المثقف والسُّلطة:
خمسون عاماً على تجربة الدكتور جعفر محمد علي بخيت (1930-1976)
أحمد إبراهيم أبوشوك
مدخل إشكالي
تمرّ خمسون عاماً على رحيل الدكتور جعفر محمد علي بخيت في الخرطوم في 26 مارس 1976، ووقتها كان وزيرًا لوزارة الحكم الشعبي المحلي، ومن أبرز قيادات الفكر والعمل السياسي في حكومة مايو (1969-1985)؛ لأنه جمع بين التكوين الأكاديمي الرصين والممارسة العملية في إدارة الدولة. وليس استحضار ذكراه في هذا التوقيت مجرد وقفة وفاء لشخصية تاريخية، بل أيضاً استدعاء لتجربة فكرية ومؤسسية لا تزال راهنة في سياق النقاش عن بناء الدولة السُّودانية، وكيفية إصلاحها من الداخل. ولذلك تطرح تجربة الدكتور بخيت تساؤلات مركزية في الفكر السياسي المعاصر: هل يمكن للمثقف أن يمارس دوراً إصلاحياً من داخل نظام سلطوي دون أن يفقد استقلاله النقدي؟ وكيف يحافظ المثقف بين الانخراط من أجل الإصلاح والحفاظ على مبادئه التي تتعارض مع توجهات السُّلطة الحاكمة؟ قبل الإجابة عن هذه التساؤلات يستحسن أن نقف عند العلاقة بين المنشأ والمبدأ.
المنشأ والمبدأ
ولد جعفر محمد علي بخيت في ثلاثينيات القرن العشرين، في زمن كانت فيه البلاد ترزح تحت وطأة الحكم الإنجليزي-المصري (1898-1956)، وتتشكل فيه البدايات الأولى للنخبة الحديثة التي ستقود مسار الاستقلال وما بعده. وقد انتمى إلى جيلٍ آمن بدور العلم في خدمة المجتمع، فسعى إلى الجمع بين التحصيل الأكاديمي المتقدم والانخراط في قضايا الإدارة العامة والتنمية. لم يكن العلم بالنسبة إليه ترفاً معرفياً، بل أداةً لفهم تعقيدات الدولة السُّودانية وإشكالاتها البنيوية. وبرزت إسهاماته المعرفية في حقل الإدارة العامة بوصفه واحداً من أوائل من سعوا إلى تأصيل هذا الحقل في قسم العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، سواء من خلال التدريس أو الكتابة أو الممارسة المؤسسية. وقد تميزت رؤيته بوعي عميق بخصوصية الدولة السُّودانية، حيث أدرك أن النماذج الإدارية الغربية لا يمكن نقلها بصورة ميكانيكية، بل يتطلب الأمر إعادة توطينها في واقع اجتماعي وثقافي مغايرٍ. ولذلك أكدت كتاباته السابقة لانقلاب 25 مايو 1969 على ضرورة بناء جهاز إداري يستند إلى الكفاءة المهنية، وفي الوقت نفسه يستوعب التنوع الاجتماعي، ويخدم أهداف التنمية الوطنية. غير أن قراءة تجربة الدكتور بخيت بعد نصف قرن من رحيله تكشف أيضاً عن المفارقة التي عاشها جيله؛ إذ إن كثيراً من الأفكار التي نادى ذلك الجيل بها- من إصلاح الإدارة، وتعزيز الكفاءة، وتحقيق التوازن بين المركز والأطراف- لا تزال تمثل تحديات قائمة في السُّودان. وبموجب ذلك يُطرح سؤالٌ جوهريٌ عن مدى إفادة الدولة السُّودانية من تراث نخبها الفكري والإداري، ولماذا لم يتحول هذا التراث إلى سياسات مستدامة، تصطحب إيجابيات الممارسات الناجحة وتتجنب سلبياتها متكررة. لقد كان الدكتور بخيت، في جوهر مشروعه الأكاديمي، معنياً بسؤال الدولة: كيف تُبنى؟ وكيف تُدار؟ وكيف يمكن أن تكون أداة لتحقيق العدالة والتنمية، لا مجرد جهاز للسلطة الحاكمة؟ وتستنسخ هذه الأسئلة نفسها اليوم بقوة في ظل الأزمات المتكررة والحرب الضروس التي يشهدها السُّودان، مما يمنح المراجعة الجادة بُعداً استشرافياً يتجاوز إخفاقات عصر الدكتور بخيت. إن استذكار سيرته السياسية-المهنية بعد خمسين عاماً على رحيله لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء الرمزي، بل يتعيّن أن يتحول إلى مناسبة لإعادة قراءة إنتاجه المعرفي، واستلهام دروس تجربته في سياق البحث عن مداخل جديدة لإصلاح الدولة السُّودانية. فالأمم التي لا تستثمر في تراثها الفكري والسياسي تفقد أحد أهم مواردها في مواجهة تحديات الحاضر. وفي سياق الاحتفاء الاستشرافي قد دُشّنت طبعة جديدة من كتاب الدكتور جعفر محمد علي بخيت، “ثورة 1924 ونشأة الحركة الوطنية في السُّودان”، وذلك في إطار ندوة بعنوان: “ثورة 1924 وأزمة البناء الوطني في السُّودان”، عُقدت في كمبالا في 24 أغسطس 2024.
الدكتور بخيت بين الإصلاح من الداخل وإشكالية الشرعية
لا يتسنى لنا فهم مشاركة الدكتور بخيت خارج سياق لحظة ما بعد يوليو 1971، عندما أعلنت حكومة مايو (1969-1985) رغبتها في استقطاب كفاءات أكاديمية وتكنوقراطية، فاستجاب لهذه الدعوة عدد من الأكاديميين والتكنوقراط، الذين أحسنوا الظن بأن مؤسسات الدولة هي أفضل أدوات للتحديث ولتفعيل السياسات التنموية والإدارية التي تخدم السُّودان بعيدًا عن الخصومات الطائفية والحزبية، واضعين بذلك طموحاتهم بين مأزقين: مأزق مشاركتهم في السُّلطة، الذي منح النظام العسكري غطاءً شرعيًا ومدنياً، ومأزق أدوارهم الأداتية، كما يصفها الدكتور منصور خالد، ومدى فاعليتها في الفضاء المتاح للحركة والابتكار في ظل نظام عسكري قابض. وفي هذا الجانب لم يكن السُّودان نشازًا عن محيطة الإقليمي، فعدد من المثقفين والخبراء المصريين انخرطوا في مشروع النظام الناصري (1954-1970)، إيماناً منهم بإمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية، لكن بعضهم اصطدم بحواجز الفضاء السياسي المتاح من السُّلطة الحاكمة. وبعد الثورة الجزائرية انخرطت مجموعة من المثقفين الجزائريين في حكومة جبهة التحرير؛ لكن معظمهم واجه صعوبة التمييز بين الدولة بوصفها مشروعاً وطنياً والسُّلطة بوصفها جهازاً محتكرًا لأدوات الحكم والإدارة والعقاب، فخابت آمالهم. وكذلك تجربة كوامي نكروما (1957-1966) في غانا، التي طرحت “مشروع دولة” ما بعد الاستعمار، فناصرها المثقفون، الذين ظنوا أنها المخرج الآمن من التركة الاستعمارية؛ إلا أن آمالهم قد تبخرت عندما تحول المشروع إلى نظام حكم سلطوي، قائمٍ على أجندة الحزب الحاكم (حزب المؤتمر الشعبي)، التي أفضت إلى مركزية مفرطة، وتراجع في التعددية وسماع الرأي الآخر، فكان مصير المشروع التحرري الانهيار.
تأطير تجربة الدكتور بخيت
يمكن تأطير تجربة الدكتور جعفر محمد علي بخيت بين مقاربتين نظريتين. تتمثل أولهما في المقاربة الإصلاحية التي ترى أن الانخراط في السُّلطة يُعدّ ضرورة لتحقيق التغيير، افتراضًا بأن المثقف يمكن أن يكون فاعلاً من داخل مؤسسات الدولة. وثانيتهما المقاربة النقدية التي طوّرها الدكتور محمود ممداني، مفترضًا أن دولة ما بعد الاستعمار في إفريقيا لم تتجاوز الإرث الاستعماري، بل أعادت إنتاجه في صورة جديدة، محافظةً على ثنائية المركز/الهامش، ومُبقيةً على أنماط الحكم غير المتكافئ. وفي ضوء هاتين المقاربتين يجوز الاستنتاج بإن تجربة الدكتور بخيت في بُعدها الأولي قد تشكّلت وفق طموح شخصي بإعادة بناء الدولة الوطنية، وتحقيق التوجه نحو الإصلاح الإداري والتنمية، متوخيًا في ذلك الثقة في فاعلية الجهاز التنفيذي لتحقيق مرئياته الإدارية. ولا جدال في أن هذه المراهنة الحسنة تثير سؤالاً جدلياً: إلى أي مدى استطاع الدكتور بخيت الحفاظ على استقلاليته داخل بنية السُّلطة المركزية المغلقة؟ أم أنه قد وجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التكيّف مع النظام القائم، أو الخروج من دائرة التأثير التي كان يسعى إلى تحقيقها؟
خاتمة
إن تجربة الدكتور جعفر محمد علي بخيت لا يجوز اختزالها في ثنائية الإدانة أو التبرير، بل ينبغي قراءتها في سياقها التاريخي، المتمثل في لحظة بروز مشروع الإصلاح الذي بشّرت به حكومة مايو في أول عهدها، وما أحاط به من ظروف سياسية معقدة، فضلاً عن الحدود البنيوية التي تعكس ضعف مؤسسات الدولة وأدوارها الوظيفية في ظل نظام سلطوي لا يرى في مرآة الواقع سوى الحفاظ على بقائه. وعليه، لا يصح النظر إلى الدكتور بخيت بوصفه مجرد مبرّر لشرعية السُّلطة العسكرية، بل بوصفه مثقفاً راهن على مؤسسات الدولة باعتبارها أدوات فاعلة للتحديث، قبل أن يكتشف محدودية هذا الرهان داخل بنيتها السلطوية المغلقة. ومن ثم، فإن معضلة المثقف في دول ما بعد الاستعمار، العربية والإفريقية، ليست مسألة فردية، بقدر ما هي إشكالية بنيوية، تنعكس في هشاشة الدولة الوطنية نفسها، وتغوّل السُّلطة التنفيذية على سائر السلطات الأخرى. وفي ضوء هذا الافتراض، يتجاوز السؤال التحليلي حدود الاستفهام: لماذا اشترك الدكتور بخيت في سلطة مايو الانقلابية-العسكرية؟ ليتجه نحو سؤال أكثر عمقاً: هل كانت سلطة مايو الانقلابية تسمح بدور إصلاحي حقيقي من داخلها؟ وهنا تكمن القيمة التحليلية لتجربة بخيت؛ إذ لا تقدّم إجابة حاسمة، بقدر ما تفتح أفقاً لنقد أعمق لعلاقة المثقف بالسُّلطة في العالمين العربي والإفريقي. وخلاصة ذلك، إن التحدي الحقيقي لا يتجسد في تحديد موقع المثقف داخل السُّلطة أو خارجها، بل في كيفية تفعيل دوره في إعادة بناء الدولة على أسس أوثق عدلاً وتوازناً، وسماعًا للرأي الآخر الصائب وفق عقدٍ اجتماعيٍ ناظم لعلاقتها الرأسية بالمحكومين (أو المواطنين)، واستجابتها للإصلاحات التي تصب في واعية الدولة الدستورية والخدمية التي تجمد نبضها النهضوي بسوء أداء النخب المتكرر.
ahmedabushouk62@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم