القصر والريح

لم يكن يتخيّل أن الأحلام يمكن أن تتحول إلى واقع، ولم يكن يتوقع أن الواقع قد يكون أكثر شذوذاً من الأحلام. فالحلم والمفارقة كانا جزءاً من سيرة حياته التي فاقت الستين عاماً. كان يحلم بمعاش هادئ، لكن المفارقة حملته على رأس السلطة بعد الثورة التي أطاحت بالرئيس عشمان. فقد تم اختياره باعتباره أقدم ضابط بعد رئيس الجيش الذي تم رفضه لقيادة التغيير.
دخل القصر الرئاسي كحاكم مؤقت، يتقاسم السلطة مع جماعة الثورة، فكان نصيبه رئاسة المجلس الرئاسي لنصف مدة الانتقال. تحاشى الظهور العلني الكثير، وكان يؤثر في قرارة نفسه أن تنقضي سنوات التغيير الانتقالية ليستأنف حياته في هدوء وطمأنينة. كان طموحه بحرية المعاش أكثر مما يقيده من حياة انضباط وصرف أوامر ضاق بها ذرعاً منذ أن ترقى لرتبة المشير.
طال التغيير كل شيء إلا نعيم شوكت، رئيس المراسم بالقصر الرئاسي. ظل محتفظاً بموقعه… رجل في سن عبد الوهاب، ذو بشرة بيضاء كثيف الشعر في الرأس وساعديه وصدره وحتى أنفه تعلوها بعض الشعيرات المبعثرات جعلته يبدو أشبه بجرذ. الحياة عنده عبارة عن فرصة، وموقعه في رئاسة المراسم فرصته التي ما كان يرجو فوقها فرصة. يعرف كيف يسيطر على من حوله. يجيد الإغراء ويتقن الحديث ببلاغة فائقة. يعرف كيف يزين الأشياء ويطرحها في صورة لائقة. كما يعرف نفسية الحكام ونوازعهم. تجربته مع الرئيس عشمان كانت قصة نجاح باهر، وتجربته مع القادم الجديد شكلت تحدياً إرتهنت له موهبته في التطويع والإقناع.
حرص على قراءة القادم الجديد برويّة وتؤدة. بخبرته الواسعة في التعامل مع البشر أخذ يفتح مغاليق شخصية عبد الوهاب. جرب كل المفاتيح واحتفظ بأكثرها مناسبة. نسج خيوطه الناعمة على فريسته الجديدة بدقة متناهية. كان يجعل هِبة – المتدربة في قسم المراسم – تدخل على الرئيس بأسباب وغير أسباب. فقد كانت شابة جذابة، من أسرة خرطومية عريقة، تقرب لنعيم من جهة أمه التركية الأصل. تعشق الملابس ذات الماركات العالمية والعطور الفاخرة والأسفار، وتتطلع لعريس تلبي مكانته حجم طموحها. ويكافئ جمالها. كانت هبة الخيط الأول الناعم الذي نسجه حول عبد الوهاب.
والحق أن عبد الوهاب قد عرف الحياة من خلال زوجة تقاسمت معه مرارة الفراق وكثرة التسفار بالمأموريات ومخاطر النار ووعورة الدروب، خديجة، الزوجة التي ناسبت أيامه الأولى كخريج حربي. حملت ملامح أمه في ذات الشلوخ التي كانت تضفي على وجهها قسمات من الطيبة والأصالة، ووسم من ماضٍ اقتسماه بلا تطفيف… وتوافق امتزجت فيه الأرواح من لدُن قسم: (ألست بربكم). كانت هي الأم الحانية، والأصل الثابت، ومرفأه الدائم. زواجهما كان بترتيب من خاله، الشيخ الغرقان، شيخ الطريقة الصوفية التي يعتقد فيها كل أهالي قريته وما جاورها. حلف بالطلاق أن تكون خديجة زوجة لعبد الوهاب، فقد أتى بها إلى بيت أخته عند تخرجه ضابطاً، مؤكداً أنه رأى في منامه عبد الوهاب جالساً على كرسي وثير فوق سحابة ضخمة.
غير أن ذكرياتها لم تكن لتصمد أمام رغبة زينها نعيم، فقد شعشع الرأس بآمال عراض، وطرق على مكامن اللذة بالوصل بصلصال خام، تمتزج فيه عذوبة العذرية بلفح ريح لا يُقاوم، في جسد أنهكه التسفار وحنّ لإعادة امتحان الفحولة. فمال القلب بالصبوات، وهفت الروح للإندغام في ملذات استطابت له على كِبر، فاستسلم العقل لخيالات تفتقت فيها الحياة بدفق غامر، وحنين لا متناهي لعهد صبا غادر قبل أوانه مع دوامات الحروب. وتم عقد القران بسرية تامة أشرف عليها نعيم بنفسه.
اقترح نعيم أن تتم الدُخلة بعد الصفقة الثانية التي دبّرها في صمت، وهي شراء قصر منيف في تركيا، في منطقة القصور بضواحي أنقرة، كان مملوكاً لشاه إيران. اشتراه أمير من أفراد العائلة المالكة السعودية ثم عرضه للبيع عبر الإنترنت. حين عرض القصر على عبد الوهاب اعتذر الأخير بحجة ضيق الإمكانات، لكن نعيم هيأ المورد، مؤكداً أن مجرد موافقته على إعادة استئناف تصدير البترول عبر الخط الجديد تكفي لحافز يتيح شراء القصر. فتم التوقيع، وتحولت الأموال، وتم شراء القصر، واكتملت الخيوط الناعمة.
عندما قُبل ابن عبد الوهاب في الجامعة أشار نعيم إلى إمكانية استغلال القصر لإقامته في العاصمة التركية. بدت الفكرة مناسبة، فسافر الابن ليستقر هناك. وبعد أشهر قليلة جاء خبر مفاجئ بوفاته في حادث سير غامض بأحد شوارع أنقرة. لم تستبعد الشرطة شبهة التدبير. سافر عبد الوهاب بنفسه، وأشرف على مراسم الدفن، وأصر أن يكون القبر في فناء القصر ليكون قريباً منه كلما عاد. وقف على حافة القبر دامع العينين، يلقن ابنه حجته الأخيرة، كأنما يشد الوصال بين الحياة والموت بخيط واهٍ من أبوة مفجوعة.
مرت شهور، وعندما انجلت غشاوة الحزن، كان نعيم قد أتم كل الترتيبات لقضاء شهر العسل. استغل طائرة خاصة كان يستخدمها الرئيس عشمان في سفرياته السرية، وفي القصر، وبينما حاول أن يمتحن قدرته، فوجئ بأن الشرارة قد أبت أن تُقدح، وشعر بِخَور شامل مريع احتار في أسبابه. حاول مراراً، مستعيناً بالأنوثة والفتنة الطاغية الماثلة بين يديه، هبة من جانبها استعانت بما حُمِّلتْ من بخور الصندل المُشرب بالعطور النفاذة فتنشقها بقلب ملؤه التعلات، كما أنها قد انفقت جهدا مضنيا بدلك سائر جسمه بعجينة “الدِلكة ” ذات الأثر المجرب. وضمخت أنفه ورقبته وتحت أبطيه بعطرة “الخُمرة” المستعذب… لكن يا حسرتاه فقد انطفأت الجذوة، وسادت الخيبة، ودارت مع الدم الهواجس فاستنام لعجز كُلي، نقّص الليلة الحمراء فزدرد الخيبة بمرارة.
وعندما عرض نفسه على الطبيب، تكشف له أن العجز لم يكن سوى نذير خبيث يطل من غياهب الجسد، وأن ما خُيِّل إليه وهَناً عابراً لم يكن إلا الرسالة الأولى لمرض يوشك أن يهدم ما تبقى من حصونه المعنية.
عاد كسيفاً أسيفاً، طالبت هِبة بالطلاق ومبلغ ضخم من المال. اعترض أول الأمر، لكن نعيم أقنعه بأن الأمر حساس ولا يحتمل فضائح. فترك له تسوية الطلاق والتعويض… دون أن ينسى نصيبه من المقابل.
في العام نفسه الذي تخلّص فيه عبد الوهاب من شركائه في السلطة، كانت خديجة، تعاني آلاماً مبرحة في المعدة. رتّب نعيم كل شيء لسفرها وابنها الثاني وابنتها التي كانت قد وضعت حفيداً لعبد الوهاب قبل ثلاثة أشهر. تم تهيئة القصر لاستقبالهم، وبينما كانوا يغطّون في نوم عميق، إستيقظوا على أثر سقوط النجفة الكرستالية الضخمة في بهو القصر، واهتزت النوافذ وتساقط زجاجها بدوي عنيف ومادت الجدران .. هزة أرضية مفاجئة، كانت منطقة القصور مركزها القوي. هبوا مفزوعين وبينما تدافعوا على الدرج هاربين من الطابق الثاني، إنهار القصر كلياً، فطمرهم الركام.
اضطر عبد الوهاب للذهاب بنفسه لمواراة أجساد الأحباب الثرى إلى جانب ابنه في فناء القصر. وفي تلك الليلة، جلس تحت سماء معتمة، وقد عرّش الخراب على القصر، وأخذت الريح المختلطة بالثلج تذرو ما تبقى من أوراق الياسمين وأزهار الجهنميات كما ذرت قصور عاد وثمود. نفث دخان السيجارة في الهواء فأخْتلط ببخار الثلج المنبعث من فمه. حدّق في الفناء الممتد حيث يرقد الأحباب، أرخى سمعه لصوت الريح والثلج تعانق الفناء كأن شيئاً لم ينته بعد، أو كأن ثمة أشياء تنذر ببدايات جديدة.
هذه القصة القصيرة عمل أدبي تخييلي بحت وأي تشابه في الأحداث أو الشخصيات مع الواقع هو محض صدفة
wadrajab222@gmail.com
محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …