المرصد السوداني لحقوق الإنسان ونقابة الصحفيين السودانيين: مذكرة مناصرة مشتركة: عندما يتعاون المتقاتلون على الإثم والعدوان .. حرية الرأي والتعبير في ظل الحرب في السودان

المرصد السوداني لحقوق الإنسان ونقابة الصحفيين السودانيين
مذكرة مناصرة مشتركة
عندما يتعاون المتقاتلون على الإثم والعدوان
حرية الرأي والتعبير في ظل الحرب في السودان

“سألني المحقّق هل أنت صحافي؟ قلت نعم. قال لي: هذه أكبر جريمة”
الصحفي يوسف (اسم مستعار)، صحفي نازح إلى ولاية الجزيرة

15 ديسمبر 2025
قامت قوات الدعم السريع باحتجاز الصحفي المستقل معمر إبراهيم، المراسل المتعاون مع قناة الجزيرة مباشر في الفاشر، وهو في طريقه للخروج من المدينة بعد سقوطها في يد قواتها. ويُعد هذا الاحتجاز جزءاً من سياسة ممنهجة لاستهداف الأصوات المستقلة؛ حيث كانت قوات الدعم السريع قد أصدرت بياناً في يناير 2025 اتهمت فيه الصحفيين بـ “الانخراط في نشاط مرتزقة”، وهو ما أدانته نقابة الصحفيين السودانيين باعتباره تهديداً مباشراً. ويُعتبر الصحفي معمر أيضاً مراسلاً حربياً ومراقباً مستقلاً يعمل في منطقة حرب ويخدم “الصالح العام”، لأنه يقوم بدور حيوي يلفت انتباه السودانيين والمجتمع الدولي إلى الانتهاكات والفظائع وواقع النزاع، ولا ينبغي استهدافه بأي حال.
بعد احتجاز الصحفي معمر إبراهيم، قامت “دائرة الإعلام” بقوات الدعم السريع ببث شريط فيديو مهين للكرامة بتاريخ 3 نوفمبر 2025، يظهر فيه الصحفي تحت الإكراه الواضح. وقد أُرغم على تقديم “اعترافات” حول استخدامه مصطلحات معينة في تغطيته الصحفية، حيث قام المتحدث الرسمي لقوات الدعم السريع المقدم الفاتح قرشي باستجوابه وإجباره على الاعتراف باستخدام عبارة “مليشيا” في وصف قواته.
إن تبرير قوات الدعم السريع لاحتجاز الصحفي بسبب استخدامه لوصف “مليشيا” و”جنجويد” تبرير لا أساس قانوني له. فوصف قوات الدعم السريع، أو أي جماعة مسلحة أخرى، بعبارات تستبطن نقد سلوكها مثل “مليشيا”، يقع ضمن حرية التعبير الصحفية المشروعة، ولا يجوز لأي طرف مسلح معاقبة صحفي أو أي مواطن على آرائه أو على اختياراته التحريرية. كما أن إجبار الصحفي على الظهور في تسجيل مرئي، والمقدم الفاتح قرشي يستجوبه، يُعد شكلاً من أشكال الإذلال العلني والضغط النفسي الذي يهدف إلى انتزاع اعترافات سياسية، وهو ما يمكن اعتباره معاملة قاسية أو مهينة وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان. وهي اعترافات، إن اعتبرت كذلك، لا قيمة قانونية لها.
لا يعني نشر الفيديو عبر دائرة الإعلام التابعة لقوات الدعم السريع إذلالاً للصحفي فحسب، بل رسالة ترهيب لبقية الإعلاميين والإعلاميات مفادها: “هذه هي سياستنا الرسمية، وعليكم الامتثال لحدود حرية التعبير التي نضعها وإلا ستتعرضون للاعتقال والإهانة.” وفي الواقع، هذا ترهيب وهجوم على الفضاء المدني، يحرم الجمهور من الحق في الحصول على المعلومات وتناقلها بصورة مستقلة. ويجب أن نؤكد مسؤولية الضابط الذي ارتكب هذا الفعل، وكذلك مسؤولية قيادة قوات الدعم السريع، وفقاً للقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي، التي تتحمل بصفة مباشرة تحت مبدأ مسؤولية القادة، واجب منع مثل هذه الانتهاكات والتحقيق فيها ومحاسبة مرتكبيها، لا إصدارها عن هيئاتها الرسمية، مثل مكتب الناطق الرسمي باسمها.
الأساس القانوني لحرية التعبير
إن احتجاز الصحفيين والصحفيات والتحقيق معهم بناءً على آرائهم أو المصطلحات التي يستخدمونها في تغطياتهم الصحفية يُشكّل انتهاكاً مزدوجاً وصارخاً لكل من القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

  1. القانون الدولي الإنساني
    o القانون الدولي الإنساني وُضع خصيصاً لحماية الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال أو الذين كفّوا عن المشاركة فيه. والصحفيون، بحكم طبيعتهم المهنية، يُعتبرون مدنيين ويُصنّفون ضمن الفئات المحمية بموجب هذا القانون. وأي اعتداء عليهم أو تعريضهم للخطر يُعد انتهاكاً جسيماً له. ووفقاً للقاعدة (34) من الدراسة الخاصة بالقانون الدولي الإنساني العرفي التي نشرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 2005، “يجب احترام وحماية الصحفيين المدنيين العاملين في مهام مهنية في مناطق نزاع مسلح ما داموا لا يقومون بدور مباشر في الأعمال العدائية.” وينطبق هذا الحكم على النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، والأخيرة هي التي تنطبق على الحالة الراهنة في السودان. وبذلك، فإن الصحفيين الذين يؤدون مهامهم المهنية في مناطق النزاع يُعتبرون مدنيين، ولا يجوز استهدافهم، ويمنحهم وضعهم المدني حق الحماية الكاملة، بشرط امتناعهم عن أي نشاط قد يُفقدهم هذه الصفة أو يُعرّضها للخطر..
    o الحكومة السودانية، أياً كان وضعها أو درجة شرعيتها، ملزمة بالقانون الدولي الإنساني التزاماً قاطعاً. كما أن الأطراف المسلحة غير الحكومية، مثل قوات الدعم السريع والقوات المشتركة ومختلف المليشيات، ملزمة أيضاً باحترام هذا القانون، إذ إن أحكام القانون الدولي الإنساني تنطبق على جميع الأطراف المنخرطة في أي نزاع مسلح، سواء كانت دولاً أو جماعات مسلحة منظمة
    o تُلزم المادة المشتركة (3) من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 جميع أطراف النزاعات المسلحة، سواء كانت هذه الأطراف تابعة لدولة أو جماعة مسلحة منظمة تعمل خارج سيطرة الدولة، باحترام الحد الأدنى من القواعد الإنسانية. وتشمل هذه القواعد حظر ممارسة العنف ضد الأشخاص، وحظر المساس بكرامتهم، ومنع معاملتهم معاملة قاسية أو تعذيبهم. كما ينص القانون الدولي العرفي، الذي أقرّه الفقه والقضاء الدولي، على أن القواعد الأساسية المتعلقة بحماية المدنيين والصحفيين وحظر التعذيب ملزمة لجميع الأفراد المنخرطين في النزاع المسلح دون استثناء.
    o يطوّر البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 القواعد الواردة في المادة المشتركة (3)، ويوفر حماية أكثر تفصيلاً وشمولاً للكرامة الشخصية والسلامة الجسدية والعقلية للمتضررين من النزاع. وينطبق هذا البروتوكول على النزاعات المسلحة غير الدولية التي تسيطر فيها جماعة مسلحة غير نظامية (لا تتبع للدولة) على جزء من الإقليم. ويُلزم البروتوكول جميع الأطراف بتطبيق الضمانات الأساسية لحماية المحتجزين وضمان معاملتهم بإنسانية. وقد انضم السودان رسمياً إلى هذا البروتوكول في 13 يوليو 2006.
  2. القانون الدولي لحقوق الإنسان
    o يكفل القانون الدولي لحقوق الإنسان حرية الرأي والتعبير بموجب المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تنص على ضمان “حرية التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود”. ويُعتبر هذا النص حجر الأساس في حماية الحق في التعبير، حيث يضمن للأفراد حرية الوصول إلى المعلومات وتداولها عبر مختلف الوسائط دون قيود جغرافية أو سياسية.
    o أكد “التعليق العام رقم 34” الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، وهي الهيئة التي تراقب مدى التزام الدول الأطراف بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يُعتبر التفسير القانوني المعتمد للمادة 19، أن الصحافة الحرة وغير الخاضعة للرقابة والمستقلة تُعد “حجر الزاوية في أي مجتمع ديمقراطي” (الفقرة 11). كما أوضح أن المادة (19) تحمي جميع أشكال التعبير، بما في ذلك “الخطاب السياسي”، وأنها تحظر بشكل صريح “تجريم حمل رأي ما” (الفقرة 22). ويُرسّخ التعليق مبدأ أن حرية التعبير تشمل أوسع نطاق ممكن من الآراء والأفكار، بما في ذلك الآراء التي تنتقد السلطات أو تكشف عن الفساد أو الانتهاكات.
    o تؤكد اللجنة في التعليق العام رقم (34) أن حرية الرأي، كما وردت في الفقرة (1) من المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تمثل حقاً أساسياً لا يجوز تقييده أو تعليقه تحت أي ظرف من الظروف. حتى في حالات الطوارئ المعلنة فإن حرية الرأي تظل حقاً مطلقاً غير قابل للتقييد أو التعليق ولا تنطبق عليها الاستثناءات التي تسمح بها المادة (4) من العهد. وهذا يعني أن لكل فرد الحق المطلق في تبني الآراء والاحتفاظ بها من دون أي مضايقة أو تدخل، وهو حق مكفول بشكل كامل لجميع السودانيين وغيرهم من الأفراد في الدول الأطراف في العهد.
    o شدد التعليق العام رقم (34) أيضاً على أنه “ينبغي للدول الأطراف ألا تحظر انتقاد مؤسسات، مثل الجيش أو الجهاز الإداري”. وهذا النص يُرسّخ مبدأ أن حرية التعبير تشمل الحق في انتقاد السلطات والمؤسسات العامة، بما فيها الأجهزة الأمنية والعسكرية، دون أن يُعتبر ذلك جريمة أو تهديداً للأمن القومي. إن منع النقد أو تجريمه يُعد انتهاكاً مباشراً للعهد الدولي، ويقوّض أسس الديمقراطية والشفافية والمساءلة.

الصحفيون في سياق حصار الفاشر والسيطرة عليها
لم يكن اعتقال الصحفي معمر إبراهيم حادثاً معزولاً؛ بل جاء ضمن سلسلة من الانتهاكات التي طالت عدداً كبيراً من الصحفيين والإعلاميين المحاصرين داخل مدينة الفاشر. فقد ذكرت نقابة الصحفيين السودانيين أن القائمة تضم أكثر من 20 صحفياً وإعلامياً، ظلوا في المدينة طوال سنتي الحصار يؤدون واجبهم المهني في ظروف بالغة القسوة والخطورة.
وقد دفع بعضهم حياتهم ثمناً لالتزامهم بواجبهم الصحفي، مثل الصحفي النور سليمان النور الذي قُتل في 4 أكتوبر 2025 إثر قصف منزله بطائرة مسيّرة في الفاشر. كما أفادت النقابة أن أربعة عشر صحفياً من المحاصرين تمكنوا من النجاة والوصول إلى مدينة طويلة سالمين، بينما فُقد الاتصال بأربعة صحفيين بشكل كامل، وتأكد لاحقاً مقتل أحدهم وهو تاج السر أحمد سليمان، إضافة إلى استمرار اعتقال المراسل الصحفي معمر إبراهيم لدى قوات الدعم السريع.
وتشير النقابة أيضاً إلى وجود أربعة صحفيين آخرين كانوا معتقلين لدى قوات الدعم السريع، وقد تم إخفاؤهم قسرياً في وقت سابق قبل اجتياح هذه القوات لمدينة الفاشر والسيطرة عليها. كما وردت معلومات عن إطلاق سراح الصحفي إبراهيم جبريل بابو بعد أن اضطرت أسرته لدفع فدية مالية لخاطفيه.
اختطاف المدنيين ومقايضة إطلاق سراحهم بفدية مالية لا يعكس حالات فردية، بل ظاهرة متكررة رصدها المرصد السوداني لحقوق الإنسان، حيث تكررت على يد جنود قوات الدعم السريع في مناطق مختلفة، بما في ذلك الجزيرة والخرطوم، ومؤخراً في كردفان، مما يعكس نمطاً ممنهجاً من الانتهاكات.
أبرز أنماط تقييد حرية التعبير في السودان التي تؤثر على الصحفيين
تشير التقارير الصادرة عن نقابة الصحفيين السودانيين والمرصد السوداني لحقوق الإنسان والأمم المتحدة ومنظمات أخرى إلى أنماط متعددة ومنهجية من الانتهاكات التي يرتكبها طرفا النزاع الرئيسيان، القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مما يجعل حرية التعبير وحرية الصحافة من أكبر مجالات الجرائم والانتهاكات في سياق النزاع المسلح في السودان. أدناه بعض أبرز هذه الأنماط:

  1. الاستهداف المنهجي والتهديد المباشر للصحفيين: تجاوزت الانتهاكات مرحلة القيود إلى الاستهداف الجسدي المباشر للصحفيين والإعلاميين بهدف الترهيب وفرض التعتيم الإعلامي. ويُستخدم التعذيب أو المعاملة المهينة واللاإنسانية والإخفاء القسري بوصفها سلاحاً لإسكات الأصوات. ومن أمثلة الاعتقال والتعذيب تعرّض الصحفي والإذاعي يحيى حماد فضل الله للتعذيب أثناء احتجازه لدى القوات المسلحة السودانية مما أدى إلى وفاته. وكذلك مقتل الصحفي أحمد يوسف في فبراير 2025 رمياً بالرصاص أمام منزله بعد زيارة قوة مسلحة لمنزله. بل وتفيد تقارير نقابة الصحفيين السودانيين بمقتل 31 صحفياً حتى مايو 2025 في سياق الحرب الحالية. وقد ارتفع هذا العدد إلى 34 صحفياً بحلول ديسمبر 2025، إذ تأكّد المرصد السوداني لحقوق الإنسان من 3 حالات قتل أخرى للصحفيين هم حسن فضل المولى على يد قوات الدعم السريع إثر اقتحامها مدينة النهود في 2 مايو 2025، والنور سليمان النور الذي قصفت نفس القوات منزله بطائرة مسيرة في 3 أكتوبر 2025، وتاج السر أحمد سليمان مدير مكتب وكالة السودان للأنباء في الفاشر في 28 نوفمبر الذي اغتيل مع شقيقه بمنزلهما بحي الدرجة في الفاشر إثر اجتياح قوات الدعم السريع للمدينة.
    كل هذه الأفعال تؤكد ارتكاب طرفي النزاع ما يرقى إلى جرائم حرب باستهدافهم الصحفيين بشكل ممنهج وواسع النطاق في خرق واضح لقواعد القانون الجنائي الدولي.
  2. الاختطاف والاحتجاز التعسفي: وثقت نقابة الصحفيين السودانيين اعتقال واحتجاز ما لا يقل عن 239 صحفياً وصحفية، وتعرض 60 لحالات اختطاف واحتجاز قسري من قبل الأطراف المتنازعة.
  3. فرض الرقابة المسبقة والتخويف: تشير بعض الوقائع إلى أن الأطراف المتقاتلة تسعى إلى فرض سيطرة كاملة على المحتوى الإعلامي، باستخدام التهديد لإجبار الصحفيين على ممارسة الرقابة الذاتية أو النشر وفقاً للأجندة العسكرية. إذ أفادت صحفية نازحة من الجنينة أوقفها الجيش أثناء تغطيتها تجمّعاً للنازحين، ولم يُطلق سراحها إلا بعد توقيعها إقراراً “بعدم ممارسة الصحافة بدون أخذ إذن الجيش في ما تكتب قبل النشر”. وفي وقت سابق وثق المرصد السوداني لحقوق الإنسان اعتقال القوات المسلحة السودانية في مدينة الدويم بولاية النيل الأبيض للصحفية رشا حسن بتهمة نشر صحفي بشأن قضايا فساد.
    وفي 25 يناير 2025 أصدرت قوات الدعم السريع بياناً يتضمن اتهامات صريحة لبعض الصحفيين والصحفيات متهمة إياهم بأنهم “مراسلين مأجورين وذوي ولاء سياسي”، مما يجعلهم أهداف محتملة للعنف.
    وفي بيان حديث أشارت نقابة الصحفيين السودانيين أنها سجّلت 556 حالة انتهاك ضد الصحفيات والصحفيين في فترة الحرب شملت، على سبيل المثال، القتل والاعتقال والمنع من السفر.
    ويظل العنف الرقمي أحد أكثر الانتهاكات انتشاراً، خاصة ضد النساء، بمن فيهم/ن الصحفيات والناشطات المدنيات والسياسيات، حيث يتعرضن بشكل منهجي لهجمات رقمية شرسة تشمل التنمر، والتشهير، واختراق الخصوصية، والسبّ، وذلك بهدف إسكات الأصوات الناقدة وإرهاب كل رأي مخالف.
  4. إغلاق وطرد ومضايقة القنوات التلفزيونية الفضائية: في أبريل 2024 أوقفت وزارة الثقافة والإعلام عمل قنوات “العربية” و”الحدث” و”سكاي نيوز عربية بحجة عدم التزامها بالمهنية المطلوبة والشفافية، وقررت عدم تجديد تراخيصها. وعادت السلطات في سبتمبر 2025 إلى إيقاف وسحب ترخيص الصحفية لينا يعقوب مديرة مكتب قناتي العربية والحدث بسبب تحقيق تلفزيوني كشف مكان إقامة عمر البشير، الرئيس السابق المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية. لاحقاً أعاد رئيس الوزراء تصريح الصحفية لينا يعقوب بطريقة درامية.
  5. حجب الإنترنت والاتصالات بشكل متكرر ومتنقل من منطقة إلى أخرى: حسب تقرير دولي قيّد طرفا الحرب الاتصالات والإنترنت، مما أثر بشكل كبير على عمل الصحفيين وقدرة المواطنين على نقل أو توثيق الحقائق. وحسب مصادر أخرى احتل السودان المركز الأول على المستويين العربي والأفريقي، والثالث عالمياً، في ترتيب الدول الأكثر خسارة جراء قطع خدمات الإنترنت خلال عام 2024. وقد حجبت الخدمة في 2024 عن 23.4 مليون شخص لمدة تصل إلى 12.7 ألف ساعة.
  6. خطاب الكراهية وتسميم النقاش العام: تحول النقاش العام في السودان بالفعل إلى فضاء استقطابي حاد يسوده منطق “إما معنا أو ضدنا”، وهو منطق خطير أثّر بشكل مباشر على حريات التعبير في قطاعات واسعة تتجاوز الصحافة التقليدية. ومع تفشي خطاب الكراهية في منصات التواصل الاجتماعي، تصاعدت حدة العنف اللفظي المتبادل بين مختلف الأطراف، مما جعل الفضاء الرقمي ساحة خصبة لتأجيج الصراع وتعميق الانقسامات. وتتضح الأمثلة على هذا الاستقطاب وتضييق الخناق على حرية الرأي في المجالات غير الصحفية بشكل خاص في:
    • خطاب الكراهية والاستقطاب على أساس الهوية: تُعد هذه الظاهرة من أخطر الأمثلة على تدهور حرية التعبير في السودان، حيث استُغلت مساحات النقاش العام، وخاصة في وسائط التواصل الاجتماعي، لتأجيج الصراع على أسس إثنية وقبلية، وتحويل أي رأي تحليلي أو نقدي أو حتى محايد إلى خيانة أو انحياز. وقد طالت هذه الممارسات السياسيين من مختلف المعسكرات، والأكاديميين والمثقفين والكتاب وكتّاب الرأي، إضافة إلى الناشطين ولجان المقاومة، بل حتى المواطنين العاديين الذين يشاركون همومهم وانطباعاتهم على صفحاتهم الشخصية. وأشار تقرير حديث للمرصد السوداني لحقوق الإنسان إلى أن المدافعين عن حقوق الإنسان، باختلاف خلفياتهم المهنية، يُعتبرون من أبرز ضحايا هذا الاستقطاب؛ إذ غالباً ما يضعهم طرفا الحرب في خانة الأعداء، لأن تقاريرهم لا ترضي أياً منهما، رغم أن أحد طرفي الحرب قد يستخدم بعض هذه التقارير بشكل ذرائعي حين تخدم أغراضه في إدانة الطرف الآخر.
    في هذا السياق، يكثر استخدام مصطلحات إثنية مفخخة بالتمييز والوصم مثل: “أولاد الضيوف”، “الفلنقايات”، و”بقايا الترك”. كما تُستخدم عبارات ذكورية مهينة بحق النساء، إما لإسكاتهن أو لوصم الطرف الآخر، وفي الحالتين تُهان كرامة النساء ويُستهدف حضورهن في النقاش العام. وأي محاولة لتحليل أسباب الحرب أو دينامياتها بموضوعية، أو توجيه النقد إلى طرفيها بسبب الجرائم والانتهاكات، تُقابل باتهام فوري بالعمالة للطرف الآخر.
    وقد لاحظ المراقبون أن هذا المناخ المسموم يدفع كثيراً من المثقفين والأكاديميين والكتاب إلى الصمت أو تجنّب المشاركة في النقاش العام، خوفاً من التشويه أو الاتهام، مما يُضيّق فضاء حرية الرأي والتعبير ويُضعف إمكانيات الحوار المجتمعي البنّاء.
    • استهداف النشطاء والمتطوعين: يواجه المدنيون الذين يمارسون دوراً مجتمعياً أو إغاثياً أو حقوقياً تهديدات مباشرة بسبب مواقفهم أو أنشطتهم، مما يشل الفضاء المدني . فقد تم استهداف واعتقال متطوعين ونشطاء مدنيين يعملون في “غرف الطوارئ” لتوزيع الغذاء والمساعدات الإنسانية. وفي المناطق التي تبادل فيها الجيش والدعم السريع السيطرة على الأرض، وثّق المرصد السوداني لحقوق الإنسان حالات لناشطين استهدفهم الطرفان بالاعتقال والتعذيب والترهيب، على أساس نفس التهمة، أي التعاون مع الطرف الآخر، بينما كُرمّ أشخاص يشتبه في ارتكابهم جرائم حرب، خاصة في ولاية الجزيرة، بسبب انضمامهم إلى القوات المسلحة. كما وثّقت تقارير أخرى في الخرطوم، تداول قوائم بأسماء أشخاص يُفترض استهدافهم باعتبارهم “شركاء لقوات الدعم السريع”. وتشمل هذه القوائم أسماء بعض السياسيين والنشطاء والعاملين في المجال الطبي والقانونيين وأعضاء في لجان المقاومة. وبشهادة المجتمعات المحلية، لم يقم كثير من هؤلاء الأشخاص سوى بمساعدة مجتمعهم وتسهيل وصول المساعدات، التي يجمعونها غالبا من أفراد المجتمع المحلي المقيمين خارج البلد.
    • الحرب الاسفيرية و”الدجاج الإلكتروني”: أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة معركة رئيسية في سياق الحرب الدائرة في السودان، حيث تُقمع الآراء المعارضة أو غير المتطابقة مع روايات الطرفين النافذين عبر حملات تشويه ممنهجة ومنسقة. وقد لوحظ أن كلا الطرفين يوظف جيوشاً إلكترونية وحسابات وهمية، فيما يُطلق عليه السودانيون مصطلح “الدجاج الإلكتروني”، وهم أفراد يعملون بشكل منظم لنشر معلومات مضللة وأخبار كاذبة وروايات غير صحيحة عن سير المعارك أو أسباب النزاع، إضافة إلى تشويه سمعة أي شخص يطرح تحليلاً نقدياً أو وجهة نظر مخالفة .إن نشر الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة يؤدي إلى تشويش الرأي العام، وإحداث تعمية متعمدة، وتعميق حالة الاستقطاب بين السودانيين. ويصبح من الصعب للغاية على المواطن العادي التمييز بين الحقيقة والدعاية، مما يدفع الكثيرين إلى الانحياز لرواية معينة خوفاً من الاتهام أو التشكيك في ولائهم. وهكذا تتحول الفضاءات الرقمية إلى أدوات قمعية تُستخدم لإسكات الأصوات المستقلة، وتعزيز الانقسام المجتمعي، وإضعاف قدرة المواطنين على الوصول إلى المعلومات الدقيقة والموثوقة.
    التوصيات
  7. الإفراج الفوري وغير المشروط عن الصحفي معمر إبراهيم، وجميع الصحفيين والصحفيات والإعلاميين والإعلاميات المحتجزين لدى قوات الدعم السريع. كما يجب تحميل قادة قوات الدعم السريع المسؤولية الجنائية الكاملة عن سلامة الصحفي معمر إبراهيم الجسدية والنفسية، وعن أي انتهاكات تُرتكب بحق الصحفيين الآخرين، خاصة الذين تم إخفاؤهم قسرياً، حيث تندرج تلك الأفعال تحت الجرائم الدولية ولا سيما جريمة الحرب.
  8. يجب على الحكومة السودانية الكف عن استهداف الصحفيين واحتجازهم تعسفيا وفتح تحقيقات حول مقتل صحفيين خارج نطاق القضاء مما يشكل انتهاكاً للقانون الوطني والدولي وتقديم المسؤولين عن هذه الجرائم إلى العدالة.
  9. يجب أن تؤكد قوات الدعم السريع، باعتبارها سلطة أمر واقع تسيطر على مناطق عديدة من البلد وينطبق عليها القانون في مناطق سيطرتها، التزامها الصارم بالقانون الدولي الإنساني والقانون الإنساني الدولي العرفي، وضمان حماية جميع المدنيين، بمن فيهم الصحفيون.
  10. ندعو بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى مواصلة توثيق انتهاكات حرية التعبير والجرائم التي وقعت بسبب التغول عليها، كما ندعو آليات الأمم المتحدة المعنية بحرية التعبير وحرية الرأي وحرية الصحافة ومجموعة العمل الخاصة بالاختفاء القسري بالأمم المتحدة والمفوضية الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب إلى إيلاء الاهتمام الكافي لهذه الممارسات والمتابعة اللصيقة للوضع في السودان.
  11. في الختام، و ما لا يقل أهمية عن كل ما تقدم، ندعو المثقفين والمفكرين والأكاديميين والكتاب وقادة الرأي والمؤثؤين على مواقع التواصل الاجتماعي، باختلاف مدارسهم الفكرية واختلاف مواقفهم من الحرب الدائرة، إلى الدفاع عن حق أي سودانية وسوداني في حرية الرأي والتعبير. إن الصمت عن هذه الانتهاكات يعني اتساعها حتى تبتلع فضاء النقاش العام المعافي، بما في ذلك أصواتهم هم أنفسهم.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان: لا حلول سوى القضاء على التمرد أو استسلامه والأبواب مفتوحة لمن يضع السلاح

(سونا)- شهد السيد رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان، …