د.صبري محمد خليل/ استاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعة الخرطوم
sabri.m.khalil@g.mail.com
أولاً: المظاهر الإيجابية: هناك العديد من المظاهر السلوكية والفكرية الإيجابية التي تميز الشخصية السودانية، منها على سبيل المثال لا الحصر :
- شجاعة .
- الكرم .
- التضامن الإجتماعى .
- اكرام الضيف والغريب.
- التسامح الدينى.
- الالتزام الاخلاقى.
- احترام المراه.
- احترام العلم والعلماء
- الامانة.
هذه المظاهر مصدرها القيم الحضارية، التي تكتسبها هذه الشخصية من خلال علاقات انتمائها الاجتماعية والحضارية المتعددة” مادون الوطنية، القومية، الدينية..”
فهي ملازمة لنمو المجتمع السوداني، وفي ظله فإن كل جيل يرث هذه القيم الحضارية ثم يطورها وينميها.
ثانياً: المظاهر السلبية: غير أنه نتيجة لعوامل داخلية و خارجية متفاعلة ، فقد حدث تخلف في النمو الاجتماعى والحضارى للمجتمع السوداني. وقد أصبح الأخير مصدراً للعديد من المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية. ومكرساً لحدوث انفصال أو قطيعة بين ما ينبغي ان يكون ممثلاً في المظاهر الايجابية التي مصدرها القيم الحضارية السابقة الذكر، وما هو كائن ممثلاً في المظاهر السلبية التي مصدرها تخلف نمو المجتمع السوداني.
المظاهر الاجتماعية: فهناك العديد من المظاهر الاجتماعية الايجابية التي تميز الشخصية السودانية مصدرها القيم الحضارية التي تكتسبها هذه الشخصية من خلال علاقتي انتمائها الوطنية والقومية. وهناك العديد من المظاهر السلبية مصدرها تخلف النمو القومي (أن يُحول تخلف النمو الاجتماعي دون أن تبرز الأمة كطور ارتقت إليه القبائل والشعوب) والوطني (أن يحول تخلف النمو الاجتماعي دون أن يبرز الوطن كأرض مشتركة)..
أ/ نمط التفكير والسلوك الجماعي: يسود المجتمع السوداني كمحصلة لتخلف نموه الاجتماعي، الجماعية القبلية التي قد تفرز أنماطاً من التفكير والسلوك الايجابي كالتضامن ومساعده الآخرين.. لكنها تفرز أيضاً أنماطاً من التفكير والسلوك السلبي، كالتدخل في شؤون الغير، المجاملة، التقليد والاعتماد على الآخرين وعدم الاستقلال الشخصي، الحسد، النميمة والمحاباة….
ب/ العنصرية: هنا يجب التمييز بين نمطين من أنماط العنصرية: الأول مصدره شعوب وقبائل تجاوزت الأطوار القبلية والشعوبية إلى طور أمة: فأصبحت جزءاً من كل، والثاني مصدره شعوب أو قبائل لم تتجاوز بعد الأطوار القبلية أؤ الشعوبية فهي كل قائم بذاته، مع قيام دولة تضم هذه الجماعات. ويسود في الواقع الاجتماعي السوداني العنصرية طبقاً لنمطها الأول. وهو غير مقصور على جماعة قبلية سودانية، بل يمتد ليشمل كل الجماعات القبلية والشعوبية السودانية، رغم تفاوته من جماعة القبلية إلى أخرى.
ج/ الطائفية: الطائفة مذهب ديني مقصور على جماعة أو جماعات معينة (عشيرة أو قبيلة أو شعب معين).
ويجب التمييز بين الطائفة كوحده تكوين إجتماعى – مذهبى، وبين الطائفية بدلالتيها:
١. دلاله محايده: بمعنى الانتماء إلى طائفة معينه.
٢. دلاله سلبية: بمعنى اعتبار هذه الطائفة كل قائم بذاته مستقل عن الكل” الوطنى والقومى والدينى.”، ويتمثل فى التعصب الطائفى ، والذى يفرز أنماطاً من التفكير والسلوك السلبي كتقديس الزعماء، والإنغلاق، والجمود…
د/ الخلط بين علاقات الانتماء المتعددة:
للشخصية الحضارية السودانية علاقات انتماء متعددة:
- وطنيه”سودانية”:ذات مضمون جغرافى – إقليمى، اى انتماء إلى إقليم جغرافى معين، اى أرض معينه، لكن دخلت خلال التفاعل الاحتماعى والحضارى معها إلى صميم تكوين الشخصية فأصبحت جزء منها.
- قومية”عربيه”: ذات مضمون لغوى- مشترك ، تتمثل فى اللغه العربية، كللغة قومية – مشتركة، للجماعات” القبلية أو الشعوبية” السودانية، بصرف النظر عن أصولها العرقية، ولهجاتها القبليه ولغاتها الشعوبية القديمه الخاصه. فهى ذات مضمون لغوى حصارى غير عرقى
- علاقات انتماء عرقيه متعدده: فالحماعات القبلية والسعوبية السودانيه ذات أصول عرقيه متعدده، وحدثت مظاهره واختلاط بينها.
- جغرافيه قاريه(افريقيه) : فاامضمون الاساسى لعلاقة الانتماء الأفريقية أنها ذات مضمون جغرافى قارى. أما المضمون الاجتماعى الحضارى فهو ثانوى، لان ما هو مشترك بين الأمم والشعوب والقبائل القطنه فى القاره، لا يرقى الى درجه الوحده الاجتماعيه الحصارية، فهى ليست أمه.
- دينيه – حضارية “اسلاميه”,: فالاسلام دين وحضاره، فإذا كان كدين مقصور على المسلمين، فهو كحصاره يشمل المسلمين وغير المسلمين، لأنه مصدر حضارى للعادات والتقاليد المشتركه. والعلاقة بين علاقات الانتماء المتعدده هذه ينبغى ان تكون علاقة تحديد وتكامل ، وليست عباقه الغاء و تناقض، لكن يسود الخلط بينها، واعتبار أن العلاقة بينها هي علاقة تناقض، وبالتالي فإن الإقرار بعلاقة الانتماء المعينة يقتضي إلغاء علاقات الانتماء الأخرى (مذهب الوحدة المطلقة).
المظاهر الثقافية: إن امتداد الحياة في ظل تخلف النمو الاجتماعي افرز العديد من المظاهر السلوكية السلبية بين المتعلمين والمثقفين. لتصبح هذه المظاهر السلوكية السلبية احد عوامل استمرار هذا التخلف؛ لأنها تفتك بمقدرة المثقفين الذين هم قادة حركة التطور الاجتماعي- معرفيا وليس بالضروره تنفيذيا- في كل المجتمعات. وهنا يجب عدم الخلط بين المثقفين (أي الذين لهم المقدرة الفكرية لإدراك المشكلات الاجتماعية ومعرفة حلولها والمقدرة على العمل الجماعي اللازم لحلها)، والمتعلمين أو الأكاديميين (الذين لا يعرفون من العلم إلا ما تعلموه في معاهده المتخصصة، ويجهلون علاقتها بمشكلات الواقع الاجتماعي أو لا يهتمون بتلك الصلة).
الفردية” الانانية”: من أهم هذه المظاهر السلوكية السلبية هي الفردية ” الانانية”، ومرجع هذه النزعة الفردية عند بعض المثقفين أنهم في المجتمعات المتخلفة قوة نادرة فلا تستطيع مجتمعاتهم أن تستغني عنهم، يمكن أن يضاف إلى هذا أسباب عدة، منها التغريب، ومنها ميراث الممارسة الليبرالية كمذهب فردي يترتب عليه إطلاق الفرد من التزاماته المترتبة على انتمائه إلى مجتمعه. هذه الفردية قد تأخذ شكلا نافيا كالعزلة الفكرية عن قضايا الجماهير، أو شكلاً مثبتا كالاستعلاء على الناس.
المظاهر الفكرية: نسبة لتخلف النمو الحضاري للمجتمع السوداني ظهرت بعض خصائص التفكير الأسطوري ، في بعض أنماط تفكير الشخصية السودانية وليس في أغلب أو كل أنماط التفكير فيها؛ أي أن الشخصية السودانية لم ترتد إلى نمط التفكير الأسطوري (كما يرى بعض المستشرقين)؛ بل تحولت إلى شخصية يختلط فيها التفكير العقلاني بخصائصه (الشك المنهجي، العقلاية، المنطقية والروح النقدية) مع التفكير الأسطوري (النزعة القطعية، اللا عقلانية، اللا منطقية، الرفض أو القبول المطلقين).
المظاهر العلمية: وبتخلف نمو المجتمع السوداني حضاريا تخلف علمياً أيضا لأن العلم أحد أنماط النشاط الحضاري. وهنا لم ترتد الشخصية السودانية إلى نمط التفكير الخرافي، بل أصبحت تتبنى بعض أنماط التفكير العلمي في بعض شؤونه، بينما ينتهج بعض أنماط التفكير الخرافي في البعض الآخر. وبالرجوع إلى الشخصية السودانية نجد الجمع بين النمطين من أنماط التفكير ماثلاً في الإقرار بعدم إمكانية نجاح أي فعل دون معرفة والتزام هذه القوانين لأغلب الناس في الأحوال العادية، مع الاعتقاد بإمكانية نجاح فعل بعض الناس في حالات معينة، دون معرفة والتزام هذه القوانين. كما نجد عدداً من خصائص التفكير الخرافي كالاعتقاد بإمكانية العلم بالغيب (رمي الودع وقراءة الكف وضرب الرمل وقراءة الأبراج) وشيوع هذا الاعتقاد حتى بين المتعلمين، رغم تحريم الإسلام القاطع له. وعدم احترام قيمة الزمن. وانتفاء الموضوعية ومن أشكالها خداع الذات (الإنكار الذاتي للحقيقة.. الموضوعية)، التبرير بدلا عن التفسير، (الدفاع الذاتي عن الواقع بدلا عن المحاولة الموضوعية لمعرفة الواقع تمهيدا لتغييره).
ومن خصائص التفكير اللا علمي شيوع التفكير الاحصائي (الاستاتيكي) (كبديل للبحث العلمي لا كخطوة من خطواته) والمتمثل في التعميم غير العلمي الذي يعبر عنه القول (لكل قاعدة شواذ) و(الاستثناء يثبت القاعدة). ومن أنماط التفكير والسلوك اللا علمي محاولة القفز (مما هو كائن) إلى (ما ينبغي أن يكون)، اي دون تدرج (مما هو كائن) إلى (ما هو ممكن) إلى (ما ينبغي أن يكون)، هذه المحاولة تؤدي (في التحليل النهائي) إلى الإبقاء على ما هو كائن ، أما ما ينبغي أن يكون فيصبح مجرد حلم أو أمنية مقطوعة الصلة بالواقع. وقد تؤدي إلى القطيعة بين الكلام والفعل، اي إيجاد عالمين منفصلين: عالم مثالي يجسد ما ينبغي أن يكون يظهر في الكلام. وعالم وقعي يجسد ما هو كائن ويظهر في السلوك الفعلي. ومن أنماط التفكير والسلوك اللا علمي خصائص إصدار أحكام قبلية على الأشياء والاحداث والناس، اي قبل التحقق من صدق أو كذب هذه الأحكام (الأحكام الانطباعية).
المظاهر التدينية: وقد اكتسبت الشخصية السودانية الكثير من القيم الدينية والحضارية من خلال الإسلام كعلاقة انتماء ديني حضاري، غير أن واقع تخلف النمو الحضاري للمجتمع السوداني أدى إلى شيوع بعض أنماط التفكير والسلوك البدعي، والبدعة هي الاضافة إلى أصول الدين دون الاستناد إلى نص يقيني الورود قطعي الدلالة، فنمط التفكير البدعي وان كان يتفق مع الدين في الموضوع، فيتناول ما هو غيبي مطلق، فانه يختلف عنه (وبالتالي عن نمط التفكير الديني «الاجتهاد») في وسيلة المعرفة، فهو يستند الى الحواس والعقل دون أن يكون محدوداً بالوحي كما في الأخير، وبالتالي فإنه يتضمن نمطي التفكير شبه الخرافي وشبه الاسطوري لأنه يخلط (جزئياً) بين وسائل المعرفة المستخدمة في مجالات المعرفة الانسانية المتعددة.
التغيير : إن تغيير الشخصية السودانية لا يعني إلغاء القيم الحضارية لهذه الشخصية، واستبدالها بقيم جديدة (كما يرى تيار التغريب والاستلاب الحضارى)؛ إذ أن محاولة اجتثاث أية شخصية من جذورها محاولة فاشلة لن تؤدي إلى حطام شخصية. كما أنه لا يتم من خلال الإبقاء على هذه الشخصية كما هي كائنة (كما يرى تيار الجمود والعزلة الحضارية )؛ لأن هذا يعني الإبقاء على المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية التي افرزها تخلف النمو الحضاري. بل بإلغاء هذه المظاهر السلبية بإلغاء سببها (تخلف النمو الحضاري)، لتبقى هذه القيم الحضارية كمصدر للمظاهر السلوكية والفكرية الإيجابية. من زاوية أخرى فإن التغيير لا يتم بالقفز على الواقع، بل بالتدرج (بالانتقال به مما هو كائن إلى ما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون). على هذا فإن التغيير يتم عبر مرحلتين:
المرحلة الأولى :هي مرحلة الانتقال مما هو كائن إلى ما هو ممكن. كما أنها مرحلة نشر الأفكار التي تسهم في تأكيد هذه القيم الحضارية وتطويرها، واستيعاب ما لا يناقضها من قيم وأساليب وحلول من مجتمعات أخرى. كما أنها مرحلة محاربة التفكير البدعي «والتفكير شبه الخرافي وشبه الاسطوري المضمن فيه» ونشر التفكير الاجتهادي «والتفكير العلمي والعقلاني – الذي لا يتناقض مع الوحي – المتضمن فيه» كشرط ذاتي لتحقيق التقدم الحضاري للمجتمع السوداني..
المرحلة الثانية :هي مرحلة الانتقال مما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون. وهي مرحلة تطبيق النظم التي ُتجسِّد هذه القيم الحضارية وتطويرها، التي تلغي المظاهر السلوكية والفكرية السلبية بإلغاء مصدرها المتمثل في تخلف النمو الحضاري، بالاحتكام إلى الجماهير ذاتها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم