القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com

في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن تشتّت القوى المدنية أضعف تأثيرها وأفقدها رؤية موحّدة، داعيًا إلى تنسيق واسع تحت مظلة واحدة للاتفاق على القضايا الأساسية مثل وقف الحرب واستعادة المسار الديمقراطي، معتبرًا أن هذا الهدف ممكن إذا توفرت الإرادة، دون الحاجة إلى اندماج سياسي شامل وصفه بالمستحيل.

مع الاحترام، أعتقد أن التصريح في ذاته يهزم الفكرة. فمجرد التنسيق تجاه وقف الحرب لا يعني سوى توحيد الصراخ بالاحتجاج أو التوسّل، وتأثيره يظل محصورًا في الضغط النفسي على أطراف الحرب الذين تجاوزوا هذه المرحلة منذ زمن.

الضغط الفاعل المطلوب اليوم هو الضغط السياسي المبني على مشروع وطني واضح. غياب المشروع يعني الدخول في تفاوض بلا أوراق قوة، بلا مرجعية، حيث يتحول الحوار إلى مجرد مناشدة أو مساومة، وتنازلات بلا سقف ولا اتجاه.

ثم إن المشروع يحتاج إلى وحدة الصف الوطني، وليس مجرد تنسيق عابر. فوحدة الصف هي القوة الحقيقية التي توحد الرؤية، وتمنح المشروع مصداقية وقدرة على التأثير، وتجعل التفاوض في اتجاه مدروس وواضح. كما أنها القوة الجاذبة والدافعة للجماهير للانخراط خلف المشروع.

ثم ان تصريح د. حمدوك يناقض نفسه، فكيف يمكن تحقيق التحول المدني الديمقراطي الذي يتحدث عنه بدون مشروع ووحدة الصف؟ الجميع يقرّ بأن أسباب الحرب جذرية وتتطلب علاجًا جذريًا، فيبقى الحل في المشروع الوطني الشامل الذي يعالج جذور المشكلة بكل مطلوباتها، بما في ذلك التداول السلمي للسلطة “الديمقراطية”.

وحدة الصف الوطني تعني تجمع القوى السياسية والمجتمعية في منصة مشتركة لتأكيد الاتجاه نحو الحل الجذري، وتوحيد المواقف الأساسية بما يضمن وجود خريطة طريق واضحة، وأدوات ضغط موحدة، وتحديد من يمثل هذا التجمع في أي تفاوض مع أطراف الحرب حول بنود وحدود متفق عليها. وهذا لا يكفي لتحقيقه مجرد التنسيق العابر. ولا يحتاج إلى الاندماج السياسي الكامل الذي يتحدث عنه د. حمدوك، وهو اصلا غير متصور .

يبقى السؤال: أيهما أسبق، المشروع أم وحدة الصف؟
المشروع يسبق وحدة الصف، لأن الوحدة لا يمكن أن تنشأ إلا حول رؤية وطنية واضحة.

أما من يصنع المشروع، فهو أي مجموعة حادبة تتمتع بقبول نسبي لدى بقية القوى المدنية وأطراف الحرب.

في مسار آخر، هناك من يرى أن المطلوب أولًا جمع قوى الثورة لإزالة أسباب عدم الثقة، ثم التفكير في إنهاء الحرب. ومع تقدير حسن نوايا هذا الطرح، إلا أنه ترتيب غير موفق عمليًا وسياسيًا، فالحرب هي أصل أزمة الثقة، وإدارتها بمعزل عن مشروع إنهائها لا يؤدي إلا إلى إطالة الخلاف بدل حله.

الثقة لا تُبنى على اللقاءات والنوايا الطيبة وحدها، بل تُستثمر هذه النوايا في الاتفاق على مشروع وطني واضح لإنهاء الحرب وبناء الدولة؛ فالاتفاق على المشروع يخلق الوحدة، يقلل الشكوك، ويرمم الثقة داخليًا وبشكل تلقائي.

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

تحديات المرحلة الانتقالية: غياب الرؤية، والثقة، ومنصة الحكماء – (1)

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com لقد واجهت المرحلة الانتقالية عدة تحديات قادت إلى ما …