المال مقابل الدم: لماذا استعانت الحكومة السودانية بمرتزقة من جنوب السودان للقتال في اليمن؟

بقلم: لوال كوال لوال
lualdengchol72@gmail.com

لم تعد الحروب في عالم اليوم صراعًا من أجل المبادئ أو الدفاع عن السيادة، بل أصبحت في كثير من الأحيان تجارة قذرة يديرها السياسيون ويتكبد ثمنها الفقراء. والسودان، في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، لم يكن استثناءً من هذه القاعدة المؤلمة. ففي عام 2015، حين قرر النظام الانضمام إلى التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات في حرب اليمن، لم يكن الدافع وطنياً أو عقائدياً كما روّجت وسائل الإعلام الرسمية، بل اقتصادياً وسياسياً بامتياز. كانت البلاد آنذاك ترزح تحت ضغوط اقتصادية خانقة، وقد فقدت أغلب مواردها النفطية بعد انفصال الجنوب عام 2011، فأصبحت تبحث عن منفذ يمدها بالأموال ويحفظ للنظام توازنه الداخلي. وهكذا تحولت الحرب البعيدة في اليمن إلى فرصة استثمارية في الدم السوداني، تُباع فيها أرواح الشباب مقابل حفنة من الدولارات. انخرطت الحكومة السودانية رسميًا في حرب اليمن تحت لافتة “دعم الشرعية اليمنية”، لكن الواقع على الأرض كان مختلفًا تمامًا. فالقوات التي أُرسلت إلى هناك لم تكن من الجيش النظامي بالكامل، بل من تشكيلات غير رسمية أبرزها قوات الدعم السريع، التي تشكلت من بقايا مليشيات دارفور وجنود تم تجنيدهم من الأقاليم المهمشة. والمثير في الأمر أن عددًا من هؤلاء المقاتلين ينحدر من الميليشيات الجنوب سودانية او القوات الصديقة التي قاتلت لجانب الجيش السوداني في حرب جنوب السودان (1983-2005)، ويتم إرسالهم إلى اليمن بزيٍّ الجيش السوداني ولا يزال البعض الآخر في اليمن حتي الآن. هؤلاء المقاتلون هم من وُصفوا في الإعلام المحلي والدولي بـ”المرتزقة القادمين من جنوب السودان” واصبحت البعض منهم تقاتل مع الدعم السريع في الحرب السودانية الحالية لانهم كانوا في معسكرات الدعم السريع تمهيدا للقتال في اليمن. هؤلاء الشبان جُنّدوا بعقود مالية مؤقتة، ووُعدوا برواتب تفوق ما يمكن أن يحلموا به داخل السودان. فالفقر والبطالة والحرمان كانت كفيلة بأن تدفعهم لخوض مغامرة قاتلة في أرض لا يعرفونها وفي حرب لا تخصهم. كانت تلك النسخة الحديثة من تجارة الرقيق، ولكن تحت غطاء رسمي وسياسي، حيث يُستغل الفقر والتهميش لصالح سلطة تبحث عن البقاء لا عن الكرامة الوطنية. بعد انفصال الجنوب، خسر السودان حوالي 75% من عائداته النفطية، فانهارت الموازنة العامة وتفاقمت الأزمات المعيشية. وجاءت حرب اليمن لتُقدَّم للنظام فرصة ذهبية: التحالف الخليجي يحتاج إلى مقاتلين، والخرطوم تحتاج إلى المال. كانت تلك معادلة بسيطة ومأساوية في الوقت نفسه. فقد حصل السودان على مساعدات مالية ضخمة من السعودية والإمارات مقابل المشاركة في العمليات، وتدفقت الأموال على النظام بينما لم تصل إلى الجنود إلا الفتات. تحولت المشاركة في الحرب إلى وسيلة لتمويل الدولة عبر دماء أبنائها، حتى بات كثير من الفقراء ينظرون إلى الحرب كفرصة لتحسين أوضاعهم المعيشية، لا كمأساة وطنية. لقد تحوّل الموت نفسه إلى مهنة، وصار الجندي السوداني يقاتل تحت شمس اليمن مقابل أجرٍ يومي، بينما القادة في الخرطوم يفاوضون على نسب الدعم المالي. لم يكن البشير يهدف فقط إلى المال، بل إلى شراء شرعية خارجية بعد أن طوقته العقوبات الأمريكية والعزلة الدولية. كان يعرف أن المشاركة في التحالف العربي ستكسبه رضا السعودية والإمارات، وربما تفتح له أبواب واشنطن بعد سنوات من القطيعة. وبالفعل، حاول النظام أن يقدّم نفسه كحليف في “محور الاعتدال العربي”، وأن يغسل تاريخه في دعم الحركات الإسلامية المسلحة. لكن هذه المقايضة كانت باهظة الثمن، لأنها جعلت السودان رهينة للتمويل الخارجي، ومكّنت الدول الداعمة من التحكم في قراراته السيادية. لقد باع النظام قراره الوطني مقابل استمرار الدعم المالي والسياسي، تمامًا كما باع دماء جنوده في أرضٍ غريبة. ما يجعل التجربة أكثر قسوة هو أن الذين أُرسلوا إلى حرب اليمن لم يكونوا أبناء الطبقة الحاكمة أو الأغنياء في الخرطوم، بل شبابًا بسطاء من الأقاليم المنسية. في دارفور وكردفان والنيل الأزرق ومليشيات تمولها الخرطوم لزعزعة الاستقرار في جنوب السودان، وجد النظام خزانًا بشريًا جاهزًا للاستغلال. لم يسأل أحد عن مستقبل هؤلاء المقاتلين، ولا عن الأمهات اللواتي ودّعن أبناءهن دون أن يعرفن إن كانوا سيعودون. الكثير منهم عادوا جثثًا في توابيت مغلقة، وبعضهم لم يُعرف مصيره حتى اليوم. في المقابل، استخدم النظام هذه المشاركة لتمويل أجهزته الأمنية وشراء الولاءات داخل الحزب والدولة، وكأن دماء هؤلاء الشباب مجرد بند مالي في ميزانية السلطة. لقد تحولت الحرب إلى مرآة تكشف انعدام العدالة داخل السودان، حيث يموت المهمشون كي يعيش المتنفذون في القصور. ما حدث في حرب اليمن لم يكن مجرد حادث عابر في تاريخ السودان، بل علامة على انهيار الأخلاق السياسية التي حكمت البلاد لعقود. حين تسمح دولةٌ لنفسها بأن تُرسل أبناءها للقتال في أرضٍ لا تخصهم، مقابل المال، فإنها تكون قد باعت آخر ما تبقّى من كرامتها الوطنية. لقد أراد النظام السابق أن يشتري الوقت بالدولارات، لكنه خسر روحه في المقابل. وسيبقى السؤال الأخلاقي معلقًا في ضمير التاريخ: كيف لبلدٍ عرف الحرب والمعاناة أن يشارك في تصدير المعاناة إلى الآخرين؟ وكيف لقيادةٍ تزعم حماية الوطن أن تبيع أبناءه في سوق النخاسة؟ إن مأساة المقاتلين السودانيين ومرتزقته في اليمن ليست فقط في موتهم هناك، بل في الصمت الذي أحاط بقضيتهم، وكأن حياتهم لا تستحق الذكر. لكن التاريخ لا ينسى، وسوف يكتب يومًا أن الخرطوم أرسلت أبناءها إلى جحيمٍ بعيد بحثًا عن مالٍ زائل، وأن الوطن خسر جزءًا من روحه حين جعل من الدم تجارةً ومن الحرب استثمارًا.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …