قراءة في الفرق بين الكفاءة المهنية والتأثير القيادي
بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
على مدى عقود، ترسخ اعتقاد مهني بسيط: العمل الجاد والمتقن هو الطريق الطبيعي للصعود الوظيفي. وفي أسواق العمل العالمية – من مراكز المال في الخليج إلى قلاع التكنولوجيا في وادي السيليكون – ، غير أن نظرة متأنية إلى خرائط القيادة في الشركات الكبرى تكشف مفارقة لافتة: التميز التقني يكثر في المستويات التنفيذية الوسطى، بينما يقل تمثيله في دوائر القرار الاستراتيجي. وهنا يبرز السؤال الذي يثير الحيرة والجدل: لماذا يصعد أحياناً من هم أقل عمقاً تقنياً إلى مواقع القيادة الأعلى؟
الإجابة لا تتعلق بإهمال الكفاءة، بل بفهم اختلاف طبيعة الأدوار.
فخ الكفاءة التقنية :(The Technical Competence Trap)
كلما ارتفعنا في السلم القيادي، تغيّر معيار التفوق. فالمؤسسات لا تختار قادتها لأنهم الأفضل في التفاصيل، بل لأنهم الأقدر على إدارة الصورة الكلية. القيادة العليا لا تتعامل مع المهام، بل مع الاتجاهات؛ لا تركز على إتقان العملية، بل على جدواها الاستراتيجية. الكفاءة التقنية تبني سمعة مهنية محترمة، لكنها لا تضمن بالضرورة انتقالاً تلقائياً إلى دائرة القرار. فالقمة تتطلب قدرة على إدارة التعقيد، وتحمل ضبابية المعلومات، واتخاذ قرارات تؤثر في منظومة كاملة لا في مشروع محدد.
القيادة ليست نسخة موسّعة من الدور الفني، بل وظيفة مختلفة في طبيعتها ومسؤولياتها.
الحضور المهني وصناعة الإدراك:
كثير من المهنيين يكتفون بالإنجاز الصامت، معتقدين أن العمل سيتحدث عن نفسه. لكن في البيئات التنافسية، لا يكفي أن تُنجز؛ يجب أن يُفهم أثر إنجازك.
الحضور المهني ليس استعراضاً، بل إدارة واعية للإدراك. الترقية في المستويات العليا لا تعتمد فقط على ما فعلته، بل على ما يعتقد الآخرون أنك قادر على فعله مستقبلاً. هنا يتشكل الفارق بين من يُنظر إليه كخبير تقني، ومن يُنظر إليه كقائد محتمل.
في هذا السياق تبرز أهمية العلامة المهنية (Personal Branding). ليست هذه مفهوماً تسويقياً سطحياً، بل وضوح في الهوية المهنية. عندما يُذكر اسمك في اجتماع لا تحضره، ما الصورة التي تتبادر إلى الأذهان؟ هل تُعرّف كمنفذ متميز، أم كصاحب رؤية، أم كشخص يُعتمد عليه في لحظات التحول؟
في المستويات العليا، الإدراك يسبق القرار. ومن لا يصوغ هويته المهنية بوعي، يُترك للانطباعات العفوية أن تحدد مستقبله.
من لغة المهام إلى لغة القيمة :
أحد التحولات الحاسمة في المسار المهني هو الانتقال من الحديث عن “كيف أنجزت” إلى الحديث عن “ما الأثر الذي صنعته”. الإدارة العليا لا تنشغل بالتفاصيل التشغيلية بقدر انشغالها بتقليل المخاطر، وتعزيز الربحية، وضمان الاستدامة.
الفرق بين منفذ متميز وقائد مؤثر يكمن في القدرة على ترجمة الجهد إلى قيمة استراتيجية. فالمناصب العليا لا تُمنح لمن يتقن العمل فقط، بل لمن يفهم كيف يرتبط ذلك العمل بمستقبل المؤسسة.
إدارة المخاطر لا إدارة التفاصيل:
عند الاقتراب من دوائر القرار، تتغير الأسئلة جذرياً. مجلس الإدارة لا يبحث عن الأعمق تقنياً، بل عن الأقدر على حماية المؤسسة من المخاطر النظامية. المدير التنفيذي يُحاسب على استقرار الاتجاه، وحماية السمعة، وضبط التوازن بين الطموح والانضباط.
لهذا قد يُفضَّل أحياناً شخص يمتلك رؤية كلية، وحساً تنظيمياً، وقدرة على إدارة أصحاب المصلحة، حتى وإن لم يكن الأكثر تخصصاً في التفاصيل الفنية. القيادة العليا ليست منافسة في العمق المعرفي، بل في الاتساع الإدراكي.
بين الخبير وصانع القرار:
الخبير يحل المشكلة المطروحة أمامه بكفاءة عالية، أما القائد فيحدد أي مشكلة تستحق أن تُطرح أصلاً. الخبير يعمل داخل النظام، بينما القائد يمتلك الجرأة لإعادة تشكيله عند الضرورة.
الانتقال من مربع “الإجادة” إلى مربع “التأثير” يتطلب تحولاً في طريقة التفكير، لا مجرد تراكم في سنوات الخبرة.
السياسة التنظيمية والذكاء العاطفي:
ينفر البعض من السياسة التنظيمية ظناً أنها مرادف للمحاباة، بينما هي في جوهرها فهم لموازين القوى، وبناء للتحالفات، واختيار دقيق للتوقيت. تجاهلها لا يُلغيها، بل يُبعد صاحبها عن دوائر التأثير.
ويظل الذكاء العاطفي Emotional Intelligence عاملاً حاسماً في هذه المرحلة. فالمستويات العليا تختبر قدرة القائد على إدارة الخلاف دون تصعيد، وعلى الحفاظ على اتزان انفعالي تحت ضغط، وعلى ممارسة الحزم دون عدوانية. التواضع قيمة، لكن إن تحول إلى تردد أضعف الحضور. والهدوء ميزة، لكن إن فُهم كغياب للرؤية كلف صاحبه موقعه في طاولة القرار.
من المعرفة إلى التأثير:
العالم لا يكافئ ما تعرفه فقط، بل ما تصنعه بما تعرفه. الكفاءة التقنية تضعك داخل الملعب، لكن القدرة على صناعة الاتجاه، وبناء التحالفات، وتحمل القرار، هي ما يحدد من يقف على منصة القيادة.
الفرق بين من يصعد ومن يبقى في مكانه ليس في مقدار المعرفة، بل في مقدار التأثير.
salahabusarah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم