أحمد سبيل
لي صديقٌ عزيز، من أولئك الذين عاشوا قلب الحدث لا حواشيه، كان في تلك الأيام من المقربين من القصر الرئاسي ومن الشباب الذين تفتح لهم كل الأبواب بما فيها القيادة العامة وجهاز الأمن والقصر الرئاسي ووزارة الخارجية، صديقي هذا في اعوام التسعينات كانت له معرفة واسعة داخل التنظيم الحاكم، خاصة في دهاليزه التي لا يصل إليها إلا من كان قريباً من القيادات الكبيرة، السياسية منها والأمنية والعسكرية، ومن هذا الموقع تحديداً حدّثني عن خلفيات محاولة اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا، وهي خلفيات ظلت مجهولة لكثير من الناس.
يقول صديقي من أحد مصادره الذين كانوا يرافقون عمر البشير في سفرياته الخارجية إن أول لقاء جمع عمر البشير بحسني مبارك في كمصر بعد المحاولة بثلاث سنوات تقريباً، شهد كلاماً صريحاً إذ قال مبارك للبشير:
كيف يا ريس تكون أنت على رأس الدولة وجهازك الأمني يدبّر وينفّذ عملية اغتيال خارجية وأنت آخر من يعلم؟ المفروض أن يكون عندك جهاز أمنك الخاص، غير الحماية، يرصد ما يدور في دهاليز الأجهزة الأمنية ويتابع كبار القادة المهمين، وأنا نفسي عندي جهاز أمني فوق جهاز الأمن الرسمي.
وبعد تلك الجلسة بفترة، كما يروي صديقي، بدأ عمر البشير يُحدث تغييرات كثيرة جداً في كل الأجهزة الأمنية، غير أن الإجراء الأسرع كان قد وقع عقب المحاولة مباشرة، حين تم إبعاد اللواء حسن عثمان ضحوي من جهاز الأمن. وصديقي كان يعرف اللواء ضحوي ويعرف بعض أفراد اسرته منذ فترة الديمقراطية الثالثة، إذ كان شقيقه طالباً بجامعة القاهرة فرع الخرطوم وزميلاً لزوجته في الجامعة.
المهم أن البشير كان غاضباً غضباً شديداً، كيف تدبّر الجماعة عملية بهذا الحجم وتنفّذها من دون أن يعلم، فاستدعى المهندس علي أحمد البشير باعتباره جزءاً من جهاز أمن (الحركة) وصاحب مكانة كبيرة تنظيمياً، وهو أيضاً من منطقة قريبة من شندي، وكلّفه بمعرفة كل شيء عن عملية حسني مبارك في إثيوبيا، على أن يختار معه من يثق فيه لجمع المعلومات، بدءاً من صاحب الفكرة وأعضاء المجموعة، ومروراً بمصدر التمويل، وانتهاءً بكل من له علاقة بالمحاولة من قريب أو بعيد، وعلى أن تظل هذه المسألة في غاية السرية.
لكن السرية لم تصمد، فقد سرّب أحد الأشخاص المعلومات وأوصل أمر هذه اللجنة إلى علي عثمان محمد طه شخصياً، والذي بدوره رتّب مع صلاح قوش اتخاذ الإجراءات التي تحميهم، وهي التي نتج عنها اغتيال المهندس علي أحمد البشير بطريقة بشعة، أمام زوجته وابنته الصغيرة التي لا تزال تعاني حتى هذه اللحظة مما رأته وعاشته من لحظات صعبة، مشهد ضرب أبيها وصراخ عساكر الأمن وإطلاق النار عليه وصراخ أمها.
ومن المشاهد التي ظل صديقي يستعيدها، أنه في يوم خميس كان في (نادي الضباط) بالخرطوم لحضور حفل زواج، وبينما هو في طريقه إلى المكان الذي فيه الدعوة، رآه اللواء حسن ضحوي وطلب منه أن يجلس معه في المكان المخصص لرتبة اللواء أو العمداء، وهو لا يتذكر بالضبط أيهما، فذهب أولاً إلى الصالة وبارك للأسرة، ثم عاد إليه في مجلسه.
وبعد السلام والسؤال عن الحال والأحوال، دخل ضحوي في موضوع حسني مبارك، وقال له بأسف ونبرة فيها حزن إن (الإخوان) أكلوه لحماً ورموه عظماً، وذكر له أن (الرئيس) عمر البشير استدعاه بعد يومين فقط من عملية إثيوبيا، وانتقده نقداً حاداً وقال له: معقول يا ضحوي أنت ضابط (أ.س) كبير وليك مكانتك وخبرتك الطويلة، ووضعناك على رأس الجهاز، ولا تعرف شيئاً عن عملية حسني مبارك؟ تم الترتيب لها قرابة ستة أشهر، والمصريون كانوا قاعدين في البلد، وأنت لا تعرف شيئاً وأنا آخر من يعلم؟!
ويمضي صديقي في نقل ما سمعه، إذ قال له ضحوي إنه ردّ على عمر البشير قائلاً: يا ريس والله ما كنت عارف أن (الإخوان) بيلعبوا من ورانا، وما كنت أبداً أتوقعها منهم، أنا نفسي صُدمت صدمة شديدة، ثم ألمح حسن ضحوي له بأنه مستاء استياءً شديداً، وأنه لم يعد لديه أي شيء يعمله، غير أنه يتواجد يومياً هنا في نادي ضباط القوات المسلحة باعتباره ضابطاً كبيراً متقاعداً.
وأصبح ضحوي، كما يقول صديقي، كلما التقى بأحد له صلات بقيادات التنظيم العليا يعيد عليه الكلام نفسه، وبطريقة فيها رجاء مبطّن أن يبحثوا له عن حلّ، حتى تم تعيينه محاضراً في معهد جهاز الأمن الوطني، ثم عُيّن بعدها رئيساً لمركز القلب بالخرطوم.
اعتقد ان هناك الكثير من الأسرار حول العملية الفاشلة لاغتيال حسني مبارك في اثيوبيا لم تخرج للناس بعد باعتبار ان المجرم الكبير علي عثمان محمد طه لازال لديه في السلطة من يعمل لحسابه.
وأن ما ذكره د. حسن الترابي في (قناة الجزيرة) مع المذيع أحمد منصور حول هذه الحادثة لا يساوي شيئا من معلومات لدى بعض القيادات النافذة في السلطة والذين لا زالوا موجودين، ومن بينهم د. مطرف صديق، وصلاح قوش وغيرهم.
