اعتمد البساطة أسلوب حياة ، كان يقدم الآخرين علي نفسه ، كان مشروعه الأكبر ( مزيرة ) داخل المنزل ذاع صيتها في كافة أرجاء ام درمان ، يقدم الماء بنفسه بالكوب في يمينه و(جك) في يساره وابتسامة رضا في محياه وهو يردد ( بهذا الماء إن شاء الله سبحانه وتعالى
ghamedalneil@gmail.com
إنه ( المبروك باذن الله سبحانه وتعالى ) المبارك فضل الله عبدالرحمن قرشي ، خريج الاحفاد الثانوية، هذه المدرسة المعني والمبني التي يتحلى خريجها بانبل الصفات علي رأسها نكران الذات وعشق العمل الصالح وتحمل المسؤولية وحب الوطن !!..
وضع قدمه في أول السلم الوظيفي علي عتبة ( شركة النور ) ايام كانت الخدمة المدنية نور وضياء يتلألأ في سماء العاصمة وكان كل شيئ فيها يسير مثل ( بندول الساعة ) قمة الانضباط والموظف هنالك مثل ( بق بن ) دائما في المواعيد وقته كله مسخر لخدمة المراجعين بكل دقة وذوق وأدب رفيع ومهنية عالية !!..
انتقل الي مجلس بلدي بحري في وظيفة لها تعامل مباشر مع الجمهور تتطلب صبرا واناة ونظافة في المكان وفي المظهر وفي المخبر وان تكون متوفرة لديه افلام ( الكوبية) هذه الأقلام الساحرة التي يجيد التعامل معها الخطاطون من ذوي التركيز العالي الذين تتراكم أمامهم الدفاتر الضخمة ذات الأوراق المصقولة المسطرة علي حسب المطلوب بالوان زاهية ولها ( أغلفة ) متينة البنيان ناعمة الملمس تعطي الدفتر هيبته ومكانته لأن هذا الدفتر يختص بمعاملات الجمهور ولابد لهذه المعاملات إن تدار بمسؤولية واحترام تحفظ حقوق الغير في بلد كانت فيه الخدمة المدنية تتوهج مثل الشمس في بلادنا وينتشر نورها علي العالمين العربي والافريقي !!..
تميز المبارك فضل الله بالأناقة في الملبس والخط وجودة الكلام والاهتمام بادق التفاصيل وفي ذلك كان يسعي الي محبة الناس من يعرف ومن لايعرف وله بوصلة لاتخطيء في كسب ود الجميع بادواته الخاصة التي تمثلت في قفشاته الذكية ومبادراته التلقائية لخدمة أهله والجيران والأصدقاء والمجتمع من حوله !!..
منذ ان تم توظيفه درج علي سنة سار عليها إلي ان احيل إلي المعاش ، عند صرف المرتب آخر الشهر كان يقتسم المبلغ مع ذوي قرابته ويقسمهم الي فئات ، الكبار ينال كل فرد منهم ( واحد ريال ) والشباب ( خمسة قروش ) والصغار ( ٢٥ مليما ) !!..
لنا مقولة نتمثل بها حتي اليوم تقول :
( إن ريال المبارك يفوق الجنيهات عند الآخرين ) !!..
نعود ل ( المزيرة ) وقد تفرغ لها تماما بعد النزول للمعاش ، يباشر نظافة ( الزيرين ) في وقت متأخر من الليل بخرطوم مياه غاية في النظافة والأناقة لايرمي علي الارض بل يعلق علي مشجب علي جانب من الدولاب داخل الصالون ( الديوان ) حتي لاتعلوه ذرة من تراب ومن ثم يتم تعبئة ( الزيرين ) بالمياه مع ضمان ان المزيرة نفسها تكون زاهية جميلة تستقبل زوار الصباح من البيت ومن خارج البيت تزودهم بماء صاف نمير بارد برودة طبيعية لا تسبب أوجاع للحلق أو أي نوع من المشاكل التي يتسبب فيها الماء المثلج !!..
بائع اللبن المرابط في طرف الشارع يشرفه ان يشرب من زير المبارك وتعود بعض الباعة الجائلين إن يطلبوا كوبا من ذاك الماء الزلال والمبارك نفسه كان يخرج في وقت الضحا ويجلس علي المسطبة خارج المنزل وكل من يمر بالجوار سواء طلب السقيا ام لم يطلب يعطيه المبارك نصيبه من هذا الشرب الصافي وتلقائيا يتحول هذا الشخص الذي جاء عرضا يصبح من أصدقاء زير المبروك !!..
صعدت روح المبارك الي بارئها راضية مرضي عنها باذن الله سبحانه وتعالى وانتشر الخبر وذاع في وقت قصير ليحتشد في الحوش قبل التشييع الاعداد الهائلة التي فاض بها المكان وكان يسهل علي كل مدقق ان يري وجوها مألوفة لديه من غير الأهل أنها وجوه الكثيرين من الذين ربطهم بالمكان زير المبارك !!..
دفن الراحل المبارك تحت ظل شجرة جوار قبر عمه حسن قرشي وكانت بينهما ألفة وود متبادل ومدح الراحل المبارك هذه الشجرة بظلها الظليل وتربتها الرطبة الناعمة ، وبعد اسبوع واحد دفن تحتها فكانما قد سمعت حديثه الطيب عنها وكانت إرادة الله سبحانه وتعالى ان يكون هو والشجرة صديقين وبينهما العم حسن قرشي ينعم ثلاثتهم بهذه الصحبة الأبدية ونسأل الله سبحانه وتعالى ان يجعل مثواهم الجنة في أعلي عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
الراحل عرف بامانته غير المحدودة وكان هذا سر اتجاه الكثير من الأهل والأصدقاء والجيران يضعون عنده اماناتهم من الذهب والمال وهم علي ثقة إن هذه الإمانات في الحفظ والصون وعندما انتقل الي رحمة مولاه فتح اخوه عبدالرحمن الدولاب الذي يحوي هذه الإمانات ووجد الدفتر الخاص بهذه المهمة الكبيرة مرتبا علي احسن مايكون التربيب وكل صاحب أمانة مكتوب اسمه بعناية فائقة وخط جميل وأمامه مايخصه عند الراحل وكانت الموجودات متطابقة تماما كما هو مدون في الدفتر لم تنقص الأموال المودعة جنيها واحدا ولم ينقص الذهب جراما وقام الأخ عبدالرحمن بتسليم كل ذي حق حقه علي دائر المليم كما يقولون وهكذا رقد الراحل في قبره مرتاحا كما كان في حياته مرتاحا بامانته وصدق تعامله !!..
عرف الراحل بكرمه الاصيل مع الكبار ومع الصغار وبالنسبة للصغار كلما وصله أحد منهم ينفحه بأطيب الحلوي واجود انواع البسكويت فهو بحق صديق الاطفال مثلما هو صديق للكبار !!..
كان الراحل المبارك فضل الله مثل شيخ القبيلة وزعيم الطائفة وكان أبا واخا وصديقا للجميع شعاره :
( إن أردت ان تسعد فاعمل علي سعادة الآخرين ) !!..
كان يحب الخير لكل الناس فلذلك احبه الجميع ومازالت ذكراه عطرة حية في النفوس رغم مرور الأعوام فاياديه التي سلفت لا نقول أصبحت دينا علي الجميع بل أصبح الجميع يذكرونها بكل الخير لأن صاحبها كان من أصحاب النيات الحسنة وكل ما يعمله من عمل كان يؤديه بإخلاص يبتغي به وجه الله سبحانه وتعالى.
نسأل الله سبحانه وتعالى ان يجزيه عن أهله وعن كل من عرفه وعن كل من شرب من ( زيره ) شربة صافية من ماء عذب زلال ونسأل الله سبحانه وتعالى ان يسقينا من يد سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم شربة هنيئة لانظما بعدها ابدا !!..
من الطرائف عن دولاب المبارك وكنا نسميه ( الدهليز ) أو ( السحارة ) وهي صندوق اثير عند الحبوبات ( الجدات ) يحتفظن فيه باشياء أثرية لها قيمة تاريخية ولكن ممنوع الاقتراب منها أو التصوير !!..
علي سبيل الطرفة والتأكد من رواياتنا للتحقيق
طلبنا من المبارك إن يخرج لنا من دولابه قلم ( 3H ) ولم يستغرق الأمر ثواني حتي رأينا هذا القلم الذي ظننا أنه انغرض بين أيدينا ، وكثير وكثير من الأشياء التي ظننا أنها أصبحت جزءا من الماضي كانت قابعة بسلام داخل دهليزه العجيب !!..
وعندما يطل ضيف بعد منتصف الليل والجميع في ثبات عميق بكل هدوء يفتح المبارك ( سحارته ) أي دولابه ويخرج علبة ( التانك ) والكوب والملعقة والمصفي وحتي الصينية ويجهز للضيف كوب عصير محترم يغني عن العشاء لانه في ذاك الوقت المتاخر لاسبيل لذلك !!..
حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي.
معلم مخضرم .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم