المصالحة الوطنية في جنوب السودان: قراءة مقارنة مع تجربة جنوب إفريقيا

lualdengchol72@gmail.com

المصالحة الوطنية في جنوب السودان: قراءة مقارنة مع تجربة جنوب إفريقيا بقلم: لوال كوال لوال تُعد المصالحة الوطنية شرطاً ضرورياً لأي مشروع بناء دولة بعد النزاعات المسلحة. وتجربة جنوب إفريقيا بقيادة نلسون مانديلا تقدم نموذجاً حياً يمكن مقارنته بواقع جنوب السودان، الذي ما زال يبحث عن صيغة ناجعة لتجاوز الحرب والانقسام. أولاً: تجربة جنوب إفريقيا – المصالحة كإطار شامل بعد سقوط نظام الفصل العنصري، واجهت جنوب إفريقيا تحدياً وجودياً: كيف تتعايش الأغلبية السوداء مع الأقلية البيضاء التي مارست التمييز لعقود؟ لم يكن الحل في الانتقام أو في الإقصاء، بل في تأسيس لجنة الحقيقة والمصالحة (1995). هذه اللجنة مثلت منصة رسمية لسرد الحقائق، حيث أُتيح للضحايا والجناة على السواء أن يرووا قصصهم. ومنحت الدولة عفواً مشروطاً لمن يعترف بجرائمه، مقابل أن يعرف المجتمع الحقيقة كاملة. كان الهدف الأساسي ليس العقاب وحده، بل إعادة بناء الثقة المجتمعية وفتح الطريق أمام عقد اجتماعي جديد، تقوده زعامة أخلاقية مثل مانديلا، الذي جعل التسامح خياراً استراتيجياً. ثانياً: جنوب السودان – اتفاقيات بلا مصالحة حقيقية منذ الاستقلال عام 2011، شهد جنوب السودان توقيع عدة اتفاقيات للسلام، أبرزها: 1. اتفاقية السلام 2015 التي انهارت سريعاً بعد تجدد الصراع. 2. اتفاقية 2018 (المعروفة بالـR-ARCSS) التي سعت لتقاسم السلطة بين الفرقاء. ورغم أهميتها، إلا أن هذه الاتفاقيات عانت من غياب مصالحة وطنية شاملة. فقد ركزت على: 1. تقاسم السلطة بين النخب أكثر من معالجة جذور الأزمة. 2. الترتيبات الأمنية دون إعادة بناء الثقة بين المكونات الاجتماعية. 3. الصمت عن الجرائم والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون، مما ترك جراحاً مفتوحة تعيق الاستقرار. وبالمقارنة مع جنوب إفريقيا، يمكن القول إن جنوب السودان تعامل مع السلام باعتباره صفقة سياسية بين الأطراف المتصارعة، بينما تعاملت جنوب إفريقيا مع المصالحة باعتبارها مشروعاً وطنياً يخص المجتمع بأسره. ثالثاً: التحديات أمام تطبيق نموذج جنوب إفريقيا في جنوب السودان رغم أهمية الاستلهام من تجربة مانديلا، إلا أن خصوصية جنوب السودان تفرض جملة من التحديات: 1. البنية القبلية المعقدة: المجتمع في جنوب السودان متنوع إثنياً وقبلياً، مما يجعل أي عملية مصالحة تحتاج إلى توازنات دقيقة تتجاوز الحسابات السياسية إلى معالجة العداوات التاريخية بين المكونات الاجتماعية. 2. ضعف المؤسسات الرسمية: بخلاف جنوب إفريقيا التي ورثت مؤسسات دولة قوية نسبياً، يعاني جنوب السودان من هشاشة مؤسسات القضاء والأمن والإدارة، مما يضعف قدرة الدولة على إنفاذ العدالة الانتقالية. 3. التدخلات الإقليمية والدولية: الصراع في جنوب السودان لم يكن محلياً خالصاً، بل تشابكت فيه أجندات خارجية، الأمر الذي يجعل المصالحة رهينة لتوازنات إقليمية معقدة. 4. ثقافة الإفلات من العقاب: غياب المحاسبة عن الجرائم منذ الحرب الأهلية الأولى خلق مناخاً يشجع على تكرار الانتهاكات، مما يتطلب تغييراً جذرياً في الذهنية السياسية. 5. غياب الزعامة الأخلاقية الجامعة: لم يظهر في جنوب السودان حتى الآن قائد يمتلك الكاريزما والرمزية الوطنية التي تمكنه من لعب الدور الذي لعبه مانديلا في جنوب إفريقيا. رابعاً: الدروس الممكنة لجنوب السودان 1. الحقيقة شرط المصالحة: لا بد من إنشاء لجنة وطنية مستقلة تعطي للضحايا صوتاً وللمجتمع فرصة لمواجهة ماضيه. 2. العدالة الانتقالية: الموازنة بين محاسبة المسؤولين وإعادة إدماجهم في الحياة الوطنية وفق شروط واضحة. 3. الزعامة الأخلاقية: الحاجة إلى قيادة قادرة على تجاوز الحسابات الضيقة وتبني خطاب وطني جامع. 4. إشراك المجتمع: توسيع دائرة المصالحة لتشمل الكنائس، منظمات المجتمع المدني، النساء والشباب، بدلاً من حصرها بين النخب السياسية. إن المقارنة بين جنوب السودان وجنوب إفريقيا تكشف أن السلام لا يُبنى باتفاقيات النخب وحدها، وإنما بالمصالحة الوطنية التي تعترف بالحقائق، وتداوي الجراح، وتفتح الطريق أمام مشروع وطني جامع. صحيح أن تحديات جنوب السودان كبيرة، لكن تجربة مانديلا تقول لنا إن المستحيل يمكن أن يتحول إلى واقع، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والقيادة

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …