بقلم: إدوارد كورنيليو
في قلب كل سردية دينية، تقف المرأة كرمز متشظٍ بين الطهارة والخطيئة، بين الأمومة والخضوع، بين القداسة والنجاسة. ليست المرأة في النصوص الدينية مجرد كائن بيولوجي، بل هي بنية رمزية تُعاد صياغتها وفقًا لمصالح السلطة، وتُستخدم لتحديد حدود المقدس، وضبط الجسد، وتكريس النظام الاجتماعي. هذا النص يتتبع كيف تم تشكيل صورة المرأة في اليهودية، المسيحية، والإسلام، لا بوصفها موضوعًا روحيًا فحسب، بل كأداة لإعادة إنتاج الهيمنة، وكوعاء للذاكرة الجماعية والطقوس الاجتماعية.
في سردية التكوين، تظهر حواء كأول من خالف الأمر الإلهي، مما يرسّخ سردية الذنب الأنثوي. هذا التمثيل لا يُقرأ فقط بوصفه قصة دينية، بل كبنية رمزية تُستخدم لتبرير إقصاء المرأة من المجال المقدس. الطقوس المرتبطة بالطهارة، خاصة تلك المتعلقة بالحيض، تعكس تصورًا لجسد المرأة كـ “نجس”، مما يكرّس الفصل بين المرأة والمعبد، بين الجسد الأنثوي والقداسة.
في سفر اللاويين، تُفصّل الأحكام المتعلقة بطهارة المرأة، وتُربط الدورة الشهرية بالحظر المؤقت على المشاركة في الطقوس الدينية. هذا الحظر لا يُفهم فقط كتنظيم صحي، بل كإقصاء رمزي يُعيد إنتاج تصور المرأة ككائن غير صالح للقداسة إلا بشروط.
المرأة في اليهودية التقليدية تُحصر في دور الإنجاب، وتُربط بالملكية والنسب، مما يجعلها أداة لضبط النسب العائلي، لا كيانًا مستقلًا. هذا التصور يخدم بنية اجتماعية تُعيد إنتاج السلطة الذكورية، حيث يُمنع على المرأة الوصول إلى الكهنوت أو القيادة الدينية. حتى في الطقوس الأسرية، مثل عيد الفصح، تُمنح المرأة دورًا ثانويًا، رغم مركزيتها في الحياة اليومية.
رغم أن المسيح تعامل مع النساء برحمة ومساواة، إلا أن المؤسسة الكنسية أعادت إنتاج الهيمنة الذكورية عبر تأويلات رسائل بولس الرسول، التي ربطت المرأة بالخضوع والطهارة. في رسالته إلى أهل كورنثوس، يقول: “الرجل رأس المرأة”، مما يكرّس تصورًا هرميًا للعلاقة بين الجنسين.
مريم العذراء، رغم مكانتها المقدسة، تُقدَّم كنموذج مثالي للمرأة: صامتة، طاهرة، وأمٌّ بلا رغبة. هذا النموذج يُستخدم لتحديد ما هو “مقبول” أنثويًا، ويُقصي كل ما هو خارج هذا النموذج. النساء اللواتي خرجن عن هذا التصور، مثل مريم المجدلية، خضعن لإعادة تأويل رمزي يُعيدهن إلى دائرة التوبة والخضوع.
الكنيسة، كمؤسسة طبقية، استخدمت هذه التصورات لتبرير إقصاء النساء من الكهنوت، وربطت الفضيلة الأنثوية بالخضوع والطهارة، مما جعل المرأة موضوعًا للرقابة الأخلاقية. في السياق الإقطاعي، كانت المرأة تُربط بالعرض والشرف، وتُستخدم كأداة لضبط السلوك الاجتماعي بما يخدم النظام الوراثي والسلطة الذكورية.
حتى في الأدب المسيحي الوسيط، تُقدَّم المرأة ككائن ضعيف، قابل للانحراف، ويُربط جسدها بالخطر الروحي. هذا التصور يُعيد إنتاج الخوف من الأنثوي، ويُستخدم لتبرير إقصاء المرأة من المجال العام، ومن سلطة التأويل الديني.
الإسلام، في نصوصه التأسيسية، منح المرأة حقوقًا غير مسبوقة في السياق التاريخي: الإرث، الملكية، الطلاق، التعليم. في سورة النساء، تُفصّل أحكام الإرث بشكل يضمن للمرأة نصيبًا محددًا، وهو تطور قانوني غير مسبوق في السياقات القبلية.
لكن التفسير الفقهي، خاصة في العصور العباسية وما بعدها، أعاد إنتاج الهيمنة الذكورية عبر تأويلات تُقصي المرأة من المجال العام. فتاوى كثيرة ربطت خروج المرأة من البيت بالفتنة، واعتبرت صوتها عورة، مما جعلها موضوعًا للرقابة الدائمة.
الحجاب، تعدد الزوجات، والولاية الذكورية ليست مجرد أحكام دينية، بل أدوات لضبط جسد المرأة وتحديد دورها في الاقتصاد الأسري والسلطة الرمزية. فاطمة الزهراء، رغم مكانتها الروحية، تُقدَّم كنموذج للأم المضحية، لا كقائدة مستقلة. المرأة تُربط بالعرض، وتُستخدم كرمز للشرف العائلي، مما يجعلها موضوعًا للرقابة الاجتماعية والدينية.
في كتب الفقه، يُعاد تعريف المرأة بوصفها “ناقصة عقل ودين”، وهي عبارة تُستخدم لتبرير إقصائها من الشهادة، ومن القيادة السياسية والدينية. هذا التصور لا ينبع من النص التأسيسي، بل من تأويلات سلطوية تُعيد إنتاج النظام الأبوي.
في جميع الأديان السماوية، تُستخدم المرأة كرمز طقسي: إما لتجسيد الطهارة، أو لتجسيد الخطيئة. هذا الاستخدام الرمزي لا يعكس واقع المرأة، بل يعكس احتياجات السلطة في ضبط المجتمع. المرأة تُقدَّم كوعاء للذاكرة الجماعية، وكجسر بين الأرض والسماء، لكنها تُمنع من امتلاك السلطة الرمزية نفسها.
المرأة المقدسة تُقدَّم دائمًا في سياق الأمومة أو التضحية، لا في سياق القيادة أو التأويل. هذا التحديد الرمزي يخدم بنية اجتماعية تُعيد إنتاج السلطة الذكورية، وتُقصي المرأة من المجال العام، وتُحصرها في أدوار محددة مسبقًا.
حتى في الطقوس الجنائزية، تُمنع المرأة من أداء بعض الأدوار، وتُربط بالحداد والبكاء، لا بالقيادة الروحية. هذا التحديد يُعيد إنتاج تصور المرأة ككائن عاطفي، لا عقلاني، مما يُبرر إقصاءها من سلطة التأويل.
في المجتمعات الطبقية، يُستخدم الدين لتبرير تقسيم العمل الجندري: الرجل منتج، والمرأة مُربية. المرأة تُربط بالعرض والشرف، مما يجعلها موضوعًا للرقابة الاجتماعية، ويُستخدم الدين لضبط سلوكها بما يخدم النظام الأبوي.
الرموز الدينية (حواء، مريم، خديجة، فاطمة) تُستخدم لتقديم نماذج أنثوية مثالية، لكنها غالبًا تُختزل في الطاعة، التضحية، أو الأمومة. هذه النماذج تُستخدم لتحديد ما هو “مقبول” أنثويًا، وتُقصي كل ما هو خارج هذا النموذج.
حتى في التعليم الديني، تُمنع المرأة من دراسة الفلسفة أو التأويل، وتُحصر في علوم الطهارة والعبادات، مما يُعيد إنتاج تصورها ككائن طقسي، لا عقلاني. هذا التحديد يخدم بنية سلطوية تُعيد إنتاج التبعية، وتُقصي المرأة من سلطة المعرفة.
تحرير المرأة لا يتم فقط عبر إعادة تفسير الدين، بل عبر تفكيك السلطة الرمزية التي تُعيد إنتاج التبعية. الدين يمكن أن يكون أداة للتحرر إذا تم تفكيك سلطته الرمزية وإعادة توظيفه في خطاب مقاوم، كما فعلت بعض الحركات النسوية الدينية.
المرأة ليست فقط موضوعًا للخطاب الديني، بل يمكن أن تكون فاعلة فيه، إذا ما تم إعادة تعريف القداسة، والقيادة، والتأويل. هذا يتطلب قراءة جديدة للنصوص، تُعيد للمرأة مكانتها كقائدة، كمفسّرة، وكصاحبة سلطة رمزية.
في بعض السياقات المعاصرة، ظهرت نساء يُعيدن تأويل النصوص الدينية من داخلها، ويُقدّمن قراءات تُعيد للمرأة صوتها وسلطتها. هذه القراءات لا ترفض الدين، بل تُعيد تشكيله بما يخدم الإنسان، لا السلطة.
المرأة في الأديان السماوية ليست فقط ضحية للهيمنة، بل هي أيضًا ذاكرة مقاومة، ورمز للتحوّل. إذا ما أُعيد تأويل النصوص، وتفكيك السلطة الرمزية، يمكن للمرأة أن تستعيد مكانتها كفاعل طقسي، وكقائدة روحية، وكصاحبة صوت في تشكيل الذاكرة الجماعية.
في كل دين، هناك نساء تحدّين السلطة، وكتبن وجودهن في الهامش، لا كاستثناءات، بل كإشارات إلى إمكانات أخرى. من ديبورا في التوراة، إلى مريم المجدلية في الإنجيل، إلى نسيبة بنت كعب في الإسلام، تظهر المرأة ككائن قادر على القيادة، التأويل، والمقاومة. هذه الشخصيات، وإن تم تهميشها لاحقًا، تظل شواهد على أن السلطة الدينية ليست قدرًا، بل بناء قابل للتفكيك.
المرأة ليست فقط مرآة للسلطة، بل هي أيضًا مرآة للحرية، إذا ما أُعيد تشكيل الخطاب بما يخدم الإنسان، لا السلطة. الدين، بوصفه نصًا حيًا، يمكن أن يُعاد تأويله ليصبح أداة للتحرر، لا للقمع. وهذا يتطلب شجاعة فكرية، وقراءة نقدية، ووعيًا بأن المقدس لا يُفهم إلا عبر الإنسان، لا فوقه.
في هذا السياق، تصبح المرأة ليست فقط موضوعًا للخطاب الديني، بل فاعلة في تشكيله، قادرة على إعادة بناء العلاقة بين النص والواقع، بين الطقس والذاكرة، بين الجسد والسلطة. إن استعادة صوت المرأة في الدين لا تعني فقط منحها حق التفسير، بل تعني إعادة تعريف القداسة نفسها، بوصفها علاقة حية، متغيرة، ومفتوحة على التأويل والمقاومة.
هكذا، تتحول المرأة من كائن طقسي خاضع، إلى كائن رمزي فاعل، من جسد يُراقب، إلى جسد يُحتفل به، من ذاكرة تُقمع، إلى ذاكرة تُستعاد وتُكتب من جديد. وفي هذا التحوّل، لا يُعاد تشكيل الدين فقط، بل يُعاد تشكيل المجتمع، واللغة، والسلطة، والخيال.
المرأة، في الأديان السماوية، ليست فقط مرآة للسلطة، بل مرآة للحرية الممكنة، إذا ما أُعيد لها صوتها، وسلطتها، وحقها في أن تكون ذاكرة الجماعة، وطقسها، ومفسّرتها. وفي هذا الاستعادة، يكمن وعدٌ بتحوّل لا يمحو المقدس، بل يُعيد إليه إنسانيته، ويمنحه لغة جديدة، أكثر رحابة، وأكثر عدالة، وأكثر شعرًا.
tongunedward@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم