م. هيثم عثمان إبراهيم
في الحروب الطويلة يصير المتحاربون أسرى تحالفاتهم قبل أن يصيروا أسرى أعدائهم. وما يجري في السودان اليوم لم يعد حرباً بين جيش وميليشيا بل صار حرباً بين معسكرين تشكّلا تحت ضغط الضرورة وليس بفعل مشروع سياسي جامع وبات كل منهما ائتلافاً هشّاً من مصالح تتصالح اليوم تحت سقف الحرب وتتصادم غداً تحت سقف السلام.
ومن هنا تحديداً تولد مفارقة استراتيجية نادراً ما يُلتفت إليها وهي ان أي محاولة دولية لترجيح كفة أحد المعسكرين أو المساواة بينهما أو منح الشرعية لأحدهما لا تقود إلى وقف الحرب ولا إلى استدامة السلام بل تنتهي إما إلى إطالة أمد النزاع وإما إلى تسوية مسكّنة سرعان ما يتبخر أثرها وتعود الحرب أشد ضراوة.
معسكران لا مشروعان
على امتداد سنوات القتال أعادت الحرب تشكيل طرفي الصراع الرئيسيين ودفعت كل طرف إلى ابتلاع حلفاء لا يشبهونه بالضرورة ليتحوّل كل منهما إلى معسكر مركّب تختلف بوصلة مكوناته كلما اقترب أفق النصر أو ابتعد.
المعسكر الذي تقوده القوات المسلحة السودانية لم يعد جيشاً نظامياً بالمعنى التقليدي. الحرب جمعت تحت مظلته أربع كتل متباينة وهي المؤسسة العسكرية ذاتها التي تخوض حرباً لبسط السيادة واستعادة الاحتكار ولكنها في العمق تحمي أيضاً شبكة اقتصادية هائلة تشابكت مع الدولة عبر عقود. و بعض الحركات المسلحة الدارفورية الموقعة على اتفاق جوبا للسلام التي دخلت المعركة وفي جيبها اتفاق تريد تحصينه قبل أن تبتلعه تسويات ما بعد الحرب. وتيار إسلامي عريض وجد في الحرب فرصة لاستعادة نفوذ سياسي فقده منذ ثورة ديسمبر 2019م. والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة مالك عقار التي تقاتل إلى جانب الجيش في النيل الأزرق محكومة بأجندة منطقتها أكثر من انشغالها بمن يسيطر على الخرطوم.
في المقابل لم يعد المعسكر الآخر مجرّد قوة متمردة خرجت عن سيطرة الجيش. لقد تحول هو أيضاً إلى تحالف مصلحة مركّب فرضته توازنات القوى الميدانية. في قلبه تقف قوات الدعم السريع التي تحولت من ميليشيا محلية إلى جيش موازٍ يسيطر على مساحات شاسعة ويدير اقتصاد حرب خاصاً به. وإلى جانبها تقف الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو التي تحمل مشروعاً سياسياً واضحاً يقوم على الدولة العلمانية وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والمناطق المهمشة. كما يضم هذا المعسكر فصائل منشقة عن اتفاق جوبا للسلام وسياسيين مدنيين تجمّعوا في إطار تحالف تأسيس وأصبحوا واجهة سياسية تمنح المعسكر قبولاً دبلوماسياً نسبياً.
السمة الجوهرية التي يشترك فيها المعسكران هي أن العدو المشترك هو الغراء الوحيد الذي يمسك بكل منهما. وليس مشروع دولة واضحاً يجمع مكونات المعسكر الأول ولا رؤية حكم موحدة تجمع مكونات المعسكر الثاني. وفي هذا الفراغ السياسي تحديداً يكمن سر المفارقة.
حين يصبح الدعم عبئاً… وحين يصبح الإقصاء وقوداً
لنفترض أن المجتمع الدولي في أي لحظة من لحظات هذه الحرب سعى إلى ترجيح كفة معسكر على آخر أو منحه شرعية المحاور الأوحد. أول ما سيفعله هذا الترجيح هو رفع الضغط الخارجي المتماثل الذي كان يُلزم حلفاء كل طرف بالبقاء في إطار تفاوضي واحد خوفاً من مغبة الانفراد الذي قد يكلّفهم غطاءً دولياً. وما إن يختفي هذا السقف الواحد يبدأ سباق خفي على مكاسب ما بعد الحرب قبل أن تنتهي الحرب فيتمدد الحلفاء ميدانياً ليثبتوا أوراقهم وتتحرك الغرائز القديمة للشراكة الوظيفية حيث يُستخدَم الحليف في الحرب ثم يُعاد إلى الهامش في السلام فيستشعر الحلفاء الخطر ويتصلبون فيضعف التنسيق العسكري وتطول الحرب.
هكذا تتحول استراتيجية الترجيح إلى أداة تفكيك داخلي للمعسكر الذي يُراد تقويته. لكن الوجه الآخر للمفارقة لا يقل خطورة. فاستبعاد المعسكر الآخر بالكامل لا ينهيه ولا يُضعفه بل يجمّد منطقه عند حالة الحرب الدائمة. حين لا يملك أي أفق تفاوضي يصبح خياره الوحيد هو مواصلة القتال لأن التوقف في غياب مسار سياسي يعني الانهيار. وبينما يخسر معارك هنا وهناك يكسب في كل يوم إضافي فرصة لإدامة اقتصاد الحرب وإعادة التموضع وتقوية خطوط إمداده. والوقت الذي يُفترض أن يكون في صالح من يُدعم يتحول إلى سلاح في يد من يُستبعد.
أما المساواة بين المعسكرين التي تبدو للوهلة الأولى حلاً وسطاً معقولاً فهي لا تفعل شيئاً سوى تقنين موازين القوى القائمة وتجميد الصراع عند حدوده الراهنة وإضفاء الشرعية على أمراء الحرب باعتبارهم “الأطراف المعنية”. هذه التسوية المسكّنة تُنتج سلاماً هشّاً هو في جوهره هدنة مسلحة تنتظر جولة القتال التالية وتتبخر مكاسبها فور اختلال ميزان الردع الذي أنتجها.
وهكذا تعمل المفارقة في كل الاتجاهات فالترجيح يُفكك والإقصاء يُجمّد والمساواة تُسكّن. ولا طريق من هذه الطرق يفضي إلى وقف دائم للحرب لأن أياً منها لا يعالج جذورها بل يدور في فلكها.
الطريق الثالث: فرض مشروع التغيير على المعسكرين
إذا كانت هذه هي طرق المأزق فأين المخرج؟ المخرج لا يكمن في اختيار أي من هذه الخيارات الثلاثة بل في تجاوزها جميعاً إلى مسار مختلف كلياً وهو الضغط الدولي الموجّه ليس على “من يحكم؟” بل على “ما المشروع الذي يُفرض؟”.
هذا المسار يبدأ من إدراك أن السودان ليس أرضاً بلا مشروع. فهناك مشروع تغيير واضح المعالم بدأته ثورة ديسمبر 2018 ولم ينطفئ رغم الحرب والانقلاب والقمع. مشروع يقوم على إزالة تمكين الدولة العميقة للإسلاميين الذين استولوا على مفاصل الحكم لعقود وبناء جيش مهني واحد يخضع للسلطة المدنية وإرساء العدالة الانتقالية الشاملة التي تعالج جراح الحرب وتؤسس للمصالحة والمضي قدماً في مشروع الانتقال الديمقراطي بدستور دائم ومؤسسات منتخبة مع معالجة آثار الحرب وإعادة الإعمار.
هذا المشروع ليس رفاهية سياسية تؤجل إلى ما بعد الحرب. إنه بالضبط شرط وقف الحرب ذاته. فالحرب لم تندلع فقط بسبب صراع على السلطة بين قائدين عسكريين بل بسبب بنية عميقة من الاقتصاد الريعي وعسكرة الدولة وإقصاء المدنيين وتفكك العقد الاجتماعي. وأي وقف لإطلاق النار لا يتضمن تفكيك هذه البنية هو مجرد هدنة مؤقتة.
لذا المطلوب من المجتمع الدولي ليس أن يختار طرفاً ولا أن يساوي بين طرفين ولا أن يمنح شرعية لأحد. المطلوب هو أن يفرض على المعسكرين معاً الالتزام بمشروع التغيير الذي صاغته الكتلة المدنية السودانية وريثة ثورة ديسمبر. هذه الكتلة بما تضمه من لجان مقاومة ونقابات وتجمعات مهنية وأجسام نسوية وشبابية وقوى مجتمع مدني هي الطرف الوحيد الذي لا يملك مصلحة في استدامة الحرب ولا في اقتصادها وهي الوحيدة التي تملك تصوراً للدولة لا يقوم على المحاصصة بين المسلحين.
غير أن قول هذا وحده لا يكفي. فالمضي قدماً في هذا الطريق الثالث يستلزم شرطين متلازمين لا يكتمل المسار بدونهما:-
الأول فهو أن ترتقي القوى المدنية السودانية بنفسها إلى درجة المسؤولية الوطنية فتتجاوز انقساماتها وتبني تحالفاً مدنياً قوياً موحداً مسلحاً بمشروع وطني واقتصادي واضح يعيد ثقة المجتمع الدولي فيها ويُظهرها طرفاً يمتلك ناصية الحلول وقادراً على إدارة مرحلة ما بعد الحرب بصورة توصل البلاد إلى التحول المدني الديمقراطي وتتجاوز تحديات الانتقال والفترة الانتقالية دون أن تضيع في متاهاتها.
وأما الشرط الثاني فهو أن يكون المجتمع الدولي جاداً في مسألة وقف الحرب وليس في التصريح فقط بل في تقديم الدعم المادي واللوجستي والفني اللازم لمواجهة تحديات الفترة الانتقالية والخروج بها إلى بر الأمان. وهذا يشمل إسهاماً حقيقياً عبر برامج الأمم المتحدة لإعادة الإعمار وترسيخ مسار الانتقال لا مجرد تعهدات تُعلن وتُنسى ولا مساعدات تتحول إلى وقود لاقتصاد الحرب بدلاً من أن تكون حجر أساس لاقتصاد السلام.
بهذين الشرطين معاً يتحول الطريق الثالث من تصور نظري إلى مسار عملي قابل للتحقق. فحين تملك الكتلة المدنية مشروعاً موحداً وجبهة متماسكة وحين يملك المجتمع الدولي إرادة جادة وأدوات ضغط فاعلة يصبح السؤال المطروح على المعسكرين ليس “من يحكم؟” بل “هل تقبلان بمشروع التغيير أم تتحملان كلفة رفضه؟”. ومن يرفض يضع نفسه خارج أي إطار شرعي.
المجتمع الدولي بين مأمنين: أمن مؤقت أم سلام دائم؟
هنا تبرز المعضلة الأعمق التي تحدد مصير كل ما سبق. المجتمع الدولي في تعامله مع أزمات كالسودان ينقسم بين مأمنين. المأمن الأول هو مأمن “الأمن المؤقت”: تسوية تقوم على تجميد الصراع وتقنين موازين القوى القائمة وإضفاء الشرعية الضمنية على أمراء الحرب باعتبارهم “الأطراف المعنية” مقابل وقف إطلاق نار مؤقت. هذا النموذج له جاذبيته لدى بعض العواصم: إنه سريع ولا يحتاج إلى هندسة سياسية معقدة ولا يزعج الفاعلين الإقليميين الذين بنوا علاقاتهم مع هذا الطرف أو ذاك. لكنه لا يعالج شيئاً من جذور الحرب. إنه يُجمّد الهشاشة ولا يفككها. ولأن طرفي الحرب يعرفان ثقافة الحروب ومهارة إدارة اقتصادها فإن أي تسوية من هذا النوع تمنحهما فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع قبل أن تعود الحرب أشد ضراوة.
المأمن الثاني هو مأمن “السلام الدائم”: فرض مشروع التغيير الديمقراطي الكامل على المعسكرين. وهذا المسار رغم أنه الأطول والأكثر كلفة هو الوحيد القادر على كسر الحلقة المفرغة. وهو يتطلب من المجتمع الدولي خطوتين متلازمتين: أولاً تبني مشروع الكتلة المدنية كإطار وحيد لأي تسوية ودعمها سياسياً ومادياً لتظل صانعة العقد لا مجرد طرف فيه. وثانياً ممارسة ضغط منسق وغير مسبوق على المعسكرين للانصياع لهذا المشروع بحيث يصبح السؤال المطروح عليهما ليس “من يحكم؟” بل “هل تقبلان بمشروع التغيير أم لا؟”. ومن يرفض يضع نفسه خارج أي إطار شرعي.
الخطر الأكبر هو أن يختار المجتمع الدولي حلاً هجيناً بين المأمنين: واجهة مدنية شكلية مدعومة دولياً ولكنها فارغة المحتوى بينما تبقى مفاصل الدولة في يد التحالفات العسكرية نفسها بأسمائها الجديدة. هذا الهجين يبدو وكأنه “حل وسط” لكنه في العمق تأجيل للأزمة لا حل لها.
الخاتمة: لا سلام دون مشروع ديسمبر
في السودان اليوم لا يقف جيش في مواجهة ميليشيا بل يقف معسكران هجينان صاغتهما ضرورات العنف لا مشاريع الدولة. وأي مقاربة دولية لا تنطلق من هذه الحقيقة وتظن أنها تستطيع هندسة السلام عبر ترجيح كفة أو مساواة أو إقصاء لن تحصد إلا المزيد من الحرب أو سلاماً هشّاً سرعان ما ينهار.
السلام الحقيقي في السودان لا يُبنى على موازين القوى بين المسلحين بل على إرادة التغيير التي فجرتها ثورة ديسمبر. المجتمع الدولي مطالب اليوم ليس باختيار طرف بل باختيار مشروع: إما مشروع الدولة العميقة الذي قاد إلى الحرب وإما مشروع الدولة المدنية الديمقراطية الذي وحده قادر على إنهائها. وكل يوم يمضي قبل أن تحسم القوى المدنية وحدتها وقبل أن يحسم المجتمع الدولي جديته هو يوم إضافي من الدم والدمار تدفع ثمنه الأغلبية الصامتة التي لم تحمل سلاحاً لكنها حملت حلماً لم يمت.
haytham.compre@gmail.com
