القرارات السيادية والأمنية.. وضرورة المواءمة الإعلامية .. بقلم: إمام محمد إمام
13 نوفمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
24 زيارة
أثار تعيين الأخ الرئيس عمر البشير للدكتور وهبي محمد مختار رئيساً للمحكمة الدستورية يوم الأربعاء الماضي، في ظل غياب مواءمةٍ إعلاميةٍ تُمهد السبيل لهذا التعيين، ليكون تعييناً طبيعياً، لا يُثير أدنى شُبهةٍ أو تساؤلاتٍ حوله. ولكن الجهات السيادية عليها أن تُصدر القرارات العليا، وعلى المستشارين لا سيما الإعلاميين منهم، التفكير العميق، والرؤية الثاقبة، في معالجة كيفية تلقي المواطنين للقرار السيادي بعد تمهيدٍ له، يُبعد عنه ظلال الريبة والشك في اتخاذه، نتيجة للتوقيت الخطأ، ومفاجأة الصدور. فجاء هذا القرار بُعيد جدلٍ أُثير في الوسائط الصحافية والإعلامية داخل السودان وخارجه، في ما يتعلق بحكم المحكمة الدستورية حول براءة ضابط الشرطة النقيب أبوزيد عبد الله صالح، وبطلان محاكم الشرطة، وفقاً للقانون الجنائي لسنة 1990، وهذا جدل قانوني دستوري خاض فيه الكثيرون من أهل العلم والدراية والاختصاص ومن غيرهم.
أحسبُ أن صدور القرار الرئاسي بتعيين رئيس المحكمة الدستورية لم يكن يُثير هذا الجدل، لو أن مجموعة من المستشارين في مؤسسة الرئاسة، فطنوا إلى أهمية المواءمة الإعلامية في توقيت صدور القرار، فأشاروا إلى مؤسسة الرئاسة بإرجائه، حتى ينزل برداً وسلاماً على المواطنين، دون أن يُثير أي جدلٍ أو معارضةٍ. فلا أظن – وليس كلُّ الظنِّ إثماً – أن القرار الرئاسي الذي أصدره الأخ الرئيس عمر البشير استهدف معاقبة الأخ البروفسور الطاهر محمد إبراهيم القانوني الضليع وعميد كلية القانون بجامعة الخرطوم الأسبق، باعتباره كان رئيساً مكلفاً للمحكمة الدستورية إبان نظرها لقضية ضابط الشرطة أبوزيد عبد الله صالح، ولكن كان القرار يهدف إلى استقرار حال المحكمة الدستورية من رئاسة مكلفة إلى تعيين ثابت، ولكن في ظل غياب هذه المواءمة الإعلامية تطايرت حوله الشكوك والريب والظنون. وبات القرار يُشكل مادةً للشائعات سواء داخل السودان أو خارجه، وتبارت في تناقله الوسائط الصحافية والإعلامية، خاصة مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت.
وأكبر الظنِّ عندي، أن هذا القرار كان في حاجةٍ ماسةٍ عند إصداره إلى توقيت غير التوقيت الذي صدر فيه، على الرغم من أن الأخ الرئيس أكد بما لا يدع مجالاً للشك، عقب أداء الدكتور وهبي محمد مختار القسم يوم الأربعاء الماضي بالقصر الجمهوري رئيساً للمحكمة الدستورية، أن اختياره للمنصب تم لكي يشعر المجتمع بالأمان، وأن تقوم السلطة القضائية بعملها على الوجه الأكمل.
وفي رأيي الخاص، أن غياب المواءمة الإعلامية أيضاً، كان سبباً مباشراً لهذا الكم الهائل من البيانات والتصريحات الصحافية المتعلقة بهجوم مسلحٍ للقصر الجمهوري، الذي هو رمز سيادة الدولة، إلى الدرجة التي جعلت من هذا المقتحم ضحيةً تستثير عاطفة السودانيين داخل البلاد وخارجها، بينما لو كان هنالك إعلام حصيف لما نُظر إليه هذه النظرة، بل جُرِّم الفعل والفاعل، وذلك من خلال التأني في الوصف والتوصيف للحادث، وإصدار بيانٍ واحدٍ شاملٍ بلغة صحافية حصيفة.
أخلصُ إلى أن هذه المواءمة الإعلامية هي بلا ريب ليست مسؤولية أصحاب القرار، ولكنها المسؤولية المباشرة لأهل الاستشارة من المستشارين في مؤسسات الدولة المختلفة الذين ينبغي أن يكون لهم فهم في كيفية توصيل الرسالة الإعلامية إلى المتلقي، بعيداً عن إحداث الشوشرة، وتهيئة أسباب الشائعات ومناخها. ويحضُرني في هذا الصدد، قول الراحلة مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء البريطانية لثلاث فترات متتالية، إلى حين تقديم استقالتها، بمضاغطة من أعضاء حزبها، حزب المحافظين البريطاني: (Advisers to advise, Ministers to decide) “المستشارون يُستشارون والوزراء يقررون”، بمعنى أنها تريد أن تقول إن على المستشارين أن يقدموا استشاراتهم للوزراء أو أصحاب القرار، وهم بعد التداول حول الاستشارات المحددة، يتخذون ما يرونه من قرارات صائبة.
أما في ما يتعلق بالقرار الأمني، فهذا أيضاً في حاجةٍ ماسةٍ إلى مواءمةٍ إعلاميةٍ حتى لا تكون آثاره ضارةً أكثر من نفعه، فعلى جماعة الأمن التفكير ملياً في تداعيات قرارهم قبل إصداره، واستصحاب القاعدة الفقهية الأصولية المتعلقة بـ”دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة”، فقد يكون في قرارهم نفعٌ أمني، ولكن ضرره أكبر من نفعه بالنسبة للوطن. وهناك أمثلة كثيرة في حاجةٍ إلى دراسةٍ ومراجعةٍ عند اتخاذ القرار الأمني. وقد يجد البعض لهم العذر في اتخاذ القرارات العجلى، ولكن من الضروري بحث تداعياتها التي قد تضر بمصالح الوطن والمواطنين، وإن كان الهدف الأسمى لهم عكس ذلك. كل هذا لا يتأتى إلا بإقناع أصحاب القرار بأهمية الاستشارة الواعية، توطئةً لإصدار القرارات الصائبة في ظل مواءمة إعلامية، تنزله برداً وسلاماً في أذهان المواطنين، ولا يُثير كثير شائعاتٍ، ويكون بذلك خير مُعينٍ لأصحاب الأغراض والأهواء.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: “وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا”.
وقول الشاعر العربي، زهير بن أبي سلمى:
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ يَفِرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الـشَّتْمَ يُشْتَمِ
وَمَنْ يَـكُ ذَا فَـضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ عَلَى قَـوْمِهِ يُسْـتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَمِ
//////////