بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
لم يكن “الكدمول” يوماً مجرد قطعة قماش تُلف حول الرأس والوجه، بل هو تعبير حي عن علاقة الإنسان ببيئته، وشفرة بصرية تحكي أنماط الحركة في فضاء الصحراء الكبرى. في التحليل السيميائي، لا تحمل “العلامة” معنى ثابتاً بذاتها، بل يتشكل معناها من سياقها؛ فالكدمول هنا “دالّ” (Signifier) تعددت مدلولاته بتعدد المحطات: فهو في أصله الصحراوي رمز للتكيف والصمود، وفي إطار الفروسية البدوية عنوان للهيبة، أما في آتون الحرب الراهنة فقد استحال رمزاً للانتماء العسكري والاستقطاب السياسي. هذا التحول هو ما يجعل قراءة الكدمول اليوم كشفاً لتحولات أعمق في بنية المجتمع السوداني.
جغرافيا الكدمول: الوظيفة قبل الرمز:
في منشئه الأول، الكدمول هو “ابن الضرورة” في الصحاري القاسية، حيث تفرض الرياح المحملة بالغبار والشمس الحارقة حاجة عملية لحماية الوجه. لذا نجد جذوره ضاربة لدى مجموعات رعاة الإبل (الأبالة) في شمال دارفور وشرق تشاد. وهنا تبرز قبيلة “الزغاوة” كإحدى أكثر المجموعات التصاقاً بهذا الزي، حيث تحول لديهم من أداة بقاء إلى جزء من سيميولوجيا “الهيبة والفروسية”، وانتقل عبرهم ومن خلال التداخل مع الأبالة العرب إلى بقية المجموعات الرعوية.
في المقابل، يقل حضور الكدمول كزي أصيل لدى قبائل “الزرقة” المستقرة (كالفور والمساليت والبرقو والبرنو والفلاتة)، الذين ترتبط هويتهم البصرية بـ “العمامة” كرمز للاستقرار، ليبقى الكدمول في أوساطهم مرتبطاً بحياة “الميدان” والعمليات العسكرية، لا بحياة القرية والموروث الاجتماعي المستقر.
ما وراء العرق: الكدمول كمنتج بيئي:
إن التدقيق في انتشار الكدمول يثبت حقيقة جوهرية: أنه لا يحمل دلالة إثنية محددة، بل هو “انتماء جغرافي” بامتياز. إنه زي الإنسان البدوي المتنقل أياً كان عرقه، ولذلك يختفي في المناطق الحضرية والمجتمعات الزراعية. وما صبغه بالصبغة القتالية مؤخراً إلا نتيجة لتحولات الصراع الذي اتخذ من الصحراء مسرحاً له، مما حول الأداة الوظيفية إلى شعار قتالي.
كردفان: صراع “العمامة” و”الكدمول”:
داخل إقليم كردفان، يختلف المشهد جذرياً؛ فالملاحظة الميدانية من النهود شمالاً مروراً بالأبيض وحتى أم روابة شرقاً، تؤكد سيادة “العمامة” كرمز للوقار التاريخي. ويظهر الارتباط بالبيئة جلياً عند المقارنة بين المجموعات العربية؛ فبينما يرتدي “الكبابيش” و”دار حامد” في شمال كردفان الكدمول كضرورة وظيفية صحراوية، نجد غياباً تاماً له لدى قبيلة “الحوازمة” العربية في جنوب كردفان. والمفارقة أن الحوازمة يشتركون في الأصل الرعوي (العطاوة) مع المسيرية والرزيقات، لكن طبيعة جنوب كردفان الجبلية والماطرة جعلت “العمامة” خيارهم الأصيل، بعيداً عن ثقافة الكدمول الصحراوية.
أما لدى “المسيرية” في جنوب غرب كردفان، فتظهر مفارقة أخرى؛ فرغم عيشهم في بيئة “سافنا” لا تستدعي الكدمول وظيفياً، إلا أن انخراطهم في الصراعات المسلحة وتداخلهم مع المجموعات الدارفورية أدخل الكدمول إلى حياتهم كـ “زي ميداني”. هذا التحول يعكس انتقال الكدمول من موروث بيئي إلى “ثقافة فروسية قتالية” عابرة للقبائل، مما أحدث تمايزاً بصرياً عن الإرث الكردفاني المستقر.
من زي الهامش إلى ثقافة “الفزع”:
إذا كانت الجغرافيا تشرح الأصل، فإن التاريخ السياسي يشرح التحول. قبل عام 2003، كان الكدمول رمزاً لـ “البداوة والتهميش” في مقابل العمامة التي مثلت المركز والإدارة الأهلية. لكن نقطة التحول الكبرى في الوعي الجمعي (وخاصة في الخرطوم) كانت معركة “الذراع الطويلة” عام 2008، حين دخل مقاتلو حركة العدل والمساواة أم درمان بوجوه ملثمة؛ حينها صُدم المخيال الحضري بالكدمول كرمز للتهديد المسلح لأول مرة.
ومع نشوب حرب 2023، اكتملت الدورة الدلالية. فرغم أن قوات “الدعم السريع” بدأت كقوة نظامية بزي رسمي، إلا أن اتساع رقعة الحرب واستدعاء نظام “الفزع” (الاستنفار العشائري) جلب آلاف المقاتلين من الحواضن البدوية بثقافتهم الصحراوية. هكذا عاد الكدمول بقوة، لا بوصفه زياً لمؤسسة عسكرية، بل بوصفه زي “التحالف القبلي” العابر للحدود. وفي المقابل، يظل الكدمول هو الزي الأصيل لمقاتلي “القوات المشتركة” المنحدرين من بيئات صحراوية مماثلة، مما خلق “بلبلة دلالية” جعلت من قطعة القماش هذه علامة على “ثقافة القتال” أكثر من كونها تبعية لجهة محددة.
الخلاصة: خريطة دلالية متحركة:
إن قراءة الكدمول في كردفان تكشف كيف تنتقل الثقافة عبر مسارات الرعي والحاجة، وأحياناً عبر فوهات البنادق. لقد تحول الكدمول من أداة بقاء إلى رمز استقطاب، وهو اليوم يمثل “زحف ثقافة الصحراء الكبرى” نحو مناطق الاستقرار والزراعة.
إننا أمام صراع صامت بين “العمامة” التي تمثل الاستقرار والتقاليد الحضرية، و”الكدمول” الذي بات يمثل الترحال، المواجهة، والنفوذ العسكري الجديد. في كردفان اليوم، لم يعد الكدمول مجرد لباس، بل أصبح مؤشراً بصرياً على تحولات عميقة في هوية السلطة وبنية الانتماء في السودان المعاصر.
salahabusarah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم