المصالحة وسط الرصاص: شروطها، حدودها، جدواها، وأطرافها

عبد القادر محمد احمد/ المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com

تعكس كتابات د. أماني الطويل في الشأن السوداني انشغالًا مستمرًا بتعقيدات الأزمة، ومحاولة تفكيك أسئلتها الصعبة. وكمثال مقالها: «هل يجوز طرح فكرة المصالحة في أوقات الصراع؟»، حيث تتناول إشكالية المصالحة من حيث ملاءمة الفكرة، وحدودها، وتوقيتها، وجدواها وأطرافها.

ترى د. أماني أن الشروط الموضوعية لمصالحة شاملة غير متوفرة، في ظل غياب الاعتراف المتبادل بين الجيش وقوات الدعم السريع، وضعف القوى المدنية، إلى جانب وجود الإسلاميين كشبكة مصالح أسهمت في بناء الدولة السلطوية وتغذية الحرب.

لذلك تقترح مقاربة تقوم على إدارة الصراع لا حله، عبر إجراءات تكتيكية وتهيئة بيئة تسمح بإعادة تموضع القوى المدنية وتراكم الثقة تدريجيًا.
وترى أن هذه المصالحة المتدرجة تُخفّض كلفة الحرب وتمنع الانهيار، وتمهّد لمفاوضات سياسية دون أن تمنح أي طرف شرعية كاملة أو تُنتج صفقة خارجية.

وتحدد أطراف المصالحة في: الجيش، الدعم السريع، الحركات المسلحة، والإسلاميين، وتقدم تبريرات منطقية لوجود كل طرف. ثم تؤكد على القوى المدنية كطرف باعتبارها المصدر الوحيد للشرعية السياسية، لكن عليها تأكيد القدرة على إنتاج خطاب واقعي وتوافق سياسي أدنى.

خلاصة المقال: المصالحة أداة سياسية، فإذا أُسيء استخدامها تُعيد العنف، وإذا أُديرت بعقلانية قد تفتح طريقًا لإنهاء الحرب. وتختم د. أماني مقالها بسؤال عن مدى قدرة النخب على استغلال المصالحة كوسيلة لإنهاء الحرب؟

في تقديري، واقع حال أطراف المشهد، ولا سيما القوى المدنية، لا يقود إلى توقّع أي مصالحة آنية، سواء كانت متدرجة أم غير ذلك. فالقراءة الواقعية لمخرجات نيروبي والقاهرة تشير إلى التعويل على «الرباعية» بوصفها المخرج الأساسي للأزمة، وهو ما يعطّل التفكير الجاد في حلول داخلية.

كما أن الدعوة إلى تصنيف الإسلاميين جماعةً إرهابية وإقصائهم كليًا من المشهد السياسي من شأنها زيادة تعقيد الأزمة، لا سيما وأنهم يمثلون طرفًا فاعلًا في تمويل وإدارة الحرب، عسكريًا.

لا شك أن الإقصاء أو المراهنة على الحل الخارجي يضعف فرص قيام مركز مدني موحّد قادر على فرض نفسه كطرف مؤثر في المشهد. وحتى مع افتراض حدوث إنهاك متبادل بين أطراف الصراع، فإن تشتّت وضعف القوى المدنية قد يُفضي إلى تسويات ثنائية بين المتحاربين، تحظى بدعم بعض القوى الخارجية، بما يزيد الأزمة تعقيدًا.

لكن ما يبعث على التفاؤل أن عددًا متزايدًا من القوى المدنية والشخصيات الرافضة للحرب بدأ يتجمع في منصات ومجموعات إسفيرية، إدراكًا لضرورة البحث عن حلول وطنية.

والمأمول ألا تمارس القوى المدنية الاصطفاف في مواجهة من يراهنون على الحلول الخارجية، بل أن تعمل على استيعابهم عبر دور إيجابي متوازن؛ لا يرفض التدخلات الحميدة، ولا يعلق عليها وحدها. وأن تحين لحظة تتوحد فيها جميع القوى المدنية في منصة واحدة، لتعلن حضورها الفاعل وقدرتها على كسب ثقة الأطراف الأخرى، مما يمكنها من تقديم حلول أكثر جرأة وحسمًا من الحلول المتدرجة.

وأيًّا كان الفهم، فإن مما يحمد للدكتورة أماني اهتمامها المتزايد بالأزمة السودانية، وطرحها لقضايا ومقترحات بالغة الأهمية تُسهم في تفكيك تعقيدات الأزمة، وتفتح المجال أمام العصف الذهني بحثًا عن الحل.

وفي المقابل، نلحظ ضعف الاهتمام الجاد بالأزمة لدى الكثير من المثقفين والمفكرين السودانيين؛ إذ يكتفي بعضهم بالمراهنة على نجاح أو فشل الحل الخارجي دون تقديم بدائل داخلية، بينما ينشغل آخرون بتبادل الاتهامات ونقد ما قبل الحرب، أو يرفضون المقترحات المطروحة بانطباعية قبل التمعّن فيها.

لا أقصد الانتقاص من دور المثقف أو المفكر السوداني، لكنها دعوة لشحذ الهمم والتنافس في العصف الذهني وابتكار الحلول، بدل الاكتفاء بترقّب إخفاق هذا المسار أو ذاك، لتأكيد توقعاتهم.

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …