ماذا يفعل مني أركو مناوي؟
رجل كأن الزمن بالنسبة له لعبة نرد، أو أوراق “كوتشينا” تتقاذفها الرياح.
أمضى عقوداً وهو يعبر المصائر كما يعبر نهراً جافاً، متوشحاً شعارات العدالة، حاملاً قضايا أبناء جلدته وأحلام المهمشين، أمام مَن كان يسمّيهم “قوى الشمال الحاكم”، ومتذرعاً بظلٍ من الظلم الظاهر، لكنه في الوقت نفسه يتركهم يتخبطون في مخيمات النزوح، في حياة يشوبها الموت البطيء والتشرد المؤلم.
سنوات العمر التي مضت لم تورثه الحكمة ولا منحت الحركة أي غطاء للضمير، بل أفرزت مقامراً يجوب المصالحات كما يجوب رقعة شطرنج، مستعداً للتنازل عن الدماء من أجل التحالفات، وبيع القضية من أجل سراب السلطة.
منذ حروب دارفور الأولى وحتى اليوم، ظلّ مناوي يتعامل مع قضايا شعبه كما يتعامل مُراهن: مساوماته تتخطّفها المصالحات، ومطامحه تتغير بحسب الهبوب الصادر من العاصمة.
بعد سقوط البشير، رأيناه في حضن الجيش، متماهياً مع البرهان، متخلياً عن المدنيين الذين منحوه شرعية تاريخية (حاكماً على دارفور؟)، بعدما أسقطوا الطاغية في ثورتهم العظيمة (ديسمبر 2018). لولا تلك الثورة، لكان لايزال هائماً يلهث وراء سراب الصحارى، مقاتلاً وسط جنوده على تخوم المدن البعيدة.
تحالفه مع الجيش وعناصر الكيزان لم يكن مجرد تحالف عابر، بل طعنة في جسد الثورة، أدى إلى سقوط أعداد هائلة من القتلى العسكريين والمدنيين، وانحراف الحركة عن مسارها الثوري، مسار الحرية والتحول المدني.
ترك شعبه المحطم، وغامر برصيد الحركة، وانحاز إلى التحالفات الركيكة، وحامت حوله شبهات الانبطاح لمن أشعلوا الحرب كي يطمسوا أي جهد مدني في طريق التحوّل الديمقراطي، ويعرقلوا العدالة ويزرعوا الخراب في كل بقعة من الأرض.
اليوم، بدأت أصوات الحركة نفسها تعلو، معلنة نهاية فترة مناوي العملية، ومطالبة بإصلاح المؤسسات واستعادة الشرعية المفقودة عبر مؤتمر عام.
مكاتب الحركة في شرق دارفور والشمال الشرقي من ولاية شمال دارفور أصدرت بياناً يؤكد: حان الوقت لتجميد نشاط مناوي حتى انعقاد المؤتمر وانتخاب قيادة جديدة، فولايته العملية انتهت منذ خمسة عشر عاماً، وما عاد يملك الشرعية لاتخاذ قرارات مصيرية باسم الحركة.
لم يكتف البيان بتجميد النشاط، بل كشف عن جذور الأزمة: قرار مناوي بالانخراط في الحرب منفرداً، دون الرجوع إلى مؤسسات الحركة، هو فعل ديكتاتوري يتناقض مع مبادئ الديمقراطية والوحدة. وأخطر من ذلك، تحالفه مع الإسلاميين، الذي أدى إلى سقوط أعداد هائلة من رفاقه العسكريين والمدنيين قتلى، وانحراف بالحركة عن خطها الثوري، وتبنّى مساراً دموياً مشابهاً للمؤتمر الوطني، مساراً أشعل حرب 15 أبريل، ودمر البلاد والعباد.
أبعد من ذلك، يقول البيان، إن هذه الانحرافات ليست مجرد كلام، بل وثائق وأحداث مرّت على الأرض، شهدت سقوط الدماء، وتوثيق الخيانات. وبناءً على ذلك جاء دعم البيان للإجراءات الإصلاحية، وترحيبه “بتشكيل هيئة قيادية جديدة من الرفاق الذين أطلقوا المبادرة الإصلاحية في كمبالا، لاستعادة الحركة إلى خندق الدفاع عن المهمشين، وإعادة القضايا الوطنية إلى نصابها الصحيح”.
بين هذه المصائر، يبدو مناوي، في نظر مَن كانوا أنصاره وأصبحوا مناوئيه، مثل طائر أسير بين قضبان التاريخ والخيانة والمسؤولية. بين السلطة والموت الرمزي لقضيته.
الشعب المحطم، من دارفور إلى الخرطوم والمدن والضواحي، يراقب صامتاً: الجنود واللاجئين والمخيمات، والحلم الذي اختفى خلف القرارات الفردية والانحرافات الدموية.
ويبقى السؤال الملحمي قائماً وثقيلاً: ماذا يفعل مناوي؟ وإلى أين يذهب؟ هل يملك أي فرصة للعودة إلى ضمير الحركة، أم أن مصيره سيكون الانزلاق النهائي في هاوية الخيانة والسراب الذي زرعه بنفسه؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم