المشاريع السعودية الضخمة في البحر الأحمر، وعلى رأسها “نيوم” واستثمارات اللوجستيات البحرية والسياحة، تعتمد على استقرار الشريط الغربي للمملكة. وعليه فإن انهيار الدولة السودانية، خاصة على الشريط الساحلي، يهدد بتقويض الطموحات الاستراتيجية للرياض. ولذلك، فإن حرص السعودية على إنهاء الحرب لا ينبع فقط من دافع إنساني، بل من رغبتها في تجنب انتقال عدوى الفوضى إلى حدودها، والحفاظ على أمن الممرات البحرية، ومنع تكرار سيناريو اليمن من حيث اللاجئين والأزمات البحرية.
• الإمارات: مستفيدة من الفوضى أم أسيرة لها؟
رغم بعدها الجغرافي عن السودان، إلا أن الإمارات منخرطة بعمق في ديناميات أزمة اللاجئين، ولو بصورة غير مباشرة. فبدعمها لقوات الدعم السريع، أسهمت في انهيار الحكم في مناطق واسعة من دارفور وكردفان والخرطوم، ما دفع الملايين إلى النزوح.
ورغم أن عدد اللاجئين السودانيين في الإمارات قليل نسبياً، إلا أن أبوظبي تموّل عمليات إغاثة في السودان والمنطقة، محاولةً من خلالها امتصاص الانتقادات المتزايدة لدورها في الحرب. غير أن استمرار الصراع قد يرتد على الإمارات لاحقاً، خاصة مع احتمال تمدد عدم الاستقرار نحو منطقة الساحل، حيث تستثمر الإمارات بشكل متزايد في قطاعات الطاقة والأمن.
كما أن عبور اللاجئين إلى دول هشة مثل تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا يهدد بزعزعة استقرار هذه الأنظمة، وبالتالي تقويض النفوذ الإماراتي فيها. وإضافة إلى ذلك، فإن اعتماد قوات الدعم السريع على شبكات تهريب عابرة للحدود، تشمل الذهب والسلاح والبشر، يُهدد سمعة الإمارات. وإذا ما تقاطعت هذه الشبكات مع حركة اللاجئين، فقد تتهم الإمارات بالتورط في انتهاكات حقوقية أو جرائم عابرة للحدود تحت ستار حروب الوكالة.

  1. خاتمة: حرب السودان تُعيد صياغة الإقليم
    الحرب في السودان ليست مجرد صراع داخلي، بل باتت بمثابة اختبار تحمّل للنظام الإقليمي الأوسع. فقد بدأ ما يسمى بمثلث مصر–الإمارات–السعودية كتحالف مترابط حول ملفات الأمن والإسلام السياسي، لكنه اليوم يشهد تفككاً متسارعًا نتيجة اختلاف الأولويات الأمنية، وتضارب المصالح الاقتصادية، وإعادة النظر في الحسابات الأيديولوجية، وتصاعد أزمة اللاجئين.
    وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن الحرب قد لا تقتصر على إعادة رسم الخريطة السياسية في السودان، بل قد تعيد صياغة قواعد اللعبة في السياسة الإقليمية العربية.
    فما بدأ كجهد منسّق لتحقيق الاستقرار الإقليمي، أصبح اليوم سباقاً متوازياً لمصالح متضاربة. وكلما طال أمد الحرب، تضاءلت فرص استعادة التوافق الاستراتيجي، وازدادت احتمالات بروز فاعلين غير حكوميين وشبكات عابرة للحدود وميليشيات ذات مرونة أيديولوجية.
    إن “الفيتو العكسي” في الملف السوداني لا يعكس فقط الجمود الدبلوماسي، بل هو عرض لأزمة أعمق في إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية. فمصر والإمارات والسعودية، رغم تقاطعات مصالحها، تسير في مسارات متباينة تجعل من التحالفات التقليدية ضمانة غير كافية للتماسك السياسي.
    وإذا لم يتم احتواء هذه الأزمة، فقد يؤدي ملف السودان إلى إعادة صياغة منظومة العلاقات الإقليمية. ومن المحتمل أن نشهد نشوء محور جديد يجمع بين مصر والسعودية يركز على استقرار الدولة والسيادة الإقليمية، في حين تمضي الإمارات في توسيع نفوذها عبر وكلاء غير حكوميين ووسائل اقتصادية.
    وبالنسبة للسودان، فإن هذا الانقسام في المثلث العربي يعني أن الدفع الإقليمي الموحد نحو السلام يظل بعيد المنال. أما بالنسبة للمنطقة بأكملها، فإنه يؤشر إلى تحوّل من وحدة استراتيجية إلى منافسة استراتيجية، وستكون تداعياتها أوسع من الخرطوم بكثير. وفي نهاية المطاف، لا يمثّل السودان ساحة المعركة فحسب، بل مرآة تعكس موازين القوى المتغيرة والتناقضات المتعمقة في الجغرافيا السياسية العربية.
    melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

الجَبْهَةُ المَدَنِيَّة لابْتِنَاءِ السُودَانِ: مِنْ إدَارَةِ التَنَاقُضَاتِ الثَانَوِيَّةِ إلَى بِنَاءِ الدَوْلَةِ

الجَبْهَةُ المَدَنِيَّة لابْتِنَاءِ السُودَانِ: مِنْ إدَارَةِ التَنَاقُضَاتِ الثَانَوِيَّةِ إلَى بِنَاءِ الدَوْلَةِ The Civil Front for …