القطن في السودان: ألياف تلبس الاقتصاد أم تُهدَر؟

منبر بنيان – مقالات من بطون كتب
القطن في السودان: ألياف تلبس الاقتصاد أم تُهدَر؟
مقدمة:
فى مواصلة مشوار مقالاتنا من منبر بنيان التى تناقش من بطون كتب مشاكل وتحديات النمو الاقتصادى بدول العالم الثالث ومنها السودان كنموذج، يتناول هذا المقال محصول القطن بالسودان. ملخص لكتاب بعنوان: “اقتصاديات المحاصيل النقدية في السودان”.
ظل القطن لعقود طويلة أيقونة الزراعة السودانية، ومحورًا اقتصاديًا مهمًا، ترتبط به الذاكرة الوطنية، من مشروع الجزيرة إلى حواشات النيل الأزرق والسوكي والرهد. ومع هذا الامتداد التاريخي، فقد تقهقر هذا المحصول في السنوات الأخيرة، بفعل عوامل شتى: إدارية، فنية، تمويلية، وسياسية.
هذا المقال يُعيد قراءة مشهد القطن السوداني من خلال كتاب مرجعي بعنوان: “اقتصاديات المحاصيل النقدية في السودان”، تأليف الدكتور مصطفى عبد القادر، الصادر في طبعته الأولى عن دار جامعة الخرطوم للنشر عام 2002، ويقع في 344 صفحة. الكتاب يقدِّم دراسة تحليلية متعمقة لتجربة القطن، من الزراعة حتى التصدير، ويعرض التحديات التي واجهت السودان مقارنة بدول أخرى نجحت في الاستفادة من المحصول نفسه.
القطن: نبذة ومكانة عالميا
القطن ليس مجرد محصول؛ بل هو صناعة متكاملة. تُزرع أليافه، وتُفصل في المحالج، وتُغزل في المصانع، ثم تُلبَس على أجساد الشعوب.
عالميًا، يُعد القطن من أكثر المحاصيل قيمة في التبادل التجاري، وتنتجه دول مثل: الهند، الصين، باكستان، والولايات المتحدة.
بيد أن السودان، رغم امتلاكه نحو 30 مليون فدان صالحة لزراعة القطن، لا ينتج سوى 1-2% من الإنتاج العالمي في أفضل حالاته، بعد أن كان يحتل مركزًا مرموقًا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
حزام القطن في السودان
يمتد حزام القطن في السودان من مشاريع الري الكبرى (الجزيرة والرهد والسوكي) إلى المشاريع المطرية في القضارف وجنوب كردفان وغرب دارفور. لكن الواقع اليوم يشهد تراجعًا في الإنتاجية وتقلصًا في المساحات المزروعة، بسبب غياب التمويل، ضعف التسويق، انهيار البنية التحتية، وتآكل الخبرات.
من الذهب الأبيض إلى الفشل الإداري
يشير الكتاب إلى أن أخطر ما واجهه قطاع القطن في السودان لم يكن تغير المناخ ولا المنافسة العالمية، بل سوء التخطيط والإدارة. تخلّت الدولة عن دعم مدخلات الإنتاج، وفُكِّكت المؤسسات المسؤولة عن التسويق والحلج، وأُهملت القوانين المنظمة للعلاقة بين المزراع والدولة.
مثال حي على التفريط: مصانع المحالج التي كانت تعمل بطاقة 24 ساعة أصبحت مهجورة، أو أُجّرت لتجار غير مختصين، أو تُركت في العراء.
القيمة المضافة: لماذا نصدر القطن خامًا؟
أغلب صادرات القطن السوداني تخرج خامًا (بذرة وألياف). وهذه خسارة كبيرة، لأن تصدير القطن بعد التصنيع يضاعف القيمة خمس مرات. فمثلًا:
تصدير الطن الخام يُحقق نحو 1,800 دولار.
بينما يُحقّق الطن نفسه بعد تصنيعه (غزلًا ونسيجًا) ما يزيد على 8,000 دولار.
هذا الفرق يبرز أهمية تبني استراتيجية تصنيع القطن محليًا: حلج الألياف، عصر البذرة لاستخلاص الزيوت، استخدام الباقي كعلف أو سماد عضوي.
دراسة جدوى مصغّرة – زراعة وتصنيع القطن في مساحة 10 فدان
بما أن تاريخ الكتاب يعود للعام 2002 وربما الأرقام الواردة بالدراسة المختصرة قد لاتكون مواكبه مع التقنيات الحديثة بالزراعة والتى أدت الى رفع الانتاجية رأسيا ولكن فى هذا المقال ناخجها كمؤشر للفرق بين تصدير القطن خاماً والتصنيع الذى يحقق القيمة المضافة فى مرحلة اولى فصل القطن من البذرة.
اعتمادًا على المتوسطات، فإن زراعة 10 فدان من القطن قد تُنتج نحو 15-20 قنطار للفدان، أي نحو 150-200 قنطار.
تكلفة الزراعة (تحضير الأرض، تقاوي، ري، عمالة، مكافحة) = 250,000 جنيه سوداني تقريبًا.(تكلفة تاريخية تتأثر بهبوط قيمة الجنية السودانى).
تكلفة الحصاد والحلج والنقل = 150,000 جنيه.
عائد القطن الخام من المساحة = 1.5 طن * 1,800 دولار = 2,700 دولار.
أما إذا صُنّع منها 25% في مصنع محلي، فقد يحقق 500 كيلو = 4,000 دولار كمنتجات نسيجية وزيوت وعلف.
الناتج النهائي من تصنيع جزء بسيط يتجاوز قيمة كامل المحصول الخام. إذًا، فإن تصنيع حتى 20% فقط من الإنتاج يغني عن تصدير 100% خامًا.
دروس من الهند وبنغلاديش ومصر
بينما يتراجع السودان، نجحت دول كالهند وبنغلاديش في بناء صناعات نسيجية ضخمة تعتمد على القطن المحلي. بنغلاديش مثلًا تصدّر ملابس قطنية بأكثر من 30 مليار دولار سنويًا، رغم أنها تستورد القطن الخام.
أما السودان، الذي ينتج القطن ويملك الأرض والماء والعمالة، فلا يصنع ولا يغزل! هذه المفارقة يجب أن تُقلقنا جميعًا.
خاتمة المقال: هل القطن بوابة العودة؟
إن إنعاش قطاع القطن ليس حلمًا مستحيلاً، بل مشروع وطني. الزراعة ليست كافية دون تصنيع، والتصنيع لا قيمة له بلا إدارة رشيدة. نحتاج إلى تحفيز الاستثمار في المحالج والمصانع، تدريب الكوادر، وإقامة شراكات حقيقية مع المستثمرين المحليين والدوليين.
القطن يمكن أن يعود، لكن بشرط أن نرتدي عقولًا جديدة قبل أن نرتدي القمصان.
عبدالعظيم الريح مدثر
6/7/2025
sanhooryazeem@hotmail.com

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …