من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
الرحمة
القوة الناعمة المنسية في البناء الاقتصادي و المجتمع المنتج
منبر بنيان
مقالات معرفية من بطون الكتب ونبض الميدان
المقدمة
حين تُذكر القوة في الخطاب الاقتصادي والسياسي، يتجه الذهن مباشرة إلى المال والسلاح والتكنولوجيا والنفوذ. غير أن التجارب الإنسانية الكبرى، قديمها وحديثها، أثبتت أن هناك قوة أعمق أثراً وأطول عمراً، قوة لا تُرى في الجداول ولا تُقاس في الميزانيات، لكنها تصنع المجتمعات من الداخل. تلك هي الرحمة.
الرحمة ليست قيمة أخلاقية مجردة، ولا خطاباً وعظياً معزولاً عن الواقع، بل هي منظومة سلوكية واجتماعية ذات أثر اقتصادي مباشر. فحيثما وُجدت الرحمة في الإدارة، والتعليم، وسوق العمل، والقضاء، والخدمات العامة، وُجد الاستقرار، وارتفعت الإنتاجية، وتحررت الطاقات الكامنة في الإنسان.
هذا المقال يسعى إلى إعادة تعريف الرحمة بوصفها قوة ناعمة لبناء مجتمع منتج، من خلال قراءة علمية اقتصادية اجتماعية، مدعومة بالتجارب الدولية، وبالتحليل السلوكي، وبالهدي الحضاري الإسلامي، بعيداً عن الخطاب العاطفي أو الوعظي.
أولاً
الرحمة كقيمة منتجة لا كفضيلة عاطفية
في علم الاقتصاد الحديث، لم يعد الإنسان يُنظر إليه كآلة إنتاج، بل كرأس مال بشري تحكمه الدوافع النفسية والسلوكية. وتُجمع مدارس الاقتصاد السلوكي على أن الأداء البشري يرتفع في البيئات التي يشعر فيها الفرد بالأمان والاحترام والتقدير.
الرحمة هنا لا تعني التساهل أو غياب الانضباط، بل تعني فهم الإنسان في سياقه النفسي والاجتماعي، وإدارة العمل بطريقة تراعي الكرامة، وتحتوي الخطأ، وتشجع التعلم، بدل العقاب الدائم والإقصاء.
الدراسات تشير بوضوح إلى أن المؤسسات التي تعتمد أسلوب القيادة الرحيمة تحقق نتائج أفضل في المدى المتوسط والطويل، من حيث الإنتاجية، والولاء الوظيفي، وتقليل الأخطاء، وانخفاض معدلات الاحتراق النفسي.
ثانياً
الرحمة والإنتاجية في بيئة العمل
بيئة العمل القاسية تولد الخوف، والخوف يقتل المبادرة. أما بيئة العمل الرحيمة فتولد الثقة، والثقة تخلق الإبداع.
في الشركات التي تتبنى سياسات إنسانية في الإدارة، مثل مراعاة ظروف الموظفين، والمرونة الذكية في ساعات العمل، والدعم النفسي، نجد أن العامل لا يعمل بدافع الخوف من العقوبة، بل بدافع الانتماء والرغبة في النجاح.
تجارب شركات في كندا والدول الإسكندنافية أثبتت أن الاستثمار في الصحة النفسية، والتواصل الإنساني داخل المؤسسات، أدى إلى ارتفاع الإنتاجية بما يفوق ما تحققه الحوافز المالية وحدها.
الرحمة هنا تتحول إلى سياسة إنتاج، لا إلى شعار أخلاقي.
ثالثاً
الدولة الرحيمة والدولة المنتجة
الدولة التي تُدير مواطنيها بالقسوة والشك الدائم، تخلق مجتمعاً متوتراً، قليل الثقة، ضعيف المبادرة. أما الدولة التي تُحسن إلى مواطنيها، وتبني سياساتها على العدالة والرحمة، فإنها تطلق طاقات المجتمع بدل كبحها.
في التجربة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية، كان أحد أسرار النهوض السريع هو بناء دولة قانون عادلة، تحمي الضعيف، وتكفل كرامة العامل، وتقدم خدمات اجتماعية متوازنة. لم يكن ذلك ترفاً، بل خياراً اقتصادياً واعياً.
وفي التجربة اليابانية، نجد أن احترام الإنسان، والتعامل الرحيم في بيئة العمل، خلق ثقافة انضباط ذاتي عالية، انعكست مباشرة على جودة الإنتاج.
رابعاً
الرحمة والعدالة الاجتماعية
الرحمة لا تنفصل عن العدالة، بل هي روحها. حين يشعر المواطن أن الدولة لا تتركه فريسة للفقر أو المرض أو التهميش، يصبح أكثر استعداداً للعطاء، والالتزام، والمشاركة في البناء.
الاقتصادات التي أهملت العدالة الاجتماعية، وسمحت بتراكم الإقصاء والظلم، دفعت لاحقاً ثمناً باهظاً في صورة اضطرابات، وانخفاض إنتاجية، وهجرة عقول، وتفكك اجتماعي.
الرحمة في السياسات الاجتماعية ليست استنزافاً للموارد، بل وقاية اقتصادية من الانفجار المجتمعي.
خامساً
الرحمة في الهدي الحضاري الإسلامي
في الإسلام، الرحمة ليست قيمة هامشية، بل أساس في بناء المجتمع. وقد ارتبطت الرحمة دائماً بالقوة لا بالضعف. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أرحم الناس، وفي الوقت نفسه أقواهم قيادة وبناء دولة.
الرحمة في التجربة الإسلامية أنتجت مجتمعاً متماسكاً، تحركه الرقابة الذاتية، لا الخوف من السلطة. وهذا ما جعل المجتمعات الإسلامية الأولى قادرة على الإنتاج، والعلم، والتجارة، وبناء الحضارة.
الفقه الإسلامي ذاته بُني على مقاصد تقوم على رفع الحرج، وحفظ النفس، والمال، والكرامة، وهي مقاصد ذات أثر اقتصادي مباشر.
سادساً
حين تغيب الرحمة
تكلفة القسوة اقتصادياً
غياب الرحمة في الإدارة والسياسات العامة يؤدي إلى نتائج خطيرة، منها ارتفاع معدلات الفساد، لأن القسوة تولد التحايل، وازدياد النزاعات، وانخفاض جودة العمل، وتفكك الثقة بين الفرد والمؤسسة.
الدراسات الحديثة في علم النفس التنظيمي تؤكد أن القسوة الإدارية تخلق بيئة عمل سامة، تؤدي إلى استنزاف الطاقات، وارتفاع التكاليف غير المرئية، مثل الأخطاء، والتأخير، والاستقالات، والمرض.
القسوة قد تبدو حازمة في المدى القصير، لكنها مدمرة في المدى الطويل.
الخاتمة
الرحمة ليست نقيض القوة، بل هي أرقى أشكالها. وهي ليست عائقاً أمام الإنتاج، بل شرط من شروطه. المجتمعات التي أدركت هذه الحقيقة، بنت إنساناً متوازناً، ومؤسسات مستقرة، واقتصاداً قادراً على الاستمرار.
أما المجتمعات التي اختارت القسوة طريقاً للإدارة، فقد ربحت انضباطاً ظاهرياً، وخسرت روح الإنتاج.
إن إعادة الاعتبار للرحمة بوصفها قوة ناعمة، ليست مهمة أخلاقية فقط، بل مشروع اقتصادي حضاري متكامل.
رأي منبر بنيان
أن الرحمة تمثل أحد أعمدة الاقتصاد الأخلاقي الذي تحتاجه المجتمعات العربية اليوم، ليس كشعار ديني أو إنساني، بل كمنهج عملي لإدارة الدولة، والمؤسسة، والإنسان. فحيث تُدار السياسات بعقل بارد وقلب واع، يولد مجتمع منتج قادر على تجاوز الأزمات.
المراجع الفكرية والعلمية
دراسات الاقتصاد السلوكي في جامعة هارفارد حول بيئات العمل الإنسانية
تقارير منظمة الصحة العالمية عن الصحة النفسية والإنتاجية
أبحاث البنك الدولي حول رأس المال البشري
تجارب الدول الإسكندنافية في
سياسات الرفاه والإنتاج
كتب ابن خلدون في العمران البشري وأثر
العدالة في ازدهار الدول
مقاصد الشريعة كما قررها الشاطبي وابن عاشور
دراسات علم النفس التنظيمي في جامعة ستانفورد
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم