القر ، الزيفة والشبورة .. بقلم: شوقي بدري

قديما كان المدرس عندما يطلب من التلميذ ان يقرأ ، ويتلجلج التلميذ . يقول الاستاذ …. اقرا قر ينفخك . وهذا بالضمة علي القاف . وتقول الامهات والخالات للاطفال …. قول … قر ينفخك . والقر هو البرد الشديد . والبعض يقول القر  بالكسرة بدلا عن الضمة . اخي ابو دبورة من  ياتي بالخضار من  توتي كان يقول لاصدقائه في الموردة شاكيا  …..يا زول القير اكل راسنا في المعدية . او الزيفة في البنطون تخلي الحمار يدمع . الزيفة هي البرد الذي تصحبه الرياح الباردة . فالريح تضاعف وقع البرد .
الشبورة هي كلمة سودانية ، وتعني الضباب . ففي الشتاء قبل شروق الشمس تظهر الشبورة . وقد تحجب الرؤية او تجعل المنظر غير واضح . وتختفي الشبورة بعد شروق الشمس وحرارتها . في المناطق الممطرة تظهر الشبورة خاصة بعد ما يعرف بالصبنة . والصبنة هي هطول الامطار بدون توقف لفترة قد تفوق الاسبوعين . ويصير الجو رطبا وباردا في اعالي النيل  مثلا.
السيد انجلو بيدا  نائب رئيس برلمان الانقاذ السابق وهو من الزاندي في بحر الغزال قال . ان احد المبشرين اخبر احد النساء العجايز بانها اذا لم تعتنق المسيحية فستجد النار، بدلا عن الجنة الباردة . فقالت له انها عجوز تتعب من البرد والرطوبة وتفضل النار لانها تدفئها .
خبر اهلنا في السودان الذين ماتوا بسبب البرد يؤلمنا . والمؤلم المبكي ، ان الحكومة لا تهتم بتقديم المساعدة , وكان من المفروض ارسال الخيام والبطاطين والاكل والمحروقات . ولكن الحكومة قد رفعت يدها عن مسئولية الحكومات . ان رسالتها هي  ، القتل والسحل  ، وقشو امسحو ما تجيبة حي  . وحتي في داخل الخرطوم مات بعض افراد الشعب  بالقر والزيفة . كان الله في عون اهل البادية والاصقاع البعيدة . والذين يفرون من محرقة الانقاذ في دارفور .
كان حبوباتنا يحكين لنا عن البرد الشديد الذي عاشوه قديما، وكيف اضطروا لكسر سطح الماء في الزير للشرب . بسبب تجمد الماء . كان الامر يبدو غير مصدق في سودان الحر والهجير والسموم . ها هز الصقيع يعود الي السودان .
لقد تعرض الانسان في حياته القصيره علي الارض لعدة عصور جليدية . وعندما تظهر بقع علي سطح الشمس ، يعني هذا ان الطقس سيكون جيدا في  الاجزاء الباردة من الارض . والسبب هو ان السنة من النار تنطلق من جوف الشمس وتخرج بعيدا عن الشمس لمسافة قد تصل الي ربع مليون كيلو متر . ثم تعود الي الشمس بواسطة جاذبية الشمس . ويساعد هذا في انتاج محاصيل وفيرة في اوربا وامريكا وشمال آسيا . وتحصل اوربا علي احسن انتاج للحبوب والاعناب والخضروات . وعندما تنعدم البقع في الشمس تهبط درجة الحرارة . ولا تشرق الشمس كثيرا حتي في الصيف . وتتأثر حتي مناطقنا في الشتاء .
حكي لنا  الدكتور محمد محجوب انهم شاركوا ناظر مدرسة في دارفور السجن في سجن كوبر . وكان محمد محجوب قد حكم عليه بالإعدام بسبب مشاركته في انقلاب علي حامد والبديع وشنان . وغير سجن محمد الي المؤبد بسبب صغر سنه . الناظر كان من اصول مصرية. ومن الممكن انه لم يحسن تقدير  الامور ، واعماه الطمع . فقام ببيع البطاطين الحكومية . ولم يكن يتوقع بردا قارسا . ومات بعض التلاميذ في الداخلية بسبب برد دارفور القاسي . وحكم علي الناظر بسبعة او ثمانية سنوات سجنا . وكان يجد الضرب والاهانة حتي من المجرمين في السجن . فتلك الجريمة رفضها حتي معتادي الاجرام . والآن تمارسها الانقاذ . وقاموا بتحويل  الناظر الي السياسيين .
الدكتور اخصائي الكلي عبد الله سبيل كان حاضرا ، وهو من ام كدادة . وحكي انهم في ايام البرد يزودون باربعة من البطاطين . ويتخلصون من السرير . ويضعون بطانيتين علي الارض ويتغطون ببطانيتين . ولهذا سبب بيع البطاطين والبرد في موت التلاميذ في مدرسة الناظر اللص . 
حكومة السودان كانت تمتلك مئات الآلاف من تلك البطاطين . وهي من الصوف الجيد . يزينها حرفان …. اس …. جي  اشارة لحكومة السودان . وكانت تصرف للطلاب والمستشفيات والبوليس والسجون والجيش . وكل مرافق الدولة . وكان المدنيون يرحبون بها . احدي الخالات اتت لشرق اوربا بحثا عن ابنها الذي انقطعت اخباره , وكان ابنها الظابط قد زودها ببطانية من الجيش . تركها الابن عندما رحل من غرفتي. وكنت اضيفها الي اللحاف عندما يشتد البرد . ويستلفها الآخرون عندما  يحل بهم ضيف . كانت رائعة . وكان الشيك يستغربون لحاجتنا لبطانية سميكة .
اخي حموده ابو سن كان يقول لي عندما يراني  مستلقيا ورأسي اقرب الي الباب ….. يا شوقي البرد  فاقسو لا تداقسو … بمعني ان لا تستقبل الجهة التي تهب منها رياح الشتاء . والناس كانت تتقي البرد بكل الطرق . ومنها بيوت البروش وبيوت الشعر في البادية  .والشملة  التي يتغطون بها . والفروة كانت مكملة لمتاع السوداني . يجلس عليها. وينام عليها ويصلي عليها . وقد يموت عليها بعد الهزيمة في الحرب .
وكان بعض اهل البادية يلفونها حول جسمهم التماسا للدفئ  . فروة المرعد  فاتحة اللون ولها شعر طويل وكثيف  وهي كبيرة تتدلي من السرج علي الجانبين . كانت احدي مظاهر الثراء بسبب ارتفاع ثمنها . وهنالك فروة الميدوب . وهي من اغنام قبيلة الميدوب في دارفور . ولها شعر غزير . وظهرت ماعرف بالاغنام الامريكية و وهي في الحقيقة سورية حجمها ضخم ولها شعر محمر طويل . ولقد احضرتها الارسالية الامريكية . وكانت  تهبها للاسر السودانية ، لانها نعطي ضعف مقدار الاغنام السودانية . والاسالية الامريكية كانت تدير المدارس في السودان  . والمستشفيات منها مستشفي التجاني الماحي الحالي. وكانت لتلك الاغنام  فروة كبيرة . توئم الروح بله طيب الله ثراه ، كان يقول لي وللاخرين عندما لا نقتبع…. يعني انت حتعرف احسن من الخروف ؟  والقصة ان الراعي طلب من ابنه ان يلتف بالفروه والصوف الي الخارج. وكان الابن يلتف بالفروة والصوف قريب الي جسمه . فقال الوالد ,, انت حتعرف احسن من الخروف ؟
الفردة كانت الغطاء المعتاد عند السودانيين . وكانت احسن الفراد تأتي من شندي . والاثيوبيون قد يرتدون احدث البدل ، ومن اكبر بيوت الازياء العالمية. ويضعون الفردة علي اكتافهم . وهذا قد يشمل الحكام والوزراء. والجو في اثيوبيا قد يكون متقلبا وباردا . وبعد ان احتل السودانيون قوندر عاصمة اثيوبيا القديمة بعد قتل الامبراطور يوهانس . اضطروا للانسحاب بسبب البرد الشديد  . ولم يكونوا متهيئين له .
اشهر بطانية في السودان كانت بطانية عبد الله ود ابسن شيخ  الشكرية . فبعد هزيمة الامير محمود ود احمد في معركة النخيلة ن التي كانت بعد  واقعة المتمة . قال الحردلو لاخيه عبد الله الذي شارك في المعركة . وعبد الله من ابكار الانصار واشترك في معارك المهدية . وكان قد ارتبط بالمهدي قبل ان يعلن مهديته .وصلي اهل رفاعة خلفه عندما كان يحضر مع حيرانه لزيارة اقاربه العديدين في رفاعة .
تكضب فى الخضر من الكضب ما بتروى …ما قلت الترك ارواحا تحت الفروه… درب السبعتين سويتو ليله وسروه . وكان عبدالله شقيق الحردلو محاربا فى جيش محمود ود احمد . وهزم جيش محمود ود احمد فى واقعة النخيله قرب عطبره . وفر الكثيرون من جيش الانصار ومن بينهم عبدالله شقيق الحردلو . وتعليقا على انكسار محمود ود: يا عبدالله اخوي سويتو الدحيح والدي … قطعتو الاتبراوي لا سعن لا ري ..قايلنو تكسيالظر خمامير وشراب عجينا ني / دا طرش الحديد الجانا من بومباي . 
الحاردلو ناصر المهدية في البداية . ولكن بعد الظلم . تعرض للخليفة بالهجاء .
المهدي داك راجلاقدل فوق عزة
الا خليفة المهدي دخلنا في …. وزة
وقبل معركة امدرمان كان من المفروض ان يأـتي عبدالله بالشكرية للمشاركة . وارسل الشيخ عبد الله من يشتري له بطانية . فلقد تركوا كل شئ في النخيلة . وتأخر من ارسل . وطال الانتظار . فقال الحاردلو … اه شيخ العرب نكتل في بطانية  ؟ الزول ده يمكن يغير رايه . البطانية خلها ..  وبعد سفرهم ارسل الخليفة باحثا عنهم   . وكان الحديث عن البطانية التي كادت ان تسبب في موت ,, شيوخ العرب .

اغلب تحركات الجيوش الاوربية كانت في شهر مايو . ونابليون حطم الجيش النمساوي الذي كان يعتبر من احسن جيوش العالم  . والسبب ان حلفائهم الروس قد تاخروا في الاشتراك في المعركة . وكان التقويم الروسي متأخرا من التقويم الاوربي باسبوعين. ولهذا فأن  ثورة اكتوبر الشيوعية كانت في نوفمبر . وواصل نابليون . وحطم الجيش الروسي ، ودخل موسكو .ولكن الروس انسحبوا . وتركوه للبرد والثلوج . وتكفل البرد بهزيمة نابليون . 
وحدث نفس الشي مع جيوش هتلر . فلقد تكفل بهزيمتها البرد الروسي. وكان الالمان قد استولوا علي مخازن الجيش الفرنسي بعد احتلال فرنسا والدول الاخري  . فيما اسموه  بالحرب العاصفة او حرب البرق لسرعتها .. وفرضوا علي فرنسا تزويدهم بملايين الاطنان من القمح  ، ومقادير هائلة من النبيذ والكونياك الذي كان من مستلزمات حروب الشتاء. واخذوا الملابس الصوفية الداخلية والجوارب والخيام والبطاطين الفرنسية . ولكن كل ذالك لم يكن كافيا للوقوف امام البرد الروسي . وتوقفت دباباتهم وشاحناتهم .بسبب البرد . وعند استالينقراد كانت اولي خسارات الالمان . والاكرانيون  وآخرون قد تعاونوا مع هتلر . وهذا ما لم ينساه لهم الروس . والحرب الحالية من افرازات تلك الفترة .
الثلوج الكثيفة ليست معهودة في انجلترة . وعندما تحدث ، تكاد الحركة ان تتوقف .  وتتلخبط الامور في المطارات . ويبتسم الاسكندنافيون  ،لان الثلوج جزء من حياتهم  . ولا يأخذ الامر اكثر من يوم واحدوقد تتوقف الدراسة. وتفتح الطرقات وتتحرك الجرافات لكسح الجليد ونثر الملح علي الطرق السريعة . وعملية نثر الملح نمارسها امام دارنا . فالقانون يلزم صاحب الدار بنظافة الرصيف بعد سقوط الثلوج . وهذه عملية متعبة . ومن المفروض القيام بها قبل السابعة صباحا . وقد يحتااج الامر لاعادة العملية  في المساء . ونكتفي نحن من اهل الصحراء برش الملح الذي ياتي في جوالات كبيرة .
اذكر وانا صغير قد قرأت في المختار من ريدرز دايجست ان  عمدة مدينة امريكية كانت له طريقة واحدة لسنين عديدة للتعامل مع الثلوج . كان يقول ….. ان الله قد وضع الثلوج  ،وسيتكفل بالتخلص منها في الربيع .
في البوادي السودانية ينصب البدو  بيوت البروش وبيوت الشعر بطريقة حتي لا يواجه المدخل الرياح . والشملة مفيدة في كبح جماح البرد . وقديستعينون بالنيران للتدفئه .
رودولف سلاطين عندما هرب من الخليفة ، اضطر لان يقضي الليل في الصحراء . وكان في بعض الاحيان ينام في الاماكن التي يحتمي فيها الراعي من البرد القارس . فمن العادة ان يحفرون ما يشبه القبر الغير عميق . ويحيطونه بالحجارة المرصوصة لكسر الريح . فالريح تضاعف درجة البرودة 
فبل سنوات لاحظت انه حتي المساكن الحديثة في شمال العراق وكردستان ،لا تتمتع بابواب ونوافذ محكمة . وكنت اشاهد الايزيديين  والاكراد يمشون بصنادل وملابسهم ليست ثقيلة والارض يغطيها الجليد وهم يسكنون مع الخراف في بيوت من الطين . ونحن في السودان كذالك لا نستعد جيدا للبرد . فنوافذنا وابوابنا سيئة . والتوب الفاخر الذي تمتلك المرأة في المدينة العديد منه ، يكفي لشراء اكثر من بلوفر للاطفال. وبدلا عن عمة الوالد الجميلة يمكن شراء طاقية صوفية وشال جيد للابن . في الخمسينات ظهرت بما عرف بطاقية سيد اللبن. وهي طاقية من الصوف تظهر العينين فقط . كان ثمنها 25 قرشا . كلن يرتديها بائع اللبن الذي يأتي مع الفجر . وسائقي اللواري .ولكن اهل المدينة ينفرون منها بالرغم من انها عملية .
الاخوة الاريتريون هنا ، يتحدثون عن سائقي اللواري السودانية الذين يلفون رأسهم ووجوههم . لان شاحناتهم مفتوحة للبرد . وكانوا يعانون من برد اريتريا القاسي .
الدكتورة كلاارا الياس السلوفاكية . وهي زوجة الدكتور البطل بشير الياس. وهو من قادة الاطباء في الوقوف امام تغول نميري . وهو اخصائي اذن وانف وحنجرة . المحطة في بحري عرفت بمحطة كلاارا لانها كانت تعالج الاطفال بدون اجر . ولها ابنان هما قاسم والشفيع صارا من الاطباء . كانت تتألم لان اقدام الاطفال في الشتاء تتقرح . ويمكن تفادي كل ذالك العذاب بسهولة . فيجب استعمال البشكيربعد عملية ,,التشطيف ,, في الصباح ودهن الجسم بالفزلين او الزيت . لان برد السودان جاف جدا . والرجال في السودان يحسبون لن استعمال الدهان او الزيت ، يعني عدم الرجولة . ومرضي السكري قد يتعرضون للبتر . لانهم لايجففون اقدامهم جيدا بعد الوضوء  في الشتاء. ومن العادة ان يظهر البعض اقدامهم المتقرحة كدليل علي انتظامهم في الصلاة بالرغم من البرد الشديد .
كثير ما يسمع الانسان من يصف آخرا بانه ذي امشير . وامشير هو الشهر الثالت في السنة النوبية او القبطية . وامشبر هو شهر العواصف والبرد وقد ينزع الاوتاد ويغرق المراكب . وعلي ما اذكر منذ ان كنت احسب من النواته  ، ان الشهر الاول  في الشتاء هو توت . وتوت هو الشهر الثالث عشر. وهو شهر قصير عبارة عن تكملة للايام الناقصة في الشهور القمرية لتكون في عدد ايام السنة  الميلادية . ولهذا يعلن الاثيوبيون عن بلدهم 13 شهر من الجمال . فهذه المنطقة كانت مرتبطة ببعضها .  وتوت تعني صغير مثل الاسماء السودانية جارنتوت وصالح توت وبابتوت  ، مثل توت عنخ لآمون ، الملك الفرعوني الصغير . طوبي هو يناير  وبعده امشير . وبرمهات هو الشهر الجميل الذي يحبه النوتي او.. بيومي .. باللغة النوبية او القبطية  . في برمهات يأتي الريح المصري الذي يأخذ بالسفن الي الصعيد لتعود مع التيار محملة بكل شئ. ولكن في امشير تهب الرياح من الجنوب الي الشمال  . وتعرف برياح النو .  وقد يخالطها الغبار. وهذا يجعل عمل المعدية صعبا . لانه يعطل الشراع . ويعتمد فقط علي المجاذيف . ولا يمكن الابحار الي اعلي النهر . وبرمهات هو الشهر الذي ننعم فيه في السودان ببعض ايام الربيع القصيرة  . جلسة ضرا  في الشمس مع الاهل والاحباب في شتاء السودان تساوي كل العالم . 
نسمع كثيرا من السودانيين … احذروا البرد فانه قد قتل اخاكم ابا ذر . ولكن لا ينفذون هذا الكلام . وتري حتي الشيوخ في ملابس خفيفة . وفي السودان يستخف الانسان بالبرد والزكام والالتهاب الرئوي . وعندما يسمعون ان انسان مصاب بالزكام يقولون هازئين …. ده ما مرض العافية . فقط في السودان هنالك امراض عافية . وبدلا عن الانعزال عن الآخرين ، يتواجد البعض بانف سائل وسط اهله ومن يحب . والآخرون يقولون بدون اكتراث  … في زكمة كتلت ليها زول ؟

اغلب تحركات الجيوش الاوربية كانت في شهر مايو . ونابليون حطم الجيش النمساوي الذي كان يعتبر من احسن جيوش العالم  . والسبب ان حلفائهم الروس قد تاخروا في الاشتراك في المعركة . وكان التقويم الروسي متأخرا من التقويم الاوربي باسبوعين. ولهذا فأن  ثورة اكتوبر الشيوعية كانت في نوفمبر . وواصل نابليون . وحطم الجيش الروسي ، ودخل موسكو .ولكن الروس انسحبوا . وتركوه للبرد والثلوج . وتكفل البرد بهزيمة نابليون . 
وحدث نفس الشي مع جيوش هتلر . فلقد تكفل بهزيمتها البرد الروسي. وكان الالمان قد استولوا علي مخازن الجيش الفرنسي بعد احتلال فرنسا والدول الاخري  . فيما اسموه  بالحرب العاصفة او حرب البرق لسرعتها .. وفرضوا علي فرنسا تزويدهم بملايين الاطنان من القمح  ، ومقادير هائلة من النبيذ والكونياك الذي كان من مستلزمات حروب الشتاء. واخذوا الملابس الصوفية الداخلية والجوارب والخيام والبطاطين الفرنسية . ولكن كل ذالك لم يكن كافيا للوقوف امام البرد الروسي . وتوقفت دباباتهم وشاحناتهم .بسبب البرد . وعند استالينقراد كانت اولي خسارات الالمان . والاكرانيون  وآخرون قد تعاونوا مع هتلر . وهذا ما لم ينساه لهم الروس . والحرب الحالية من افرازات تلك الفترة .
الثلوج الكثيفة ليست معهودة في انجلترة . وعندما تحدث ، تكاد الحركة ان تتوقف .  وتتلخبط الامور في المطارات . ويبتسم الاسكندنافيون  ،لان الثلوج جزء من حياتهم  . ولا يأخذ الامر اكثر من يوم واحدوقد تتوقف الدراسة. وتفتح الطرقات وتتحرك الجرافات لكسح الجليد ونثر الملح علي الطرق السريعة . وعملية نثر الملح نمارسها امام دارنا . فالقانون يلزم صاحب الدار بنظافة الرصيف بعد سقوط الثلوج . وهذه عملية متعبة . ومن المفروض القيام بها قبل السابعة صباحا . وقد يحتااج الامر لاعادة العملية  في المساء . ونكتفي نحن من اهل الصحراء برش الملح الذي ياتي في جوالات كبيرة .
اذكر وانا صغير قد قرأت في المختار من ريدرز دايجست ان  عمدة مدينة امريكية كانت له طريقة واحدة لسنين عديدة للتعامل مع الثلوج . كان يقول ….. ان الله قد وضع الثلوج  ،وسيتكفل بالتخلص منها في الربيع .
في البوادي السودانية ينصب البدو  بيوت البروش وبيوت الشعر بطريقة حتي لا يواجه المدخل الرياح . والشملة مفيدة في كبح جماح البرد . وقد يستعينون بالنيران للتدفئه .
رودولف سلاطين عندما هرب من الخليفة ، اضطر لان يقضي الليل في الصحراء . وكان في بعض الاحيان ينام في الاماكن التي يحتمي فيها الراعي من البرد القارس . فمن العادة ان يحفرون ما يشبه القبر الغير عميق . ويحيطونه بالحجارة المرصوصة لكسر الريح . فالريح تضاعف درجة البرودة 
فبل سنوات لاحظت انه حتي المساكن الحديثة في شمال العراق وكردستان ،لا تتمتع بابواب ونوافذ محكمة . وكنت اشاهد الايزيديين  والاكراد يمشون بصنادل وملابسهم ليست ثقيلة والارض يغطيها الجليد وهم يسكنون مع الخراف في بيوت من الطين . ونحن في السودان كذالك لا نستعد جيدا للبرد . فنوافذنا وابوابنا سيئة . والتوب الفاخر الذي تمتلك المرأة في المدينة العديد منه ، يكفي لشراء اكثر من بلوفر للاطفال. وبدلا عن عمة الوالد الجميلة يمكن شراء طاقية صوفية وشال جيد للابن . في الخمسينات ظهرت بما عرف بطاقية سيد اللبن. وهي طاقية من الصوف تظهر العينين فقط . كان ثمنها 25 قرشا . كلن يرتديها بائع اللبن الذي يأتي مع الفجر . وسائقي اللواري .ولكن اهل المدينة ينفرون منها بالرغم من انها عملية .
الاخوة الاريتريون هنا ، يتحدثون عن سائقي اللواري السودانية الذين يلفون رأسهم ووجوههم . لان شاحناتهم مفتوحة للبرد . وكانوا يعانون من برد اريتريا القاسي .
الدكتورة كلاارا الياس اسلوفاكية . وهي زوجة الدكتور البطل بشير الياس. وهو من قادة الاطباء في الوقوف امام تغول نميري . وهو اخصائي اذن وانف وحنجرة . المحطة في بحري عرفت بمحطة كلاارا لانها كانت تعالج الاطفال بدون اجر . ولها ابنان هما قاسم والشفيع صارا من الاطباء . كانت تتألم لان اقدام الاطفال في الشتاء تتقرح . ويمكن تفادي كل ذالك العذاب بسهولة . فيجب استعمال البشكير بعد عملية ,,التشطيف ,, في الصباح ودهن الجسم بالفزلين او الزيت . لان برد السودان جاف جدا . والرجال في السودان يحسبون لن استعمال الدهان او الزيت ، يعني عدم الرجولة . ومرضي السكري قد يتعرضون للبتر . لانهم لايجففون اقدامهم جيدا بعد الوضوء  في الشتاء. ومن العادة ان يظهر البعض اقدامهم المتقرحة كدليل علي انتظامهم في الصلاة بالرغم من البرد الشديد .
كثير ما يسمع الانسان من يصف آخرا بانه ذي امشير . وامشير هو الشهر الثالت في السنة النوبية او القبطية . وامشبر هو شهر العواصف والبرد وقد ينزع الاوتاد ويغرق المراكب . وعلي ما اذكر منذ ان كنت احسب من النواته  ، ان الشهر الاول  في الشتاء هو توت . وتوت هو الشهر الثالث عشر. وهو شهر قصير عبارة عن تكملة للايام الناقصة في الشهور القمرية لتكون في عدد ايام السنة  الميلادية . ولهذا يعلن الاثيوبيون عن بلدهم 13 شهر من الجمال . فهذه المنطقة كانت مرتبطة ببعضها .  وتوت تعني صغير مثل الاسماء السودانية جارنتوت وصالح توت وبابتوت  ، مثل توت عنخ لآمون ، الملك الفرعوني الصغير . طوبي هو يناير  وبعده امشير . وبرمهات هو الشهر الجميل الذي يحبه النوتي او.. بيومي .. باللغة النوبية او القبطية  . في برمهات يأتي الريح المصري الذي يأخذ بالسفن الي الصعيد لتعود مع التيار محملة بكل شئ. ولكن في امشير تهب الرياح من الجنوب الي الشمال  . وتعرف برياح النو .  وقد يخالطها الغبار. وهذا يجعل عمل المعدية صعبا . لانه يعطل الشراع . ويعتمد فقط علي المجاذيف . ولا يمكن الابحار الي اعلي النهر . وبرمهات هو الشهر الذي ننعم فيه في السودان ببعض ايام الربيع القصيرة  . جلسة ضرا  في الشمس مع الاهل والاحباب في شتاء السودان تساوي كل العالم . 
نسمع كثيرا من السودانيين … احذروا البرد فانه قد قتل اخاكم ابا ذر . ولكن لا ينفذون هذا الكلام . وتري حتي الشيوخ في ملابس خفيفة . وفي السودان يستخف الانسان بالبرد والزكام والالتهاب الرئوي . وعندما يسمعون ان انسان مصاب بالزكام يقولون هازئين …. ده ما مرض العافية . فقط في السودان هنالك امراض عافية . وبدلا عن الانعزال عن الآخرين ، يتواجد البعض بانف سائل وسط اهله ومن يحب . والآخرون يقولون بدون اكتراث  … في زكمة كتلت ليها زول ؟
shawgibadri@hotmail.com
//////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً