بين الحين والآخر تسوقنا الأقدام، نازك وأنا، أثناء تجوالنا بلاغاية بعينها سوى الترويح عن النفس في سوق بلدة تلبرخ إلى شارع وليام الثاني حيث يجثم مبنى سيناسيتا العتيق الجامع تحت سقفه لكافيه ومطعم وعدد من صالات السينما. نرتاد سيناسيتا لأن بإمكان المرء أن يشاهد فيها دون أن يدفع الكثير من المال أفلاماً تعزف عن عرضها دور السينما آلأخرى التجارية الطابع ذات الهوى الأمريكي، فالمعروف عن سيناسيتا أن أفلامها تنتمي لنوع الفن الذي يوصف بالسباحة خارج التيار الثقافي المهيمن.
تنفتح بوابة المبنى فيقودنا بهو تزين جداره الأيمن ملصقات تروِّج لأهم أفلام الأسبوع. يمتد البهو إلى صدر المبنى حيث يستقبلنا مكتب دائري لبيع التذاكر. إلى اليمين نرى الكافيه والمطعم. وإلى اليسار تتناثر موائد مستديرة ومقاعد اعتدنا على الجلوس عليها ريثما يؤذن لنا بولوج صالة العرض. من جهة اليمين يمتد جدار بلوري شفاف وراءه دكة ومقعد أثريان معروضان كجزء من زينة المكان الذي يقودك إلى كلب جامد مبرقع اللون اختلطت في تكوين قوامه قطع من خردة المعادن والخشب والمطاط والخرز الملون.
يتميز الكلب بنعومة الجلد المجرد من كل صوف، ومع ذلك يعلو رأسه تاج من الصوف الأسود أغلب الظن أنه من مخلفات باروكة عفى عليها الزمن، من الصعب تحديد فصيلة الكلب ففيه تقاطعت عدّة فصائل.
عندما تنظر الى الكلب الواقف هناك مرفوع الذيل بادياً لك في صورة الكائن السعيد فسوف تنخدع بمظهره فتظنه يتهيأ لاستقبال رواد السينما، لكن إذا تريثت
وتفكَّرت قليلاً فسوف تلحظ أنه لايحرك ذيلاً ولايطلق نباح الحفاوة المألوف بالزوار. أما الأخيرين فإنهم يكافئون جموده وسكوته وتوتر ذيله بالبرود التام فيمرون بجواره دون أن يعيروه اهتماماً كأن يربتوا برفق على الباروكة التي تزين رأسه، أو يقوموا بالمسح على ظهره وعنقه بينما ينتصب ذيله كآريل المذياع. ولكن إذا أجِلت النظر في عموم المحيط الذي يتوسطه الكلب وعقدت الصلة بين ما يحتويه المكان من أشياء فلا ريب أنك متبين أن الكلب إنما يقف هناك ليقوم بحراسة تمثال يجسم رجلاً من ذوي البشرة البيضاء، في نحو الثلاثين من العمر، مفتول العضلات، مكفكف أكمام القميص، واسع البنطال فضفاضه جرياً على صرعة الأزياء الرجالية التي سادت الأربعينات من القرن الماضي، يرتدي قبعة مستديرة الحواف، وينظر في أسى إلى العالم الموَّار بالحياة.
أجلس في الصالة متحدثاً إلى نازك وناظراً من طرف خفي إلى الكلب المؤلَّف من قطع الخردوات يذكرني بألعاب الطفولة الباكرة في القرية خمستاشر بسهل البطانة. يذكرني بالعاب كانت تخرج كالسحر من بين يدي اابن قريتي محمد صالح فقيري الصموت المتفجر ابداعا والذي كان يذهلنا بتأليفه لنماذج من المركبات يصنعها من بقايا المهملات. أما التمثال فيعيدني هو الاخر الى الوراء، إلى عالم مندثر كنت شاهداً على خواتيمه أيام الدراسة في اوروبا الشرقية، يصدمني مايرين على وجه التمثال من شحوب فظيع لطول ماوقف في البرد. يذكرني بملصقات البروباغاندا السوفيتية التي كانت تزين مطبوعات دار التقدم للطباعة والنشر بموسكو والموجَّهة للتروبج والمباهاة بفتوة الطبقة العاملة وعملقتها مقابل ضمور القزم البرجوازي وحقارته إبّان حمى التنافس الذي كان مستعر الأوار في حقبة الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي.
مخفوراً بكلب الحراسة الجامد المؤلف من بقايا المواد ينتصب التمثال مفتول العضلات داخل صندوق عال بلوري شفاف مفتوح من الأعلى بنتشر فيه سرب من الفراشات الصفر التي توقفت عن الطيران.
بانتظار الفلم أحدِّث نفسي قائلاً: لعل ذاك الكلب الذي لايغمض له جفن ليلاً ولانهاراً يحرس تمثال الطبقة العاملة المعتقلة في الصندوق البلوري المزيَّن بالفراشات الصفر لا ليحميه من شرور العالم، بل ليقيِّده ويمنعه من الحركة، أو طلب النجدة والخلاص مما هو فيه فيظلّ ثابتاً مكانه كجزء من الزينة ليس إلاّ ؟
أقول قولي هذا ثم أفيق ناهضاً بتثاقل عندما تنبهني نازك إلى أن ميقات الدخول إلى صالة العرض قد حان.
عثمان محمد صالح،
تلبرخ، هولندا
osmanmsalih@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم